رأيت هذا في تركيا من قبل..! القبول بمحاكم التفتيش أو رفضها

ظللت أكرر في نفسي عبارة "لقد عشتُ هذا الموقف من قبل". تذكرت بعدها كل شيء دفعة واحدة. كان ذلك في عام 1964.

كان جتين ألطان يلقي خطاباً؛ من أجل الانتخابات باسم حزب العمال (حزب سياسي، شيوعي، قومي، يساري تركي) في أحد المقاهي المجاورة لمنطقة أق سراي في إسطنبول.
كان الناس يقاطعونه بين الحين والآخر، ويصرخون في وجهه بصوتهم الأجش. كانوا يُلحون عليه؛ ليعرفوا إن كان من الشيوعيين أم لا.
كانت كلمة "شيوعي" وقتها هي المعادل، في تركيا الآن، لكلمات مثل "إرهابي"، أو"أحد أتباع عبد الله أوجلان"، أو"أحد أتباع جماعة فتح الله غولن". لم نكن على درجة من الوعي حينها؛ حتى ندرك ما المقصود بالشيوعية، ومع هذا كانت الصورة الذهنية لدينا عن الشيوعية سيئة، وسلبية.
لهذا السبب، لم يكن أتباع حزب العمال يطلقون على أنفسهم اسم اشتراكيين، بل كانوا يطلقون على أنفسهم اسم "الاجتماعيين"، وذلك في النظام الداخلي للحزب، وفي حملات الحزب الدعائية. فمن المؤكد أن كلمة "اشتراكية" لم تستخدم على الإطلاق (في أوائل الستينيات).
كنا "اجتماعيين!"
لقد كان كبش الفداء في تلك الفترة هم "الاجتماعيون".
كنا نتضاحك بمرارة، ونحن نتذكر ما مرّ بنا من أحداث خلال تلك الفترة، كانت نوعاً من الكوميديا السوداء بحق.
كان الناس  في تركيا يتعرضون للسحل وللقهر، لا لشيء إلا لأن أتباع السلطة الحاكمة وجدوا في منزل أحدهم آلة كاتبة، أو وجدوا في مكتبة الآخر  "12 مجلدًا فرنسيًا عن الرأسمالية"، أو لأنهم رأوا أحداً منهم يسير بصحبة شخص بعينه.
كان المعتقل حينها يتوسل إليهم ويقول، في محاولة يائسة للتخلص مما ينسبونه إليه، "أنا ضد الشيوعية"، وفي المقابل كانوا يردون عليه قائلين "لا يعنينا أن تكون شيوعياً أم غير ذلك".
كان هذا هو الوضع الذي عاش عليه المواطنون الأتراك في تلك الفترة؛ فعندما وقعت أحداث 6/7 سبتمبر 1955، جاءوا في صباح اليوم التالي إلى منازل كل من عُرف عنهم أنهم ينتمون للشيوعية، واقتادوهم إلى السجن، حيث قبعوا هناك لأشهر طوال.
سمعتُ من دكتور مُؤيَّد بوراتاف عن ذكريات هذه الأيام. لقد كان يشعر بحزن دفين، جعل النوم يجافي عينيه في تلك الليلة، التي وقعت فيها هذه الأحداث. وفي الصباح اقتاده عسكر الدرك تحت زعم مسئوليته عما وقع من أحداث.
دعوني أعود بكم إلى جتين ألطان مرةً أخرى.
حاول جتين أن يتحدث إلى أولئك الذين يقاطعون حديثه، ويقول :
"لن أجيب عن هذا السؤال، طالما أنني لا أمتلك حرية من أمري في أن أقول "نعم أنا كذلك" أو "لا أنا لست كذلك!".
ظل هذا الرد محفوراً في ذهني سنوات طويلة.
كنت أشعر بمغزاه من أعماقي.
أخذت هذه الأفكار وتلك تجول بخاطري بكثرة في تلك الأيام كذلك؛ لأنه في بيئة كهذه، لا يملك المرء فيها حرية الإجابة، يصبح مغزى السؤال مختلفاً تماماً، وتجد نفسك في مأزق حقيقي مهما قلت، ومهما بررت. 
إذا قال جتين ألطان "أنا لست شيوعياً"، حينها كانوا سيتهمونه بالكذب، وبالجُبنِ؛ لأنه لم يكن لهذا بديل آخر (الحرية).
كان لديه الحق في إجابة واحدة، أن يقول "لا أنا لست كذلك"؛ لأن أي رد آخر خلاف الإنكار كان يعني "خذوني إلى السجن".
كان الجميع في هذا المقهى ينظرون إليه نظرة المذنب؛ إذ كان خائناً وعميلاً في نظرهم. وإذا اعترض على إلصاق التهم به جزافاً، وقال "لا أنا لست كذلك" فهو إذن كاذب وجبان.
وعندما تحدث أورخان ولي (شاعر تركي) عن الجوع، كما تجوع قطط الشوارع، أصبح هو مصدر الشرور في العالم.
لم يكن المطلوب من أورخان ولي حينها أن يجيب عن أي سؤال؛ لأنه لم يكن هناك معنى للسؤال.
لم يكن أحد من الجالسين في المقهى يدرك المقصود من كلمة "شيوعي". وإن سألتهم فلن تجد منهم إجماعاً على رأي واحد بشأنها.
كان السؤال هو:
"قل لي، هل أنت إنسان سيء (خائن وعميل)، أم أنت كاذب وجبان بالإضافة إلى هذا؟"
كان الرعاع، الذين وجهوا له السؤال، يودون أن يحطوا من شأنه.
وكانت الإجابة عن هذا السؤال تحمل معنى الخنوع للديكتاتورية وللاستبداد. سألت نفسي يوماً، تُرى ما عساني أن أفعل إذا قابلت هذا النوع من الشجاعة؟!
فكرت ملياً في هذا الأمر. فكرت ملياً إذا ما قطع أحدهم عليّ الطريق، وقال لي " يا ولد، قل "اسمي هركول"، وإلا أشبعتك ضربا!" ما الذي يتعين عليَّ فعله وقتها؟
اسمي هو بالفعل كذلك. ولكني أتعرض في تلك اللحظة إلى استبداد وطغيان. يُراد بي هنا أن أرضخ لرأي آخر، حتى وإن لم أكن مجبراً على الإطلاق.
لا أعلم ما إذا كانت هناك الآن أية ضرورة للتنويه إلى جملة من الدستور أم لا، ولكن دعوني أذكركم بها:
"لا يملك أحد حق إجبار آخر على الإفصاح عن قناعاته، وعن معتقداته".
يتبين لنا، قياساً على هذه الجملة، ما إذا كان ما حدث هو خضوع لنوع من الاستبداد والطغيان، أم لا.
كان الهدف هو الحط من قدر شخصية ألطان؛ إذ كانوا يطلبون منه أن يقول "أعلن البيعة لكم، لا تتعرضوا لي بأذى، أنا خاضع لكم، أنا لا أعرف ما تعنونه بكلمة الشيوعية، لكني أقول ما تريدون."
فَطِنتُ لذلك. قدَّرت كثيراً موقفه المشرف هذا.
أما اليوم، فأجد نفسي أفكر في جتين ألطان من جديد، كلما سمعت أحدهم، يتعرض لموقف مشابه في تركيا اليوم قائلاً "أنا لست منهم"؛ كي يبرِّئ ساحته من أية تهمة قد يلصقونها به.
أقول "إن تركيا ما زالت تحتفظ ببعض الأمور، التي لم تطالها يد التغيير مع الزمن. وأحوال الناس واحدة من تلك الثوابت؛ فبعضهم طاغية مستبد، والبعض الآخر يفضل أن يتصاغر، ويبقى ذليلاً، عندما يمارسون عليه الضغوط".
وبالطبع هناك الكثير ممن هم على شاكلة جتين ألطان، يعيشون بيننا اليوم.
لا يستقيم في ذهني كيف أن "الرفاق"، الذين مروا بهذه المراحل، أو أن الديمقراطيين، الذين تحدثوا باسم حقوق الإنسان لسنوات عديدة، أو أن المثقفين، الذين سُجنوا جراء كتابة الشعر أو قراءته، كيف أنهم عارضوا مثل هذه "الأسئلة" القمعية المثيرة للجدل.
لا أفهم على الإطلاق أولئك الذين تَملَّك الخوفُ والفزع من قلوبهم، وهو يقولون "لا نحن لسنا منهم، لسنا منهم"، على الرغم من أن أحداً لم يواجههم بعد بهذه الأسئلة الجدلية.
ربما لا أريد أن أفهم؛ لأنني أشعر بالخجل لأجل هؤلاء؛ لأن حالهم يدعو للأسى. لم يكن منظرهم جيداً على الإطلاق.
ما هو تعريف "الإرهابي" من وجهة نظر المستبد؟
هل كلمة "إرهابي" تعني أن تحب الآخرين، وتكن لهم الاحترام؟
هل الإرهابي هو الذي يشاطر الآخرين أحزانهم، وآلامهم؟ أم أنه ذلك الشخص الذي ينتمي لمنظمة إرهابية مسلحة؟
هل الإرهابي هو الذي يشترك في انقلاب مضاد للحكومة؟
ما هي الضوابط، ومن هو الشخص، الذي يحكم على شخص ما بأنه إرهابي من عدمه؟
إذا كانت هناك جريمة على مرأى ومسمع من الناس، فليس من المهم، على الإطلاق، أن ننظر إلى الصفات التي سيطلقونها على الجاني. إن المهم، في هذه الحالة، هو معاقبة المذنبين، ما داموا قد ارتكبوا جرماً مادياً يتفق عليه الجميع. ولكن إذا لم تكن هناك جريمة، يجمع عليها الناس، فعندئذ لن يكون هناك معنى لأية صفات تُطلق جُزافاً على هذا الشخص أو ذاك. إن المقياس في هذا الموضوع يكمن في وقوع الجرم من عدمه. 
لم تكن عقول الذين هاجموا جتين ألطان، قبل نصف قرن، مدركة لهذه "التفاصيل" كثيراً. لم يكن لديهم هدف آخر سوى سحق الرجل، وسلبه حقه في التعبير، وترويع كل من يمت له بصلة.
يشترك الذين يقومون على ترويع الناس في تركيا اليوم في نفس الهدف أيضاً.
دعوني أذكركم برد جتين ألطان  قديماً على أسئلتهم:
"لن أجيب عن هذا السؤال، طالما أنني لا أملك حرية من أمري في أن أقول "نعم أنا كذلك" أو "لا أنا لست كذلك"؛ لأن المسألة لا تكمن في الخضوع لهذا الاستبداد، أو في "طلب الرحمة منه".
إن المسألة أبعد من هذا كله؛ المسألة هي القبول بمحاكم التفتيش أو عدم القبول بها (نشطت محاكم التفتيش أو المحاكم الكاثوليكية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر على وجه الخصوص، وانحصرت مهمتها في اكتشاف مخالفي الكنيسة ومعاقبتهم. وكانت عبارة عن "سلطة قضائية كنسية استثنائية"، وضعها البابا غريغوري التاسع لقمع جرائم البدع والردة، وأعمال السحر في ذلك الوقت)، أو بمعنى آخر إضفاء الشرعية على السلطة الحاكمة في تركيا أم لا.
إن الفاشية هي أن تُجبر الآخرين على الحديث بما يروق لك. وإن هم صمتوا، اعتبرتهم من  المعارضين للنظام الديمقراطي الخاص بك.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ifade-ozgurlugu/deja-vu