رفع الفائدة في تركيا لن يصلح ما أفسده أردوغان

عادت الحكومة التركية مرة أخرى للجوء إلى رفع معدلات الفائدة في محاولة لإصلاح التوازن المفقود في الاقتصاد الذي يزداد تراجعا منذ عام 2012. لكن الدواء المر هذه المرة قد يسفر في النهاية عن حالة من الركود.

ففي الوقت الذي بدا فيه وكأن الاستثمار في الأصول التركية قد وصل في الفترة الأخيرة إلى مستويات حرجة، فإن قرار البنك المركزي في السابع من يونيو برفع سعر الفائدة التركية بواقع 125 نقطة أساس قد قوبل بترحاب من المستثمرين.

هذه الخطوة من البنك المركزي تم تفسيرها كمؤشر على التحرك أخيرا وبشكل جاد للتصرف حيال معدل التضخم المرتفع جدا في تركيا، عوضا عن البحث عن حل للانهيار الحاصل في سعر الليرة.

رغم كل شيء، فإن التضخم في تركياـ الذي ثبت عند مستوى يبلغ نحو 10 بالمئة في بداية العام الحالي قد وصل إلى 12.2 بالمئة في مايو وينتظره المزيد من الارتفاع في الأشهر المقبلة.

خلال الفترة بين أواخر أبريل والسابع من يونيو، أدت قرارات البنك المركزي بزيادة أسعار الفائدة إلى زيادة قدرها 500 نقطة أساس إلى المعدل الأساسي، الذي زاد الآن بواقع 17.75 بالمئة. قبل أسبوعين اتخذ البنك المركزي أيضا قرارا مفاجئا "بتيسير" مزيج سياساته، إذ تقرر ضبط معدل الإقراض بأجل أسبوع واحد ليصبح مرة أخرى سقفا للإقراض.

ورغم ذلك، ومنذ بداية العام الحالي حيث بدأت الليرة في الانهيار على خلفية الارتفاع الكبير في مستويات التضخم، تسببت الزيادة الواضحة في عجز الموازنة وتجنب أسواق المال العالمية التعامل مع تركيا لارتفاع نسب المخاطرة بالإضافة إلى عجز  غير مبرر من البنك المركزي عن التحرك في الكثير من الضرر للاقتصاد التركي سيبقى أثره لما بعد الانتخابات المقررة في 24 يونيو.

والآن ومع النيران المتقدة في أسواق المال، على الأقل خلال الفترة الحالية، حان الوقت لتقييم حجم الضرر.

أولا، يحيط الشك بمصداقية البنك المركزي الذي واجه كثيرا من الانتقادات على مدى السنوات القليلة الماضية. ترافق سعي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للضغط من أجل تحقيق نمو اقتصادي قوي للغاية وسط السيولة الواضحة في الأسواق العالمية مع ارتكاب أخطاء بالغة الخطورة فيما يتعلق بالإدارة الاقتصادية.

لم تكن السياسة النقدية للبنك المركزي سوى ضرب من المجاملة للرئيس من أجل تحقيق أهدافه. ومن ثم تسبب الفشل في السيطرة على التضخم والتحول الكبير في الأسواق العالمية في انهيار الليرة، التي حققت بعض التقدم على مدى الأشهر الثلاثة الماضية. ودفع هذا حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يقوده أردوغان لتغيير طريقته والتحرك وفقا لضوابط السياسات المتعارف عليها عالميا.

غير أن من الضروري هنا توضيح أن ما أنقذ الموقف لم يكن تحرك محافظ البنك المركزي مراد جتين كايا لضبط السياسة النقدية، بل قرار رفع أسعار الفائدة الذي اتخذ في أرفع المستويات الحكومية بعد أن بات لا مفر منه.

لقد حصل جتين كايا ومساعدوه على حرية الحركة. تبدو هذه الفكرة منطقية بالنظر إلى الارتفاع الكبير في نسب المخاطر فيما يتعلق بتركيا ومحدودية قدرة الليرة على التعافي.

وجعل هذا الوضع المستثمرين يتشككون في طريقة إدارة الاقتصاد بعد الانتخابات في حالة فوز أردوغان بها نهاية الشهر الحالي ومن ثم بدء تطبيق نظام رئاسي تنفيذي كامل تتولى السلطة فيه السيطرة الكاملة على كل شيء.

فيما يتعلق بالتضخم، لا حاجة بنا للإشارة إلى الضرر الذي أصاب التوقعات الاقتصادية جراء سنوات من السياسات النقدية غير الواضحة. لقد أدى انهيار الليرة والارتفاع الواضح في أسعار النفط في توقعات بوصول التضخم إلى 15 بالمئة في الربع الثالث.

ومن الواضح أن هناك ضررا كبيرا سيبقى أثره ليظل سعر الليرة عند نحو 4.5 مقابل الدولار، حتى بعد رفع أسعار الفائدة بواقع 500 نقطة أساس. والآن وبكل أسف، لا يمكن لأحد توقع تضخم بأقل من 13 بالمئة عند نهاية العام الحالي.

لقد ساهمت أسعار الفائدة البالغة 17.75 بالمئة وعائدات السندات البالغة 18.4 بالمئة في تحديد معدل جديد أكبر لأسعار الفائدة في تركيا.
بادئ ذي بدء، ستزيد نسب الفائدة على الودائع، وهو أمر سيتسبب بلا شك في زيادة معدلات الفائدة على الإقراض.

تأتي تكلفة التمويل المرتفعة هذه التي حددها البنك المركزي على رأس قائمة أسباب التكاليف المرتفعة للإقراض من البنوك بمعدلات تمديد أقل. وسيسفر هذا بشكل مباشر في إقراض البنوك للشركات بفوائد كبيرة تتراوح بين 25 و28 بالمئة.

ومن هنا يكون الركود.
سيكون منطقيا أن يتقلص الناتج القومي الإجمالي لتركيا في الربع الثالث. ولا يتوقع على نطاق كبير أن تؤدي نتائج الانتخابات إلى تغيير التوقعات الخاصة بالنمو على المدى القصير، سواء فاز حزب العدالة والتنمية وأردوغان وتحقق للرئيس ما يريده بصلاحيات تنفيذية أوسع نطاقا، أو فازت المعارضة بالانتخابات البرلمانية في سيناريو من شأنه الدفع من أجل حصول مواءمات في السياسات الاقتصادية.

بالنظر إلى 2019، يبدو الركود هو السيناريو الأقرب للتحقيق، هذا إن لم يكن ركودا مصحوبا بتضخم.

إن انهيار الليرة وفوائد الإقراض المرتفعة للغاية لها تبعات متكررة على الحسابات المالية في تركيا وعلى قطاع الشركات. 

ومع تراجع الاقتصاد نحو الركود في ظل أسعار الفائدة العالية، ستزيد حتما معدلات البطالة، وستقل الأجور مع معاناة الشركات تحت وطأة الديون.

ندرك بالفعل أن الكثير من الشركات الكبيرة تسعى للتفاوض مع البنوك من أجل إعادة هيكلة مديونياتها. الآن ستطول قائمة مثل هذه الشركات لتشمل مختلف قطاعات الأعمال. وسيعني هذا ارتفاعا جديدا في أسعار الإقراض ومزيدا من الانكماش للشركات "في بيئة تعاني معدلات تضخم عالية ونموا منخفضا."

وأخيرا وليس آخرا هناك العبء الثقيل لأسعار الفائدة على الحسابات المالية. فبينما ستصبح تكاليف الإقراض واحدة من مصادر القلق بالنسبة لتركيا، فإن التراجع الاقتصادي وعدم القدرة على تحصيل الضرائب وربما المزيد من الإعفاءات الضريبية سيؤدي إلى اتساع نطاق عجز الموازنة مقارنة بنسبة الناتج المحلي الإجمالي.

جانب آخر للأثر الصادم لأسعار الصرف على الحسابات المالية سيتمثل في الضغط الذي ستعاني منه المجالس البلدية التي تواجه بالفعل ديونا كبيرة بسبب أسعار تغيير العملات الأجنبية منذ عشر سنوات. سيكون الضغط أكثر وضوحا حين تجري تركيا انتخابات المحليات عام 2019.

لتلخيص ما تقدم، فإن "الاستقرار" الهش قصير الأجل الذي تحقق لتركيا يستند إلى معدلات فائدة مرتفعة. ولا تتوفر حتى الآن أي علامات ملموسة على أن السياسة المالية ستساعد على تحسين السياسة المالية خلال الأشهر المقبلة.

ولتجنب مثل هذه الصدمات القوية هناك حاجة لرؤية اقتصادية جديدة وواضحة وذات مصداقية ولبرنامج إصلاح قوي يبدأ تطبيقه فورا بعد انتخابات الرابع والعشرين من يونيو.

وغني عن القول إن  هناك ضرورة لاتخاذ قرارات جريئة للتعامل بفعالية مع التزامات الدين الخارجي، للشركات التركية على وجه الخصوص، والتي تبلغ قيمتها الإجمالية 226 مليار دولار.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: