رضى المقهورين.. علم الاجتماع المعكوس

وصف المفكر الفرنسي بيير بورديو علم الاجتماع ذات يوم بأنه محاولة لاكتشاف القوانين الاجتماعية من خلال ملاحظة أنماط حياة الإنسان والأمور المعتادة فيها.

والحقيقة أننا نفهم المجتمعات الإنسانية ونفسرها، بل وحتى نجري بعض التوقعات بشأن الكيفية التي ستتصرف بها تلك المجتمعات في المستقبل، اعتماداً على مثل قوانين علم الاجتماع السببية هذه.

على سبيل المثال، نحن نتوقع أن ينظم الفقراء أنفسهم ضد من يستغلونهم على نحو فيه ظلم لهذه الطبقة وللمجتمع بوجه عام.

أو قد تتوقع الحكمة الاجتماعية التقليدية أن يكون المتدينون في حرب ضد الزعماء السياسيين الفاسدين وفاقدي الأخلاق.

لكن المفاجأة هي أن العلاقة السببية الاجتماعية التقليدية تبدو غير ناجعة في الكثير من الحالات في هذه الأيام.

على سبيل المثال، في الكثير من الدول يكون المتدينون سعداء بدعم الزعماء السياسيين الفاقدين للأخلاق، أو يصوت الفقراء للأحزاب السياسية التي يقودها رجال أعمال أثرياء.

من ثم فإن التوقعات التي تستند إلى العلاقة السببية الاجتماعية التقليدية المتمثلة في صورة تصدي الفقراء للمستغلين، أو وقوف الأتقياء في وجه كل أمر غير أخلاقي، لا تتحقق أبداً. هذه الحالة يمكن أن نسميها "علم الاجتماع المعكوس".

وفي الإطار الاجتماعي المعكوس، لا يتصرف الناس على النحو الطبيعي الذي تقتضيه أوضاعهم الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية.

كانت شبكة سي.إن.بي.سي ذكرت في الآونة الأخيرة أن عمال شركة هارلي ديفيدسون يؤيدون الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الرغم من انتقال وظائف إلى الخارج بسبب قراراته.

قال أحد موظفي هارلي "لم يكن ليفعل (ترامب) هذا لولا أنه كانت هناك حاجة لفعله؛ إنه رجل أعمال ذكي للغاية". ووفقا للتقرير، فإن تفاصيل كيفيه فعل الرئيس الأميركي لمثل هذه الأمور قد تكون أقل أهمية من الفكرة المتمثلة في أنه يحاول أن "يجعل أميركا عظيمة من جديد".

وهناك حالات مشابهة في دول أخرى، حيث يميل الكثير من الناس إلى التصرف على نحو أقل مما تقتضيه أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية.

ومما لا يدعو للدهشة أن علم الاجتماع المعكوس استوقف الكثير من المؤلفين وجذب انتباههم من قبل.

ففي مذكراته في السجن على سبيل المثال، ناقش أنطونيو غرامشي سبب عدم ثورة العمال في الكثير من الدول واستمرار رضاهم عن نظام سياسي لا يعطيهم أفضلية.

بالنسبة لغرامشي، فإن رضى العمال سببه الرئيس هو القدرة على الهيمنة التي تتمتع بها مجموعات القمع، والتي توظف بدهاء أدوات مثل المجتمع المدني أو الدِين أو المفكرين لإقناع الآخرين بأن يظلوا على ولائهم.

في الآونة الأخيرة، أصدرت الحكومة التركية أوامر تمنع الخبازين من زيادة أسعار الخبز وبدأت عمليات تفتيش شرطي منتظمة للمخابز.

وبينما كان الخبازون يشرحون الصعوبات الاقتصادية التي يواجهونها، دعا الكثيرون منهم الدولةَ مرارا وتكرارا، وعلى نحو مثير للانتباه، إلى حل مشاكلهم. هذه حالة واضحة تؤكد نظرية غرامشي في السياق التركي، حيث يبدو الخبازون الذين يتعرضون للقمع مقتنعين بأن جماعات الهيمنة التي تحكم الدولة ستهتم حقيقة لأمرهم.

وأئمة المساجد مثال نموذجي آخر لملاحظة قدرة الخطاب المهيمن على إقناع المقهورين؛ هؤلاء يُذَكّرون المسلمين دائماً بأنه سيكون هناك يومٌ للحساب في الآخرة وأنه من ثم ليس من الحكمة أن يكون الإنسان جامحاً في هذا العالم.
وكتاب "معذّبو الأرض" لفرانز فانون مثال جيد على علم الاجتماع المعكوس في سياق الاستعمار.

فالكتاب نقد ملحمي للاستعمار؛ لكن فانون ذكّر أيضاً بكيفية تمهيد الاستعمار الطريق أمام بعض المواقف الغريبة بين المستَعمَرين، حيث في بعض الحالات برز الشخص المستعمَر كشخصية جديدة تشارك القوة الاستعمارية في فكرها.

في الوقت ذاته فإن الجدل بشأن علم الاجتماع المعكوس له بعد آخر مهم، وهو ملاحظة كيف أن رضوخ المقهورين للقوة التي تقمعهم يثير اشمئزاز الآخرين الذين ما زالوا يتمسكون بأفكار وتوقعات تقع في إطار علم الاجتماع التقليدي.

وحتى تلك الصدمة قد تفرز تفكيراً اجتماعياً معكوساً وغريباً بين أصحاب الفكر والمنطق، كأن يتنموا مثلاً حدوث مشاكل اجتماعية عميقة أو أزمات اقتصادية تقود البلاد إلى وضع سياسي أفضل.

لكن هل هذا الفكر منطقي؟

على سبيل المثال، مر الأتراك منذ أواخر القرن التاسع عشر بثلاث حروب كبرى، هي حرب البلقان والحرب العالمية الأولى وحرب الاستقلال. بيد أن أياً من هذه الأحداث المأساوية لا يبدو قد أقنع الأتراك بالأهمية الملحة للسلام الاجتماعي.

وبالمثل فإن تحول المشهد العمراني الذي شهدته إسطنبول في السنوات العشر الأخيرة يكفي لتوضيح كيف أن الزلزال المأساوي الذي وقع عام 1999، والذي راحت ضحيته آلاف الأراوح، لم يغير سياسات البناء المبهمة والمهمِلة في البلاد.

لكن دائما ما يكون هناك خطاب مهيمن في المقابل يخبر الشعب بأن بعض الأحداث - التي تبدو مأساوية في نظر الناس - لها في حقيقة الأمر مآرب أفضل مما تبدو عليه.

على سبيل المثال، انطلى على الكثيرين في تركيا بالفعل ما يقال عن الأزمة الاقتصادية الحالية وباتوا ينظرون إليها على أنها العقبة الأخيرة قبل الخروج من عنق الزجاجة إلى رحابة العصر الذهبي. وبالنسبة لهؤلاء، فإن الأزمة الاقتصادية مرحلة طبيعية في مسيرة الأتراك نحو "عصر المجد". 

ما الحل إذاً؟

علم الاجتماع المعكوس له رسالة بسيطة، مفادها أن التوقع بأن يتعلم الناس دروسا من الأزمات الاجتماعية ليس هو الحل الأمثل لسببين.

أول هذين السببين، وكما هو مطروح في بعض الحالات فيما سبق، أن المجتمعات قد تفشل في استلهام الدروس حتى من الأحداث الأكثر مأساوية.

الأمر الثاني هو أن الدورة الزمنية للتغيرات الاجتماعية عادة ما تكون طويلة، ومن ثم فقد تحتاج إلى الانتظار لوقت طويل جداً حتى يتعلم الناس الدروس من الأحداث المأساوية مثل الأزمات الاقتصادية.

من ثم فإن الاستراتيجية الأفضل هي السعي إلى حوار بين النخب من الجماعات السياسية المختلفة. وما لم يشكل ممثلو الجماعات المختلفة ائتلافات متنوعة، فلن يكون للتاريخ يد سحرية يتدخل بها.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/oppressed/consent-oppressed-reversed-sociology
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.