ديميتار بيشيف
يناير 05 2018

رئاسة بلغاريا للاتحاد الأوروبي خبر سار لتركيا

ربما لم يعد الاتحاد الأوروبي منذ فترة طويلة جاذبا لخيال معظم الأتراك، لكن من الواضح أن هذا ليس هو الحال بالنسبة للكثير من جيران تركيا. فمن جورجيا إلى اليونان، ومن رومانيا إلى البوسنة، ما زالت بروكسل مركزا مهما للجاذبية السياسية.
وسواء كان بلد ما عضوا في الاتحاد الأوروبي أو يصبو للانضمام إلى عضويته، فالفرص الموجودة في الأفق تتمثل في أن يكون الاتحاد أكبر شريك تجاري للبلد ومصدرا أساسيا للاستثمار والدعم المالي وساحة رئيسية يؤكد فيها ذاك البلد مصالحه القومية.
يمكن القول أن تركيا لا تختلف في هذا الصدد. فعلى الرغم من الصورة السلبية التي أُسقطت على الاتحاد الأوروبي في وسائل الإعلام داخل البلاد وحالة الغضب من فشل مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد والتشاحن الذي حدث مع ألمانيا في الآونة الأخيرة، يأتي ثلثا الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى تركيا من أوروبا.
وخلال العقدين الماضيين، زاد حجم تلك الاستثمارات أربعة أمثال ليصل إلى 144 مليار يورو عام 2016. وفي المجمل، ما زال الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لتركيا. وليست مفاجأة أن أول زيارة خارجية سيقوم بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في عام 2018 ستكون لباريس حيث من المقرر أن يلتقي بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في الخامس من يناير.
لكن وإن كانت الدول ذات الثقل مثل فرنسا وألمانيا مهمة، يمكن لأنقرة أيضا أن تجد وبسهولة أكبر أرضية مشتركة مع أعضاء أصغر في الجناح الشرقي للاتحاد الأوروبي.
ولنضع نصب أعيننا الاستقبال الحار الذي حظي به أردوغان في وارسو في شهر أكتوبر، أو تعبير رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان عن أسفه لأن الاتحاد الأوروبي كان غير عادل مع تركيا. ونظرا للانتقادات الكبيرة التي تواجهها تلك الدول بشأن سياساتها التي تتزايد النزعة الاستبدادية فيها ، فإنها ليست في وضع يسمح لها بإلقاء محاضرات على تركيا حول الديمقراطية وحقوق الإنسان. بل إنها، وعلى العكس، تنظر إلى تركيا على أنها مصدر للفرص الاقتصادية ومنطقة عازلة في وجه المهاجرين القادمين من منطقة الشرق الأوسط المضطربة.
وتقع بلغاريا، التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، ضمن الفئة ذاتها.
وقال رئيس وزراء بلغاريا بويكو بوريسوف خلال مؤتمر صحفي في نوفمبر الماضي "تركيا هي الحماية الأهم لنا على الجناح الجنوبي... لا يجب أن نرفض التحدث إليها في أوروبا بينما نعتمد عليها في حلف الناتو".
وأدلى بوريسوف بتصريحات مشابهة خلال زيارة إلى تركيا في يونيو بعد مباحثات مع أردوغان ورئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم.
وقال يلدريم خلال الزيارة "نثمن عاليا تضامنكم القوي خلال محاولة الانقلاب في 15 يوليو"، وذلك في إشارة إلى محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها الجيش في عام 2016 سعيا وراء الإطاحة بالحكومة. أضاف "كنتم أول من زار تركيا بعد ذلك بقليل".
كان باستطاعة يلدريم أن يضيف إلى حديثه أن صوفيا استجابت بسهولة للمطالبات التركية بتسليم أعضاء في حركة غولن المتهمة بتنفيذ مخطط الانقلاب.
وربما يكون البعض متفاجئا من أن بلغاريا تقربت إلى تركيا، فبوريسوف يحكم في نهاية الأمر من خلال ائتلاف مع الوطنيين المتحدين، وهي مجموعة تضم أحزابا من أقصى اليمين لا تجد غضاضة أبدا في تقريع تركيا والمسلمين بوجه عام.
وحتى حزب حركة الحقوق والحريات البلغاري الذي يحظى بدعم الكثيرين من الأقلية التركية والمسلمة في البلاد، لا يميل بالضرورة إلى أردوغان وحزب العدالة والتنمية. فالحزب الذي يعد رسميا أحد أحزاب المعارضة -- ولكنه من الناحية العملية متحالف مع بوريسوف -- يواجه تحديا من مجموعة منشقة تساعدها أنقرة.
وفي الفترة السابقة للانتخابات العامة في شهر مارس، انتشرت في وسائل الإعلام البلغارية أخبارا حول تدخلات تركية. لكن رئيس الوزراء، وليس الوطنيين المتحدين وحركة الحقوق والحريات، هو من له القول الفصل عندما يكون الأمر متعلقا بسياسة التعامل مع تركيا. وأولوية رئيس الوزراء تتمثل في بناء علاقات جيدة مع أردوغان تحت أي ظرف.
هل بإمكان بلغاريا أن تستخدم ولايتها في رئاسة المجلس لإحداث تحسن في العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي؟ من المحتمل أن تكون الإجابة نعم. فصوفيا تروج لدورها كبلد مناصر لتوسعة عضوية الاتحاد وخصوصا فيما يتعلق بغرب البلقان، لكنها لا تتجاهل تركيا بالكلية أيضا.
بيد أنه إلى الآن، هناك خيبة أمل في تركيا من أن مباحثات العضوية لم تحظ حتى بالذكر ولو لمرة واحدة في قائمة أولويات الرئاسة البلغارية للاتحاد الأوروبي والتي لم يتم الكشف عنها بعد.
وليس ما يهم هو الكلام ولكن التفاصيل. فبصراحة، بلغاريا ليست من يمثل توسعة الاتحاد الأوروبي، إذ إن لديها مشاكل كبيرة مع الفساد وسيطرة المصالح الخاصة على الدولة. وبعد مرور عشر سنوات على عضويتها في الاتحاد، لم تحقق الكثير من التقدم فيما يتعلق بتطوير أدائها ويمكن القول إنها ارتدت خطوات إلى الوراء في بعض المجالات مثل حرية الإعلام.
لكن ما زال بإمكان الحكومة البلغارية حشد بقية الاتحاد الأوروبي في قضايا مقربة من قلبها باستخدام قدر قليل من الحنكة متى تواجدت الدوافع. وأحد الأمثلة هو التطبيق الكامل لاتفاق اللاجئين بين الاتحاد الأوروبي وتركيا. وتشتكي تركيا من أن جزءا صغيرا جدا فقط من مبلغ الستة مليارات يورو الذي تم الاتفاق عليه في مارس 2016 جرى صرفه. في الوقت ذاته تعرقل فيه إجراءات اللجوء البطيئة في اليونان العودة إلى تركيا.
وتمانع الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي في القبول باللاجئين مباشرة من الأراضي التركية. وبإيجاز، إذا كان البلغاريون جادون بشأن معالجة القضية وتعزيز التعاون مع تركيا، فهناك الكثير من العمل الذي يجب القيام به خلال الأشهر الستة القادمة.
وسيتضح ما إذا كان الساسة والجهات التنظيمية في صوفيا بإمكانهم فعل الكثير، أو فعل أي شيء من الأساس. لكن هناك شيئا مؤكدا وهو أنه في الوقت الذي سيسبر فيه أردوغان أغوار حكومات الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر القادمة، سيكون بمقدوره الاعتماد على واحد على الأقل من كبار المشجعين على الحدود.
يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: