دور تركيا في ادلب.. بين "فتح الشام" وتنظيم "القاعدة"

تطورات متلاحقة تشهدها مدينة إدلب السورية، فى ظل تصاعد نذر المواجهة بين هيئة "فتح الشام" من جانب، وتنظيم "القاعدة" من جانب آخر، جراء سياسات الاعتقال والاستبعاد التى تنتهجها الأولى حيال عناصرها التى ترفض الانضواء ضمن الاستراتيجية التركية فى سوريا، عبر فك الارتباط مع القاعدة.

يأتي ذلك بدعوى تغليب استراتيجيات البقاء، والسيطرة على مدينة إدلب التى تحولت على مدار العام الماضى إلى مستودع للجماعات الجهادية، وفق مخطط شاركت فيه أنقرة، واستهدف تجميع التيارات المتطرفة للتمركز فى المدينة، تعبيرا عن مخرجات مسار الأستانة، لاسيما فى جولتيه السادسة والسابعة. 

فى هذا السياق، شنّت هيئة فتح الشام حملة اعتقالات واسعة، طالت عددًا من عناصر السلفية الجهادية التابعة لتنظيم القاعدة فى إدلب، وحلب، وحماة، وشملت الاعتقالات قادة من الصفّين الأول والثاني، بما أفضى إلى وقوع اشتباكات متقطعة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة فى مناطق مختلفة، على خلفية المداهمات التى نفذها الجهاز الأمنى التابع لـ"الهيئة".

ترتب على ذلك أن هاجم زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، فى كلمة صوتية له بعنوان "فلنقاتلهم بنيانًا مرصوصاً" بثتها مؤسسة "السحاب"، فتح الشام وأميرها أبو محمد الجولاني، واتهم الظواهرى الجولانى بـ "نقض العهد".

مظاهر التوتر والاضطراب المتصاعدة، جراء الصراعات الداخلية فى هيئة فتح الشام وعلاقاتها مع القاعدة، باتت تعكس نمط العلاقة المتداخلة بين الهيئة وتركيا، وقدرة الأخيرة على تحقيق الاستفادة القصوى من روابطها المتشعبة مع التنظيمات الجهادية، وتوظيف ما بينها من تناقضات وصراعات.

كما يعكس ذلك القدرة على صوغ استراتيجية ترمي إلى تحقيق المنفعة المتبادلة مع التيارات الإرهابية، ففى الوقت الذى يقوم فيه الجولاني باعتقال التيارات المحسوبة على القاعدة داخل التنظيم، وتفيد تقارير بتقديمه المعلومات بشأن أماكن إقامتها وتمركزاتها، تقوم تركيا، من جهتها، بإعادة "تسويق" فتح الشام، دوليا وإقليميا، باعتبارها تمثل التيار المعتدل داخل الطيف الجهادى فى سوريا.

وتستهدف تركيا من ذلك دعم السيطرة على مدينة إدلب ذات الأهمية الاستراتيجية، وإقامة قواعد عسكرية فى المناطق الشمالية منها، من دون تبعات كتلك التى تكبدتها فى أثناء عملية درع الفرات، واستغرقت للسيطرة على مدينة الباب زهاء 180 يوما، وأفضت إلى مقتل نحو 30 جنديًا تركيًا، منهم اثنان قُضيا حرقًا على يد تنظيم "داعش".

شكلت هذه العملية وارتداداتها المختلفة محركا لتغير مقاربات تركيا العسكرية فى مدينة إدلب، لأنها كانت قد كشفت أوجه قصور فى استراتيجيتها العسكرية فى الميدان السوري، حسب عديد من التقديرات الأمريكية، جعلت واشنطن تفضل تحالفها مع الأكراد بالمقارنة بتركيا وحلفائها فى سوريا.

ترتب على ذلك أيضا أن اتجهت تركيا إلى تغيير بعض مقارباتها، فبدلا من معاداة "فتح الشام" اتجهت إلى التحالف معها وتنسيق عملياتها مع قاداتها، حتى تتجنب تكلفة المواجهة، وتركيز تحركاتها تجاه مناطق الأكراد المتاخمة، خاصة فى عفرين، لإحباط التحركات الأمريكية ومواجهة الطموح الكردى فى سوريا.

بيد أن العقبة التى واجهت تركيا، فى هذا الشأن، تعلقت بسبل التحايل على قرار مجلس الأمن رقم 2178 الصادر فى عام 2012، والذى بموجبه تعاقَب الدولة أو الجهة التى تدعم التنظيمات الإرهابية، واستلزم ذلك محاولة تركيا تقديم الهيئة، بحسبانها قوى معتدلة وضرورية لمواجهة تصاعد حضور تنظيم القاعدة فى سوريا.

وشكَّل ذلك أحد محركات دفع الجولانى إلى صوغ سياساته على نحو يضمن تعاونه مع تركيا لتجنب التعرض لهجمات عسكرية تفضى إلى انهيار تنظيمه، على غرار ما واجهه "داعش" فى مدينتى الرقة ودير الزور، وقد أثار ذلك جملة من الملاحظات الرئيسية.

يتعلق أولها بنمط الانتهازية التركية التى وظفت علاقاتها فى السابق مع كل من حركتى "أحرار الشام" و"نورالدين زنكى" للضغط على "جبهة النصرة"، حتى تقدم على قطع علاقاتها بالقاعدة، وتعلن تشكيل هيئة فتح الشام، التى غدت أحد أدوات المشروع التركى فى سوريا.

الملاحظة الثانية، ارتبطت بأن العلاقات بين الجانبين لم تكن مستجدة، وإنما تعود لفترات خالية، على نحو عكسته تصريحات زيد العطار، رئيس إدارة الشؤون السياسية بالهيئة فى 17 أبريل 2016، بإعلان تأييده لاستفتاء التعديلات الدستورية فى تركيا، والذى رسخ قبضة الرئيس، رجب طيب أردوغان، على السلطة، واعتبر العطار عبر قناته فى "تيلجرام" أن أى تغير يساعد تركيا على التحرر من القيود ويطلقها نحو عالمها الإسلامي ويدعم قضايا الشعوب المسلمة، يدعو للوقوف إلى جانبها.  

عكست تصريحات العطار نمط تشابك العلاقات وتلاقى المصالح بين الجانبين، كونها جاءت فى وقت سابق على ظهور "فتح الشام"، حيث كانت "جبهة النصرة" لا تزال حاضرة على الساحة السورية، وتبايع تنظيم "القاعدة"، هذا إلى أن أعلن، فى 28 يوليو 2016، التحلل من هذه البيعة، وفق استراتيجية "التطهر الذاتي"، أو "تغيير الجلد" التى اتبعها الجولانى بإيعاز من أنقرة.

يبدو أن ذلك مثَّل الدافع الرئيسى لاستجابة فتح الشام فيما بعد للمطالب التركية الخاصة بمغادرة مدينة حلب فى أكتوبر 2016، ورأى الرئيس أردوغان وقتذاك أن توافق أنقرة مع موسكو وطهران يقوم على ترتيبات خروج الهيئة من حلب، وقال أردوغان "أعطينا أصدقاءنا الأوامر الضرورية فى شأن أهمية مغادرة حلب، لتحقيق المصالح المشتركة".

الملاحظة الثالثة، ترتبط بأن كل طرف بات ينظر إلى الطرف الآخر بحسبانه حليفًا وعاملًا مساعدًا لضمان البقاء فى مدينة إدلب وتعزيز السيطرة الميدانية فيها، وبينما تستهدف تركيا دعم نفوذها ووجودها العسكرى فى شمال إدلب، فإن الجولاني، بدوره بات يستهدف عناصر القاعدة، انطلاقا مما يعتبره "مصلحة المجاهدين فى الشام"، وضرورات تجنب القصف الأمريكى والروسي، وعدم وضع جماعته فى خانة التنظيمات الإرهابية، على نحو يخدم ويحقق المخططات التركية حيال المدينة السورية.

يثبت ذلك مرة أخرى أن السلطات التركية لا تزال تمثل صانع أزمات إقليمى يصوغ أدواره، عبر اصرار واضح على التحالف مع تنظيمات متطرفة، وفق استراتيجيات لم تعد تستهدف وحسب إضعاف خصومها على ساحات الجوار الجغرافي، وإنما تعزيز الحضور العسكرى فيها، والتى يبدو أنها لن تشهد خروجا مبكرا لتركيا، وقد تعانى المزيد من تدخلها العسكرى والاستخباراتى المنسق مع بعض الوكلاء المحليين، من الجماعات الإرهابية.