Tiny Url
http://tinyurl.com/y9btgmoc
غوكهان باجيك
ديسمبر 13 2018

دولة القانون؟ في تركيا الدولة هي القانون!

اقتيد سري سوريا أوندر، العضو السابق في البرلمان عن حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، إلى السجن الأسبوع الماضي بتهم تتعلق بالإرهاب، وهو قرار سرعان ما دفع العديد من المراقبين إلى وصفه بأنه يعكس وجود تضارب خطير في أوساط الدولة في أنقرة، نظرا للدور الذي لعبه أوندر في السابق كحلقة وصل رئيسية مع الجانب الكردي في مفاوضات السلام التي باءت بالفشل بين الحكومة التركية وحزب الشعب الكردستاني، وهي مهمة أداها بناء على موافقة الحكومة.
 لكن قضية أوندر أبعد ما تكون عن كونها حالة فريدة من نوعها، فهناك حالات لا تعد ولا تحصى لاعتقالات بحق أشخاص وجدوا أنفسهم في مواجهة اتهامات بالتورط في أنشطة إرهابية بسبب مشاركتهم في الماضي في أعمال تمت بموافقة الحكومة التركية أو دعمها. ولذلك، يطل علينا الكثير من المحللين ليتحدثوا عن اندهاشهم إزاء عدم منطقية إلقاء القبض على أشخاص بسبب أفعالهم السابقة، خاصة وأن هذه الأفعال لم يسبق تعريفها على أنها جرائم. وفي الحقيقة، هم محقون في ذلك. 
لكن على الرغم من أنه يحق للمراقبين أن يجدوا هذه الاعتقالات "غير متسقة" من الناحية القانونية، فإن ردود أفعالهم تتغاضى عن حقيقة تاريخية رئيسية حول تقاليد الدولة التركية، وذلك لأن أي تحليل موجز لتلك التقاليد سيكشف أنها تستند إلى نظرية غير مألوفة عن العدالة، وهذه النظرية لطالما أضفت شرعية على أوجه التناقض تلك تحت مسمى "مصلحة الدولة".
عادة، تتطلب سيادة القانون ألا يكون أحد فوق القانون. بعبارة أخرى، يكون كافة أفراد المجتمع بما في ذلك مسؤولو الحكومة على قدم المساواة أمام القانون، على أن تقر الحكومة بأن القانون هو كيان مستقل لا يخضع لأي تأثير أو نفوذ سياسي.
أما في تركيا، فإن الدولة فوق كل شيء، بما في ذلك القانون. وبالتالي، ليس على الدولة بموجب التقاليد التركية أن تقر أبدا بأن القانون كيان مستقل. وبالمثل، تنظر تقاليد الدولة التركية تاريخيا بعين الريبة إلى الكيانات المستقلة، ليس فقط في القانون، وإنما أيضا في الاقتصاد والحياة الثقافية والفكرية وحتى الشؤون الدينية. وفي كل هذه المجالات، ستجد أن الدولة تتوقع من الشخصيات والكيانات العاملة فيها أن تنتهج موقفا مؤيدا لها ويضعها دائما فوق أي اعتبار آخر.
وكنتيجة مباشرة لهذا التوجه، أصبح هناك مساران للأنشطة القضائية في تركيا. المسار الأول يتعلق بجميع الإجراءات القانونية بين الأفراد بعضهم ببعض فيما يتعلق بالنزاعات العادية أو الشائعة مثل قضايا السرقة أو الميراث أو التجارة. وفي هذا المسار، من المتوقع أن تحقق المحاكم العدل بين الناس، بما أن الدولة ليست جزءا من النزاعات. ولذلك، يمكن القول إن شعار هذا المسار هو نفسه الشعار المتعارف عليه، ألا وهو "العدل أساس الحكم".
ثم هناك المسار الثاني الذي تكون فيه الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر طرفا في الإجراءات القضائية، حيث يتوقع من المحاكم ألا يكون همها الأول هو إقامة العدل وإنما الحكم على أساس المصلحة الوطنية. وهنا، يختلف شعار المحاكم التركية بالتأكيد ليكون "مصالح الدولة هي أساس الحكم". فيما تصبح المحاكمات والجلسات على هذا المستوى بمثابة إجراءات سياسية بحتة.
وتعود جذور هذه النظرية المتأصلة في الثقافة التركية إزاء كيفية عمل نظام العدالة إلى الطبيعة "السامية والمتعالية" للدولة في بلاد الأناضول. ومع استمرار النظر إلى الدولة باعتبارها كيانا ساميا ذا أهمية فائقة، تخلفت تركيا عن بناء عقد اجتماعي على النمط الغربي من شأنه أن يعمل كإطار قانوني لعلاقة قائمة على المساواة بين الناس والدولة. كما تُمكّن هذه الطبيعة "المتسامية" للدولة التركية من أن تكون غير خاضعة للمساءلة الشعبية وأن تقوم بتغيير موقفها تجاه أي قضية أو التزام بقدر ما تشاء. ففي نهاية المطاف، لا يوجد عقد اجتماعي يتيح للمواطنين التلويح بالتداعيات القانونية لأفعالها أو عواقب غياب النسق السياسي لقراراتها. وبما أنها غير ملزمة بأي إطار فعلي للالتزام بالنسق السياسي أو القضائي في قراراتها، فإن أيا مما تفعله أو تقوله الدولة يصبح تلقائيا "صحيحا" وواجب النفاذ.
ومن خلال تمتعها بتلك الطبيعة "المتسامية"، تستطيع الدولة التركية من جانب واحد تغيير تعريفات الجريمة والعدالة والإرهاب والعديد من المفاهيم الرئيسية الأخرى. ومن ثم، يمكن للحكومة بكل سهولة أن تصنف أشخاصا باعتبارهم أعداء على الرغم من أنه جرى الإشادة بهم في السابق بوصفهم أبطالا، فيما يمكن للفعل الذي كان يعتبر في السابق قانونيا بشكل لا غبار عليه أن يتحول فجأة إلى جريمة. لذلك، من غير المنطقي أن نجد المراقبين يتحدثون عن كيف أن الحكومة تفتقر هذه الأيام إلى الاتساق القانوني لمجرد اعتقال بعض الأشخاص فقط.
ومع الوضع في الاعتبار أن معظم المحاكمات اليوم في تركيا تمضي في المسار الثاني، ليس من المستغرب أن تصدر المحاكم أحكامها وفقا لمصلحة الدولة. ومن عجيب المفارقات هنا أن القرار بيد الدولة وحدها لتعيد الحياة إلى طبيعتها في تركيا. والأمر لا يتعلق بإرساء العدل بقدر ما هو مسألة وقت، لأن الحياة ستعود في تركيا إلى طبيعتها بمجرد أن تكتفي الدولة التركية من تطهير أعدائها المحليين، وخاصة الأكراد وأتباع جماعة فتح الله غولن ونشطاء احتجاجات غيزي.
باختصار، العدالة في تركيا اليوم هي مِنّة في يد الدولة، وهي فقط من ستقرر الوقت المناسب لتنعم بها على رعاياها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: