محرم أربي
ديسمبر 13 2017

رائحة أحرقت حتى أكواز الذرة.. معاناة أقليات تركيا

قرأت بنشوة أول رواية صدرت عنة دار نشر "نوتَ بينا"، وهي لصديقتي نيبال غنتش التي اعتقلت عقب فعالية شاركت فيها بينما كنا ندرس سويًا في كلية اسطنبول للحقوق عام 1990، وقد قضت حكمًا بالسجن المؤبد، وتذكرت الأحداث التي عشناها سويًا.

تدور أحداث الرواية في قرية كردية تدعى "مَيمان"، وتبدأ تلك الأحداث في 3 سبتمبر 1994 بإحراق المنازل في قرية الطفلة "عزيمة" البالغ عمرها 11 عامًا، وإحراق كل ما هو موجود في القرية. ستشعرون بتأثير اللغة القصصية لتلك الرواية التي يبدو أولها مؤثرًا، ولا سيما حين تدخلون في تفاصيلها.

تكلمت الكاتبة عن الرائحة التي خلفتها المواد الكيماوية التي تم رشُّها فوق البيوت والميادين وفي كل مكان بالقرية حتى تشتعل سريعًا وتصل الى الحقول وتحرق أكواز الذرة. وفي مشهد من المشاهد التي نسمعها في حكايات إحراق القرى تستعدون لمشاهدة حكاية تهجير تبدأ بمجيء الجنود إلى القرية، فإفراغهم المنازل في ساعات الصباح المبكرة ورشّهم ما بحوزتهم من مساحيق فوق كل مكان في القرية وإحراقهم إياها.

تسعى الكاتبة إلى تنشيط ذاكرة شابة. وتتمحور الرواية بشكل عام حول قصص كثيرة دارت بين "عزيمة" و جدها "وايا إيفراهيم". والحقيقة أنه يجدر القول بأن الرواية تتكون من عدة قصص. وتتحول القصص بلغتها الأسطورية إلى تفاصيل ورحلات نصفها حقيقي والآخر خيالي. بينما يفقد كل من المكان والزمان مفهومه في الرواية.

تأخذنا الكاتبة فجأة من القرية المحترقة إلى سويسرا. فتنقلنا إلى مدينة باردة ممطرة ذات سماء رمادية اللون. من هناك ينتقل الأهالي إلى اسطنبول. ونراهم قد حملوا مآسيهم وأوجاعهم معهم. تتشكل الحياة في تلك الحكايات حول  ردود أفعال طفولية، ويمكننا أن نشاهد فيها الحياة القروية والصدمة التي سببها حرق القرى وتهجير من فيها إجباريًا وهو ما حدث في سنوات الـ 2000-1994، وبخاصة في المناطق الكردية،

تقيم الكاتبة علاقة بين هذا وبين الألم الذي عانته "زيزي" في فيلم "حلوى البرتقال". وفي الرواية كثيرًا ما نقرأ قصص البالغين في عالم "عزيمة" الطفولي. وتحكي الكاتبة شيئًا فشيئًا حكايات سكان القرية المسماة "ميمان".

نسمع في القرية المجاورة عن القدر المشترك للأرمن والعلويين، وصيحاتهم المشابهة لبعضها. ننساب من "ميمان" عام 1994 إلى "ميمان" عام 1965. ونسمع فجأة حكاية الرسام الأرمني "آراكيل" والصيدلي "كمال".

نرى في كل حكاية حياة غريبة تتكون من مَآسِي الناس. ونعرف ان اسم امرأة مجنونة كانت في القرية "عزيمة" قد أطلق على الطفلة "عزيمة". يوجد في كل قرية مجانين وأقداس طاهرون. والحقيقة أن المجانين هم الوجه الآخر للقرى والقصبات؛ حيث نتعلم الكثير جدًا بفضلهم.

أول ما يقابلنا في الرواية حكاية الدمية التي صنعها وايا إفراهيم جد عزيمة من قطع "قماش الزيارة" وأهداها إلى حفيدته. وتهمس النسوة بأنه ينبغي ألا تحرق تلك الدمية. ثم تحترق القرية وفي أثناء ذلك نرى احتراق الدُّمَى القماشية التي خيطت أفواهها معوجة من أقمشة علقتها النسوة القادمات لزيارة المكان على الأشجار.

تبدأ أجراس هجوم على المقدسات وتدوّي رنات وقوع الخطر والمصائب. ثم يدخل المنفيون وتسلط الضوء على حالات النفي، وتقارن الكاتبة بين تهجير العلويين والأرمن في الماضي وبين ما حدث في 1994 من هجرة قسرية.

الرواية ليست خاصة بمكان وزمان وشخوص بعينهم، إنها ترجمان لأصوات الشعوب المتألمة في الأناضول والتي أجبرت على السكوت والصمت، إنها بمثابة أمل يلوح في طريق الثقافات المحظورة والمعتقدات المهملة والمهاجرين.

تتناول هذه الرواية بشكل جيد للغاية البيئة القروية حيث تصور الأسطى جبرائيل البنَّاء الأرمني، وأحلام سكان القرية، وحالات العشق السرية فيها، وتفاصيل الحياة القروية، وشجرة الجوز، والنهر الجاري المتدفق، وزرقة السماء، وجواد الخضر الأغبر الذي يعبر النهر فيجعله يموج ويشقه نصفين، والبيئة القروية مصحوبة بجدول دافئ.

"لا ريب أنني كنت مدركًا ولو قليلًا لسر حلمي. إن حلمي الخلاق بسبب مياه النهر حيث أنني فحسب فكرت في جواد الخضر الأغبر؛ إنه يعطيني الخبز المحمص أو أي شيء آخر أريده..."

تخرجكم الكاتبة في رحلات خيالية تمامًا. حيث تتجانس الأحلام وتختلط مع مظاهر حسن وجمال تتعلق بالعالم الخارجي كامنة في خيال وعيني امرأة سجينة منذ ربع قرن. إنها تبعد وتسرح في عوالم أخرى حقًا. وجيد أن تفعل ذلك. إنها تخرج القارئ في رحلة خلال الأحلام قاصدة حمايته من شرور الدنيا المعيبة الكئيبة.

إنها تنقل مفهوم "الغريب" بشكل جيد. وتتساءل: "هل أول من ظهر كانوا أناسًا لا يتحدثون مثلكم، ولا يعتقدون مثلكم، ولا يشبهونكم؟" فتسلط الضوء بهذا السؤال على مشاكل العصر.

إنها تتقيأ في وجه الدنيا العرجاء التي يخشاها الجميع خطأها وقبحها. وتنقل الكاتبة الصدمة التي يخلقها عدم التفاهم بين المختلفين في الثقافة والهوية والمعتقدات واللغات، وترى أن كل شخص يشكل لونًا ورونقًا باختلافه عن الآخر.

تحب الكاتبة أن تدخل قراءاتها التاريخية المتعمقة في الرواية. ففي بعض المواضع من الرواية يصبح "سيد رضا" صديقًا لجَدِّ "آراكيل" الأرمني.

إن ما عاشته "عزيمة" يشبه كثيرًا ما عاشه الجميع في هذه المنطقة؛ حيث إن دخول العائلات إلى زيارة ذويهم في السجن عذاب حقيقي؛ فكثيرة هي المراحل التي يمرون بها حتى يدخلوا: تفتيش، فإهانة، فحجرات خاصة ...

نقلت الكاتبة البيئة القروية والعناصر الخاصة بها بطريقة جيدة. حيث منفضة التبغ التي لا غنى عنها بالنسبة للمدخنين شبابًا وكبارًا، والتعويذات التي يحملها الأطفال والكبار لتحميهم من الشرور، والغابات الثلجية الموجودة خلف القرى.

"إن الثلج كفن جيد بالنسبة لشخص يترك نفسه وحيدًا مثلي. ولكن يجب عليَّ أولاً أن أصل إلى شخص ليندبني وينوح عليَّ."

إن العالم الخيالي للكاتبة غني جدًا، حيث إنكم تستطيعون رؤية هذا في كل كلمة وجملة في روايتها. بالإضافة إلى أنه من الواضح تمامًا أنها قرأت كثيرًا داخل السجين طيلة سنوات عديدة...

"أنا كلمات أغنية، صنعتُ من النغم حذاءً."

تصف الكلمات بحنكة. وتتداخل اللغة الشعرية والقصصية معًا. فتجدون أنفسكم داخل رواية ذات لغة قصصية عتيقة لا تعرفون في بعض أماكنها ما إن كانت رواية أم شعرًا!

تتجول الكاتبة بكم في جغرافية قاسية ذات جبالٍ ثلجية، وقد شرحت بالتفصيل صعوبات تلك المنطقة القاسية وما أضافته إلى حياة الناس.

نقلت الكاتبة في حكاياتها داخل الرواية الصدمة الشديدة التي تسببت بها أحداث هجرة إجبارية يعرفها جيدًا المهمشون في تلك المنطقة. حيث إننا نرى بين السطور الآلام  والأوجاع التي يواجهها الأرمن، والعلويون، وكذلك الأكراد في السنوات الأخيرة. عندما تقرؤون عن سنوات التوطين الإجباري والنفي، والحربين العالميتين، وعن صيدلية الشفاء التي كانت ترسل الخطابات والرسائل إليها سوف تشعرون أنكم تعرفون قرية "ميمان" الموجودة بين الجبال تكونت من الآلام معرفة جيدة.

يمكن قراءة المقال باللغة التركية ايضا: