جنكيز أكتار
فبراير 10 2018

رائحة الدم تفوح من عفرين.. رقصة الموت التركية في "غصن الزيتون"

 

"الكتلة العدوانية تركن إلى هدف يمكن الوصول إليه بسرعة. إنه هدف معروف، تم تعريفه بشكل واضح ومحدد، بالإضافة إلى كونه قريبًا. لقد تمثلت وتهيأت تلك الكتلة للقتل، إنها تعرف من تريد قتله. وتتجه إلى هذا الهدف بثقة في النفس، وليس هناك شيء يسلبها تركيزها وتصميمها في هذا السبيل. إن تحديد الهدف والإعلان عن شخصية المرغوب في قتله يكفي لخلق تلك الكتلة وتكوينها. إن القتل نوع من التركيز على الهدف، نوع استثنائي ولا مفرّ منه. الجميع يرغب في المشاركة في الحادث، فيضرب كل واحد ضربة من جانبه، ولكي يفعل هذا يقوم بدفع الآخرين بعيدًا حتى يتسنى له الاقتراب من الضحية بقدر الإمكان. فإن لم يستطع نفسه أن يضرب الضحية أراد أن يرى غيره وهم يضربونها. تعمل جميع الأذرع هنا وكأنها ذراع واحدة؛ فترتفع إلى الهواء وكأنها عضو واحد جسد واحد. لكن القيمة الكبرى تكون لتلك الأذرع صاحبة النصيب الأكبر في عملية الضرب، حيث يشكل الهدف النقطة الأكثر كثافةً وتركيزًا عليه في الوقت نفسه. إنه المكان الذي تتجمع عنده أفعال وتصرفات كل المشاركين في هذه العملية. إنه تداخل بين الهدف والمستهدفين."
هذا ما يكتبه إلياس كانيتي في كتابه "الكتلة والسلطة" (دار نشر أيرنتي، 1998) وذلك في ص 49 منه، حيث إن مفهوم الكتلة العدوانية يستخدم في الإنجليزية والألمانية بمعنى الكتلة العدوانية التي تُثيره رائحة الدم.
أكملت حرب عفرين أسبوعها الثالث. بينما تزداد وتتمدد ساحات المعارك يوميًا، لأنه ليس هناك تقدم ملحوظ في المنطقة.
فقد أصبحت الدولة التركية قبضة واحدة تضرب و"إعلام الدم" أيضًا صار على قلب رجل واحد؛ حيث يحمسان باستمرار الشعب ونفسيهما على حد سواء.
الوضع داخليًا أيضًا ليس مُختلفًا عن هذا، فالواقع أن وسائل الإعلام تُدرج كل ما يتعرّض له معارضو الحرب ضمن "عملية عفرين". يبدو أنها "حرب عفرين داخلية" بشكل ما.
حيث ترافق عملياتِ القصف التي تحدث خارجيًا حملات تمثيل وتجريح داخلية. غير أن هذا الشعب يبدو مستعدًا لاستنشاق هذا الغاز منذ وقت مبكر. وتبلغ نسب الداعمين للحرب مستويات تدعو للفخر؛ إذ تصل في أقل حالاتها إلى 70 % بينما ترتفع إلى 80 % في بعض الأحيان.
رائحة الدم تفوح من عفرين
في قيصري، اجتمع 90 من سائقي المركبات من خلال دعوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك بهدف دعم الحملة العسكرية في عفرين

 

إن تركيا تنام وتستيقظ وتجوع وتشبع على عفرين بدءًا من الأشخاص المسعورين حبًا في إراقة الدماء إلى مساندي ذلك الفعل المخجل متشدقين بقصص "الجندي المخضب بالحناء"، ومن المواطن المحافظ إلى الشخص التحرري، ومن اليميني إلى اليساري، ومن السني إلى العلوي، ومن العامل إلى صاحب العمل رجالًا ونساءً، شبابًا وشيوخًا.
الكتلة العدوانية دائمًا ما يصف كانيتي تصرفاتها هكذا:
"الجميع في يومنا هذا يشارك -من خلال الصحف- الرأي العام في عمليات الإعدام المفتوح. غير أنه ومثل أي شيء آخر، نمارس هذا بشكل أكثر راحة مما كان عليه الأمر في الماضي. فنستطيع الجلوس في بيوتنا آمنين، ونختار من بين مئات التفاصيل ما يمنحنا نوعًا خاصًا من الحماس، ونوجه اهتمامنا إليه. وبعد أن ينتهي كل شيء نصدق عليه منفردين، ولا نشعر بأي إحساس بالذنب يُذهب بهجتنا وسرورنا. لسنا مسؤولين عن الحكم الصادر بالإعدام، ولا عن الصحف التي تعلنه، ولا أيضًا عن الصحف التي تنشر هذا. ومع هذا نكون أقل دراية بالأمر والحقيقة من أجدادنا الذين كانوا يسيرون مسافات طويلة وينتظرون أيضًا مدة طويلة على الأقدام ومع ذلك يتسنى لهم رؤية شيء قليل جدًا. إن الكتلة العدوانية لا تزال موجودة بشكل أكثر لينًا، وغير مسؤول، بسبب بعدها عن الأحداث. ويمكن القول إن هذا هو أحقر وأدنى أشكال الكتلة العدوانية، ولكنه في الوقت نفسه الأكثر صلابة. ونظرًا لأنه لا حاجة أساسًا لأن تجتمع هذه الكتلة فهي تقف في مأمن عن خطر التفرق؛ حيث تقوم الصحف بصدورها من جديد يوميًا بسد الحاجة إلى التغيير."
إن رائحة الدم المنتشرة من عفرين تناسب صرخات ودعوات تنفيذ الإبادة الجماعية التي حشدتها تلك الكتلة في الميادين. إن تركيا ترقص رقصة الموت!.
فهل يمكن الحديث عن روحها ومشاعرها المريضة هذه وبيانها من خلال دعاية النظام الحاكم المُخجلة ومسيرة وسائل الإعلام المقززة؟.
إن جميع الدول أو الجماعات غير الحكومية المحاربة تسعي لتوجيه الرأي العام؛ ومع ذلك ليس فيها من هو جاهز للانصياع لما يقال بقدر ما هو موجود عندنا.
فلماذا الأمر هكذا؟.
لماذا يمتلئ المكان هنا بالكثير بل والأكثر من العقارب المخطئة الموجودة في ظلام مرعب ومخيف؟.
لماذا في هذا البلد لا يخطر ببال محبي الحرب الذين لا يجرؤون على الموت فيها أن يرفضوا الأمر وجدانيًا، وكيف تصبح شارة الكذب والتزييف "مقابل أجر"؟.
لماذا بينما تستمر الحرب يُرسل الجنود إليها تحفّهم الطبول والمزامير بشكل يموج بالبهجة والجياش أكثر؟.
لماذا يرغب المدنيون أن يكونوا جنودًا متطوعين دائمًا؟.
لماذا يجري التمثيل والتنكيل فورًا بمن يعارض الحرب؟.
رائحة الدم في عفرين
حملة اعتقالات ضد الرافضين لعملية "غصن الزيتون"

 

يمكن إلى حد ما بيان واستيضاح هذه الحالة والشعور المريض بتذكر الحروب وأحداث الدمار التي ترجع إلى عصور قديمة جدًا. إن تركيا لم تشهد كارثة حرب عظمى في أراضيها الحالية كما حدث في أوروبا، ولم تدخل الحرب الثانية، وحافظت على نفسها. إنها لا تتذكر الحرب كثيرًا. إن ما في ذاكرة هذه البلاد عن الحرب يرجع إلى عصور عتيقة جدًا. لقد انتقل القسم الأكبر من المناطق التي تجري فيها الحروب إلى دول أخرى، وخسائر الحروب التي تقع في تلك البلاد ليست بقدر ما في أوروبا على الإطلاق.
غير أن هذا التوضيح والتحليل صالح حتى نقطة معينة. لأن هناك نماذج مخالفة ممتازة.
ومن ذلك مثلًا السويد التي حاربت آخر مرة عام 1814.
ولا يمكن رفض هذا بدعوى "إنَّ محيطنا سيء ولكن". لأن روسيا موجودة في محيط السويد، وهذا هو السبب الرئيس لأن ينزلق محيطنا في هذا الوضع؟ علينا ألا ننسى أن الكتلة العدوانية لم تكن قاصرة على العداء للأكراد، حتى وإن كان العداء للأكراد واضحًا جدًا بالنظر إلى عمليات الهدم والتدمير والمذابح التي تعيشها المدن الكردية في تركيا. إن اليونان وأرمينيا وإيران والعراق كلها عن بكرة أبيها أخذت نصيبها من هذه العدوانية.
إن هذا المكان الذي يرى الأعداء من كل الجهات يؤوي بداخله كتلة معادية للأرض التي تعيش عليها وبالتالي معادية لنفسها.
إنه يعاني ويصارع أشباح عمليات التطهير العرقي القديمة التي ظن أنها انمحت من ذاكرته...
إن المظالم البشعة التي لا توصف والتي تعرض لها غير المسلمين والعلويون وقريبًا جدًا الأكراد لم تستطع أن تصفي حساباتها مع الأرواح التي تحلق وتطوف فوق الدماء الباقية في الأرض والأناضول المُعّذب...
إنه المكان الذي سيظل أسيرًا للعنف والحرب...
 

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/cengiz-aktar/kan-kokusu