Nesrin Nas
ديسمبر 06 2017

ديار بكر.. سنأتي لتقاسم الأفراح وليس لمشاركة المرارة

مر عامان تماما على وفاة طاهر التشي، ولكن كل شيء كما كان بالأمس، مراسم حفل التأبين هذا العام مزدحمة جدا.

طغيان الذين يستهدفون حمامة سلام مثل طاهر التشي الذي لم يتم الجملة التي بقيت ناقصة... جملته التي لم يتم السماح له باستكمالها في برنامج تلفزيوني ... والجسم الميت لطاهر الذي يرقد أمام المئذنة التاريخية ذات الأربع دعامات.

وأفكر مع زوجته العزيزة توركان، ومحاميي نقابة المحامين في دياربكر، والمحامين الذين جاءوا من المحافظات المجاورة، وأعضاء مجلس الأمة، وأهالي دياربكر، والأصدقاء الذين جاءوا من غرب تركيا معا، في هذين العامين الأخيرين الذين عشناهما، عندما كنا نسمع الحديث الأخير لطاهر بصوته قبل وفاته، وذلك في الشارع الضيق الذي تم الصعود منه إلى المئذنة، والتي قالوا أنهم أطلقوا النار من فوقها على طاهر، في قدمه.

يواصل طاهر التحدث بهدوء ولكن بثبات، "آلاف السنين في تاريخنا، وحياتنا، وثقافاتنا القديمة ..."

ينتهي الحديث، وأنا أفزع بسبب أصوات الرصاص المنتشر في الشوارع الموجودين فيها مع مكبرات الصوت، وأصوات لحظة إطلاق النار على طاهر تملأ كل الشوارع، أنظر إلى وجه توركان تلقائيا، حيث كان يغلفه حزن عميق ...

وفي عريضة اتهام أعدها كبير المدعين العامين في ديار بكر، استخدم تعبير "عضو المنظمة الإرهابية" وهو يتكلم عن طاهر ألشي، إنني أشعر بالخجل ..

لحسن الحظ، أن النيابة العامة في ديار بكر قالت إنها استخدمت كلمة "سهوا" في المذكرة التي أرسلتها إلى المحكمة، وذلك بفضل رد فعل الرأي العام، وملاحقة نقابة المحامين في ديار بكر بإصرار.

في الحقيقة لا أحد يتوقع المزيد، ونحن نعلم جميعا كأشخاص نعرف هذه الدولة أنه لن يكون هناك اعتذار رسمي، وإلى جانب ذلك، فقد مر عامان، ولا يزال حتى الآن لم يتم العثور على الذي أو الذين أطلقوا النار على طاهر، وعلاوة على ذلك، فإن اللقطة الأكثر أهمية ومدتها 13 ثانية قد فقدت.

وكانت المئذنة ذات الأربع دعامات، والتي أطلقت النار من عليها على طاهر، مغطاة بقماش من الكتان، وحتى الآن مازال لا يمكن الدخول إلى هذا الجزء من المدينة، ألقي نظرة على الجزء الخلفي من الأجزاء الممزقة من القماش الكتاني، لا شيء مرئي سوى الحطام، بعد حفل التأبين سنذهب إلى الأحياء التي تم هدمها وإخلاءها في صور.

Nas

الشوارع الرئيسية مليئة بالناس والسيارات، وكنت قد جئت آخر مرة في شهر أبريل، وكانت المدينة لا تزال جريحة للغاية، الشوارع والمحلات التجارية والمطاعم فارغة، وهناك الكثير من رجال الشرطة، وسيارات التدخل في الحوادث الاجتماعية تسير في الشوارع، هذه المرة كانت قوات الأمن تبدو بشكل أقل.

وعند مفترق الطرق، وعلى جانب الطرق هناك عدد كبير من مركبات الشرطة المدرعة وقوات الأمن، ولكن يبدو أنهم مدركون أن وجودهم هنا مؤقت، حيث كانوا يقفون وكأنهم يرغبون في أن يختفوا بين الزحام.

ويبدو كما لو أن اللاجئين السوريين قد قل عددهم أيضا، ربما هاجروا إلى محافظات أخرى قائلين إن ديار بكر مصابة مثلنا على الأقل، لذلك يجب أن لا نكون عبئا عليها.

في هذه الأثناء، يقول لي الدكتور محمد يانميش الذي تم طرده من الجامعة بسبب مؤتمر الشعب بكردستان، والذي تعرفت عليه مؤخرا، كيف سيتم تضميد هذه الجراح، وكذلك جراح ديار بكر التي كانت في العام الماضي، وأسأله قائلة  "هل أنت من ديار بكر؟"، فأجابني قائلا "لا، أنا من طرابزون، أنا قادم من الماضي القومي المحافظ".

وعندما رأى دهشتي قال إنه أجرى أبحاثا حول القضية الكردية، وأنه طُرِدَ بسبب مؤتمر الشعب بكردستان، وعندما أصبح من أعضاء مؤتمر الشعب بكردستان نبذه أقاربه أيضا، ويقول: «إن الأكراد يفهمون ما يحدث، لقد استطعت أن أجد عملا هنا فقط كأحد أعضاء مؤتمر الشعب بكردستان ، وأقمت هنا لهذا السبب، وأنا الآن أنتمي إلى هذا المكان، بدأت المدينة تضمد جراحها ببطء، ويقول التجار "الحمد لله أن اليوم لنا"، وبعض الحرفيين الذين تحدثت معهم يحاولون أن يجعلوا الوضع الحالي طبيعيا مع شعورهم بأن الأسوأ هو القادم، وهذا ما يسمونه الإنسانية.

ويقول أحد الحرفيين: "ليس هناك نهاية للحياة مع تحمل الألم، وعندما تسألون عن الدمار في صور، ينظر لوجهكم في صمت، وكأنه يتعلم العيش هناك بألم... حتى إن عدد قليل من أماكن العمل قد افتحت حديثا.

نحن ندخل صور، ونغوص في الشوارع تجاه علي باشا حيث الهدم، مثل تلك المتاهة، وكلما اقتربتم من علي باشا غطى البؤس وجهكم، وتسحبنا النساء من أذرعنا أمام منازلهم، وتبين لنا التدمير الموجود في الداخل، والظروف التي أجبروا على العيش فيها.

والفتاة التي تأتي من المدرسة بحقيبة ظهرها الوردية اللون، تقفز من الحطام الموجود على الطريق، وتدخل المنزل، أو بالأحرى الأنقاض التي تبدو وكأنها منزل، وتقف الفتاة ذات الحقيبة الوردية تلك بين الحطام، وكأنها مربع في فيلم سبيلبرغ.

تهدمت بعض الأحياء تماما، وبقيت هناك منازل قليلة جدا، وسيتم هدمها قريبا جدا، وتخرج امرأة في مثل عمري من أحد المنازل، وتسألنا قائلة "هل رأيت الشرطة  ..."؟

نقول "لا".                                                               

إنها تبحث عن الشرطة بقلق.

لقد أنشئت في هذه الأحياء أماكن مراقبة الشرطة، وكانت تبدو وكأنها برج مستطيل غريب، بحيث يرى كل منها الآخر، تركض المرأة بين الأبراج، وأسألها قائلة "ما هي المشكلة؟

"جاء ذلك الشرطي في الصباح، وقال اخرجوا هذا المكان سوف يتم هدمه، لدي طفلين، وليس لدي مكان أذهب إليه، أين أذهب؟ سأقول لك ارشديني إلي مكان"، نظرنا جميعا إلى بعضنا البعض ونحن عاجزين،ـ وبين هذا القلق، كانت حزينة وهي تقول: "أنا لا يمكنني أن أقدم لكم الشاي".

وفي شارع آخر لا يوجد شيء سوى منازل قليلة، والناس يجمعون الأشياء من بين الحطام في عربات اليد، وتم عمل محل بقالة في الخيمة، أسأل البقال قائلة: "لمن تبيع هنا؟"، يقول: "للأشخاص القادمين للعثور على أشياء من الأنقاض، ورجال الشرطة، وفريق الهدم، والقادمين لرفع الأنقاض".

وفي بعض الأحياء توقف التدمير في الوقت الحاضر، وكأن تلك الأحياء قد اكتسبت وقتا إلى أن يتم إزالة الحطام في الأحياء الأخرى، لكنهم لا يعرفون ما إذا كانوا سيستطيعون قضاء فصل الشتاء في منازلهم ...

نترك صور، وأنا مندهشة من الحياة التي تمر بسرعة في الشارع، وكأن دار بكر قد قسمت إلى بضعة أجزاء، ولكن لا يزال هناك حزن يمكنك أن تشعر به ذا مددت يد العون إلى ديار بكر ...

ندخل أحد المقاهي، ويقول عامل المقهى "لقد تعلمنا أن نبكي في صمت، الحياة هي المقاومة وحدها"، ويطلب مني شارة طاهر التشي الموجودة في ياقتي، فتصرف صديق لي أولا، ومد له الشارة الموجودة في ياقته.

أعد نفسي وأصدقائي في ديار بكر الذين عانقتهم طويلا عندما كنت أفارقهم قائلة "إننا سوف نأتي لنتقاسم الأفراح ذات يوم، وليس للمشاركة فى المرارة دائما".

يمكن قراءة المقال باللغة التركية: