يشار ياكش
مارس 27 2018

رغم السيطرة على عفرين.. لا يزال أمام تركيا المزيد من التحديات

وصلت العملية العسكرية التي تنفذها تركيا في منطقة عفرين السورية إلى هدفها في المرحلة المتوسطة، وهو السيطرة على وسط المدينة.
لكن للعملية هدفا أبعد وهو طرد المقاتلين الأكراد التابعين لوحدات حماية الشعب من المنطقة وتفكيك إطار الإدارة الذاتية الذي أقامه حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو أقوى الأحزاب السياسية الكردية في تركيا.
بعد ذلك تسعى تركيا لإقامة إدارة محلية تعكس التوزيع العرقي لسكان المنطقة. وسيكون هذا الجزء الأخير من المهمة وسيتطلب براعة ومهارة ووضوحا وبيانات دقيقة.
في اليوم الثامن والخمسين من العملية سيطر مقاتلو الجيش السوري الحر المدعومين من تركيا على العديد من الضواحي الحيوية في وسط عفرين. ولحسن الحظ لم تكن هناك حرب شوارع في تلك المنطقة مثلما كان البعض يخشى في البداية.
الآن وقد بدأ الجيش التركي يؤسس لسيطرته على المدينة لا يُتوقع أن تكون هناك مقاومة كبيرة.
وإذا لجأ من تبقى من مقاتلي وحدات حماية الشعب أو النشطاء المحليين لشن هجمات عشوائية لزعزعة استقرار مقاتلي الجيش السوري الحر أو الجيش التركي فلن يُغيّر هذا من الموقف العسكري على الأرض رغم أنه ربما يتسبب في سقوط مزيد من الضحايا.
من الإنصاف الإشادة بالجيش التركي للطريقة الاحترافية التي قام بها ونجاحه في تقليل الأضرار المباشرة. لقد تصرفت تركيا بكثير من الحسم من خلال قبولها، وهو أمر بديهي، بمخاطر وقوع ضحايا.
كما أن إدارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لعبت دورا مهما في إقناع الرأي العام التركي بقبول سقوط ضحايا.
لقد قدم الجيش التركي نحو حمسين قتيلا من عناصره في هذه العملية بالإضافة إلى 250 قتيلا آخرين في صفوف الجيش السوري الحر الذي تدعمه أنقرة. أما في جانب وحدات حماية الشعب فالمتوقع أن الضحايا كانوا نحو ألف. وقد يزيد العدد إذا استمرت الاشتباكات في المناطق الحضرية.
لا يُعرف حتى الآن السبب الذي دفع مقاتلي وحدات حماية الشعب لتجنب اشتباكات مباشرة مع الجيش التركي لكن البعض يتكهن بأن وراء ذلك أحد الأسباب التالية، أو دافعا واحدا يجمعها سويا:
أولا، ربما قررت وحدات حماية الشعب عدم وجود مبرر لخوض معركة تبدو محسومة من بدايتها.
ثانيا، فضلت الولايات المتحدة ألّا تخوض وحدات حماية الشعب مواجهة مباشرة مع الجيش التركي، فلعل واشنطن كانت ترغب في التمهيد لاتفاق مع تركيا يقدم فيه كل طرف بعض التنازلات في منبج.
ثالثا، المفاوضات التي أطلقتها روسيا بين الحكومة السورية ووحدات حماية الشعب لم تكتمل، لأن الوحدات الكردية لم توافق على تسليم نظام الإدارة الذاتية في المنطقة ظنّا منها أنه سيكون من الصعب استعادة الحكم الذاتي فيما بعد، بينما الآن سيظل بوسعها المطالبة بالحكم الذاتي إذا طرأ أي جديد في الأوضاع.
في الأزمة السورية، التي لم تبح حتى الآن بكل ما فيها من أسرار، يفضل كل طرف الاحتفاظ ببعض الأوراق في يديه.
رابعا، قد تكون وحدات حماية الشعب رغبت في اختبار نوايا الجيش التركي وقدرته على القبول بسقوط ضحايا في صفوفه ثم دراسة الانسحاب حين لا يكون هناك منه بُدّ.
من خلال هذا الاختيار لن يكون على وحدات حماية الشعب التخلي عن مطالبتها بالسيطرة على عفرين، ومن ثم سُتتاح لها فرصة المواصلة في عرض مطالبها بغض النظر عن الوضع الحالي للمنطقة.
إن التخلي عن عفرين لصالح الجيش التركي لن يلحق ضررا كبيرا بمطالب الوحدات الكردية لأن تركيا ستسحب قواتها من سوريا، سواء عاجلا أم آجلا، بما أنها أعلنت تأييدها للسيادة السورية على كامل أراضي البلاد.
مع التقدم الذي تحقق لتركيا في عفرين حتى الآن، أصبح لأنقرة موقف أقوى في المفاوضات التي ستجرى مع الولايات المتحدة بخصوص إبعاد المقاتلين الأكراد من منبج.
أما فيما يتعلق بالهيكل الإداري الجديد الذي ستقيمه تركيا في عفرين، فمن الإنصاف أن تكون نقطة البداية الاستعانة بالبيانات الموجودة قبل اندلاع الأزمة للتركيبة العرقية لسكان المنطقة.
قد تكون هذه التركيبة قد تعرضت لبعض التغيير بسبب النزوح الداخلي. وهناك مشكلة أخرى، وهي أن مطالب جزء مهم من الأكراد الموجودين في سوريا للحصول على الجنسية قد قوبلت بالرفض. وهؤلاء، إن لم يكن قد تم إدراجهم في الإحصاء فإن البيانات المتوفرة حاليا سترسم صورة مشوهة للتركيبة السكانية للمنطقة قبل اشتعال الأزمة.
سيكون على تركيا استخدام كل خبراتها الإدارية ومهاراتها الدبلوماسية في التعامل مع هذه القضية الحساسة.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: