ابراهيم كاباوغلو
ديسمبر 15 2017

دأب حزب العدالة والتنمية.. منع اقامة محاكمة نزيهة في تركيا

عندما  أسقطت محاكم تركية التهم ضد تاجر الذهب التركي-الإيراني رضا ضراب وعشرات آخرين مقربين من الحزب الحاكم بعد احتجازهم في ديسمبر 2013، لم يحرم القضاء المتهمين من حقوقهم في إثبات براءاتهم وحسب، بل حرم أيضا الجمهور من حقه في معرفة تصرفات أصحاب السلطة.

احتلت شهادة ضراب أمام محكمة في نيويورك الأسبوع الماضي عناوين الأخبار في تركيا، لكن معظم الصحف نقلت جزءا صغيرا من مزاعمه بشأن ارتباط وزراء ومسؤولين بعملياته المعقدة للتحايل على العقوبات الدولية المفروضة على إيران.

كانت السلطات الأمريكية ألقت القبض على ضراب في ميامي في شهر مارس 2016 بعد وصوله للمدينة لقضاء أجازة عائلية. وتفاديا لعقوبة محتملة في حال إدانته قد تصل مدتها إلى عشرات السنين في سجن أمريكي، وافق الرجل على الشهادة بكل ما يعرفه وكشف المتورطين في ذلك النشاط مقابل تخفيف العقوبة.

لكن هذه ليست المرة الأولى له في السجن، فقد احتجزته السلطات التركية مع أكثر من 80 آخرين في عملية أمنية كبيرة بدأت في يوم 17 ديسمبر 2013 وطالت أيضا أبناء ثلاثة وزراء.

رغم موقفها الصعب في بادئ الأمر، استعادت الحكومة توازنها وردت الضربة، وجرى عزل المدعين ورجال الشرطة الذين أصدروا أوامر الاحتجاز ونفذوها ووجهت لهم السلطات تهم الارتباط برجل الدين التركي المقيم بالولايات المتحدة فتح الله غولن الذي كان حليفا لحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغانثم تحول إلى عدو.

ورغم ذلك، شكل البرلمان في نفس الوقت لجنة للتحقيق في مزاعم فساد على أعلى المستويات. لكن الحزب الحاكم أفسد عمل اللجنة وفقدت كثير من الأدلة التي جمعتها.

ومع ذلك، ثار جدل كبير بشأن إطلاق سراح ضراب من الحجز في فبراير 2014 والإفراج عن سليمان أصلان المدير العام لبنك خلق المملوك للدولة. ويقول الادعاء الأمريكي إن ضراب تواطأ مع بنك خلق لغسل مليارات الدولارات من عمليات نفط مقابل ذهب للتحايل على العقوبات.

خسر أصلان عمله لكن ضراب استمر حتى تلقى مكافئة رسمية على "انشطته الاستثمارية". نائب رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد منحه بنفسه جائزة "بطل التصدير" في عام 2015.

أبلغ ضراب محكمة أمريكية في الأسبوع الماضي أن معظم صادرات شركاته كانت وهمية وأنها استغلت لإخفاء تجارته غير القانونية في النفط الخاضع للحظر.

بقى معظم النشاط الذي أصبح يعرف في تركيا فيما بعد باسم عملية 17-25 ديسمبر بدون حل، وحُرم الجمهور من حقه في معرفة ما قامت به الحكومة.

لكن الشفافية في الحكم وحق الشعب الراسخ في معرفة مجريات الأمور هما أقل مقتضيات حكم القانون في بلد ديمقراطي.

الوزراء المتهمون عجزوا أيضا عن الدفاع عن أنفسهم في محكمة علنية وحرموا من حقوقهم في الخضوع لمحاكمة نزيهة.

والآن، وبعدما شهد ضراب أمام محكمة في نيويورك عن رشى دفعها إلى وزراء أتراك، بدأت الحكومة وحزب العدالة والتنمية تزعم أن المحاكمة مؤامرة ضد تركيا وأن ضراب ما هو إلا جاسوس.

في الوقت نفسه، طلب كمال كليجدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة ، من أعضاء الحكومة ومن الرئيس أن يشرحوا للجمهور "من المسؤول الحكومي الذي سلم أسرارا للدولة إلى رضا ضراب؟" و "من قرر إغلاق ملفات ضراب؟"

أما أولئك الذين انتقدوا إطلاق سراح ضراب من الحجز فقد واجهوا اتهامات بأنهم أعضاء في "منظمة فتح الله الإرهابية" كما تصفها الحكومة. والآن نفس الحكومة تتهم ضراب بالعمل مع المنظمة.

سؤال واحد بسيط هو: لو خضع ضراب إلى محاكمة نزيهة في تركيا، هل كان سينظر إلى القضية الجارية حاليا في الولايات المتحدة باعتبارها "محاولة انقلاب دولية" ضد الحكومة التركية؟

لقد طالب حزب الشعب الجمهوري بإعادة فتح التحقيق في قضية الفساد لكن "حماية المجرمين" هي الممارسة المعتادة لحزب العدالة والتنمية في معظم الأحيان.

وكيف تحدث؟

- تحصين المسؤولين من القضاء عبر تشريع أو عدم منح السلطة القضائية إذنا بالتحقيق.

- إبقاء أعضاء محددين من الحزب بعيدين عن العملية القضائية، وهنا على سبيل المثال الوزراء المتورطون في قضية ضراب، أو إزاحتهم مباشرة من مناصبهم بوسائل غير قانونية بنفس الطريقة التي أقيل بها رؤساء مجالس بلدية في الآونة الأخيرة.

- حماية كبار مناصري حزب العدالة والتنمية من القضاء بأي ثمن.

- أيضا من المنظور السياسي، تفادي المحاسبة بإدعاء امتلاك تفويض عبر الانتخابات.

حكومة حزب العدالة والتنمية لم تبدد فقط مفهوم المحاسبة من بدايته لكنها وصمت أي شكل من أشكال الانتقاد بأنه "حملة تشويه". وحكومات حزب العدالة ماهرة للغاية في مواجهة الانتقادات بالشعارات.

قبل محاولة الانقلاب العسكري في 15 يوليو 2016، كانت حكومات حزب العدالة تصف دوما أي شكل من أشكال الانتقاد لتشريعاتها بأنه "محاولة انقلاب". ومع ذلك،  فإن محاولة الانقلاب الفعلية لم تخرج من منتقديها لكن من طرف كان في السابق شريكا للحكومة وهم اتباع فتح الله غولن.

وبسبب عجز حكومة حزب العدالة والتنمية عن استخدام إستراتيجية "محاولة الانقلاب" بعد وقوع المحاولة الانقلابية الفعلية فإنها إما تتهم معارضيها بأنهم أتباع لفتح الله غولن أو أنهم يتعاونون مع "قوى أجنبية من أجل إيذاء تركيا".

أما في محاكمة ضراب، فإنها تفعل الأمرين معا وهما اتهام كل معارضيها بأنهم أتباع فتح الله غولن واتهامهم أيضا بالتعاون مع قوى أجنبية.

من وجهة نظر قانونية، ينبغي إعادة فتح قضية ضراب في تركيا بسبب الدليل الجديد الذي ظهر في المحاكمة الجارية بالولايات المتحدة.

ومن وجهة النظر السياسية، فإن إعادة المحاكمة ستعيد فحص القضية بالتفصيل، وإن كانت حقا مشكلة أمن قومي فإنها ستخفف الضغط عن كاهل الحكومة.

أما من وجهة نظر الجمهور، سيحصل أفراد المجتمع التركي على حقهم في معرفة تصرفات مسؤوليهم.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: