Ergun Babahan
مارس 23 2019

روسيا تدفع تركيا إلى تنفيذ استراتيجيتها داخل سوريا

خلق أردوغان وحزب العدالة والتنمية، اللذان تعثَّر حلمهما من أجل بعث العثمانيين الجدد في سوريا، لنفسيهما أعداء بين النازيين الجدد، والصهاينة الجدد، والصليبيين الجدد. وهؤلاء الأعداء هم، في حقيقة الأمر، أعداء وهميون؛ لأنهم لا يملكون القوة أو السلطة لقتال الدول الأوروبية والولايات المتحدة بشكل مباشر.  

لقد أخفق أردوغان في الماضي القريب، عندما حاول ترسيخ قاعدته في تركيا بمحاربة الغرب بعدائه لألمانيا وهولندا. لم يدرك حينها أن  مثل هذا التحرك ضد الاتحاد الأوروبي لن يؤدي لشيء سوى لمزيد من التدهور الاقتصادي الذي بلغ حداً خطيراً.

ولعل هذا هو السبب الذي لا يجعل أردوغان، في الوقت الحالي، يصرح بأسماء أعدائه في خطبه التي يلقيها على الموالين له في الميادين؛ فلا نجده يذكر أسماء دول بعينها مثل "أميركا أو ألمانيا أو هولندا".

وتجري صورة مماثلة لذلك في سوريا كذلك؛ فعندما صرَّح ترامب بأن القوات الأميركية ستنسحب من سوريا، اختفت على الفور حدة اللسان. ولم نرَ أردوغان يتحدث عن عملية منبج؛ لأن  الجميع، بما في ذلك شعوب المنطقة وروسيا، كانوا ضد أي تحرك عسكري تركي هناك.  

في هذه الأثناء، كان أردوغان يتعرض لضغوط شديدة من جانب روسيا؛ لأنه لم يوفِ بوعوده في إدلب. لقد أدَّت الضغوط الروسية إلى إجبار تركيا على الاشتراك معها في معركتها من أجل التصدي للجماعات الإسلامية المتطرفة في إدلب؛ فسيَّرت الدولتان دوريات أمنية مشتركة، وازداد التنسيق بينهما في قصف هذه الأماكن. تحدثنا هذا الأسبوع مع الكاتب التركي المخضرم فهيم طاش تكين حول هذا الموضوع، ونعرض في السطور التالية أهم ما جاء في هذا الحوار...

يمكنكم الاستماع إلى الحوار بالضغط على زر تشغيل أدنها: 

تشهد إدلب تطورات خطيرة بالفعل.

عندما أدركت روسيا تخاذل الموقف التركي فيما يخص عملية منبج وإدلب، قامت بإثارة مسألة الأوضاع في إدلب مرةً أخرى. وقد رأينا حدوث تطورات لافتة في إدلب خلال الأسبوعين الماضيين.

طالبت موسكو تركيا منذ فترة بالوفاء بالتعهدات الصعبة التي قطعتها على نفسها خلال مباحثات سوتشي في إدلب.

ولكن ما هي طبيعة المهمة التي تريد روسيا من تركيا القيام بها؟ لقد طالبت روسيا أنقرة سحب جميع الأسلحة الثقيلة من أيدي الجماعات الجهادية في المنطقة منزوعة السلاح، والتي تمتد لمسافة 15 إلى 20 كم، في شكل حزام حول إدلب، وحددت لذلك موعداً أقصاه 10 أكتوبر 2018، وطالبتها، بالإضافة إلى هذا، بإجلاء المنظمات الإرهابية عن هذه المنطقة في موعد أقصاه 15 أكتوبر، وفتح الطريق السريع بين حلب واللاذقية، وبين حلب ودمشق بنهاية عام 2018. ولكن ما حدث أن أنقرة لم تأخذ الموضوع مأخذ الجد؛ فقامت بعملية وهمية لجمع الأسلحة الثقيلة باءت بالفشل في النهاية.  

وعلى الطرف الآخر، كان من الطبيعي أن تتحرك روسيا، وتزيد من ضغوطها على أنقرة، وفقاً لحسابات أخرى جرى الحديث عنها خلال محادثات أستانة.  لذلك فمن الخطأ القول إن الموقف الروسي كان يتسم بالمرونة اللانهائية. ومن ناحيتها، كانت أنقرة تقترب من روسيا بعد أن عجزت عن اتباع استراتيجية المناورة مع الولايات المتحدة؛ فقامت كل من تركيا وروسيا، بعد القمة الثلاثية التي عقدت في سوتشي في14 فبراير، بمشاركة إيران، بالتوقيع على نص جديد في إطار لقاء جمع بينهما يومي 3 و4 مارس. لذلك كان من الطبيعي أن تشهد الساحة بعض التحركات الجديدة خلال الأيام القليلة التي تلت التوقيع على الاتفاق.

بدأت أنقرة هذه الخطوات بتسيير دورية مشتركة مع القوات الروسية، وقامت تركيا بإعادة نشر قواتها تمهيداً لفتح الطريق السريع بين حلب وحماة، ولكن الطريق لم يُفتح في النهاية. وأعقب ذلك، وبالتحديد يوم 13 مارس، إعلان روسيا تنفيذ ضربة ضد منظمة تحرير الشام، قالت إنها تمت بالتنسيق مع تركيا. والحقيقة أنه لم يكن مُستغرباً أن تكون تركيا على علم بتنفيذ مثل هذه العمليات في ظل زيادة التنسيق بين الطرفين. وعلى الجانب الآخر، كانت القوات المعارضة للحكومة السورية هي أكثر من تضرر من موقف تركيا هذا، خاصة وأنها وعدتها، قبل ذلك، بتوفير الحماية لها. لذلك كان من الطبيعي أن تخرج في مظاهرات في منطقة أعزاز للتنديد بهذه العملية العسكرية.

وقاموا، بالإضافة إلى ذلك، بإذاعة بيان مشترك نيابة عن العديد من جماعات المعارضة في سوريا؛ الأمر الذي يجعلنا نطرح سؤالين مهمين للغاية في هذا الإطار: هل كانت تركيا هي من أعطى الضوء الأخضر لتنفيذ تلك العمليات التي انتظرتها روسيا طويلًا؟ أم أنها كانت مجرد محاولة من جانب روسيا لزيادة الضغوط على تركيا؟ وعلى الرغم من هذا، فأنا أميل إلى الطرح القائل بأن التحرك الروسي في إدلب كان بمشاركة تركية كاملة؛ أي أنه لم يكن رغماً عنها.

وبطبيعة الحال، فتركيا أيضاً لديها بعض الطموح الذي تسعى للفوز به من إقدامها على هذا الأمر؛ فهي لن تلبي ما يريده الروس دون أن تحصل، هي الأخرى، على مقابل يرضيها. ومن ناحية أخرى، كان تقدم روسيا خطوة إلى الأمام في علاقتها مع أنقرة مرتبطًا، في الأساس، باتباع استراتيجية المناورة مع الولايات المتحدة. أعتقد أن بوتين ينتظر ليرى إلى أي مكان سيُفضي  قرار ترامب بالانسحاب من سوريا حتى يمكنه، تبعاً للوضع الراهن، وضع استراتيجيات مختلفة تتعلق بطريقة التعامل مع تركيا.

وينبغي القول هنا إن روسيا لن تسمح لتركيا بدخول منبج بسهولة.

تريد روسيا وضع استراتيجية خاصة من أجل منبج تجعل تركيا طرفا فيها. وبمجرد أن ينسحب الأمريكان من سوريا، سيسرع الجيش الروسي والجيش السوري، قبل تركيا، لإحكام سيطرتهما على المناطق التي انسحب منها الأمريكان. ومن ناحيتها، تدرك تركيا جيداً، بعد تجربة عفرين، أنه لا سبيل سوى توحيد الرؤى، قبل الإقدام على أي عمل جديد داخل سوريا.

من ناحية أخرى، قد يكون من غير المستبعد أن تكون المسألة السورية واحدة من أهم النقاط الرئيسة التي جرى التوافق عليها من أجل إتمام صفقة منظومة صواريخ S 400 الصاروخية.

وانطلاقاً من هذا، يمكن القول إن صفقة صواريخ S-400 ترتبط بشكل وثيق بالمعادلة السورية. أنا أتحدث عن هذا من منطلق نظري؛ فروسيا ليست متأكدة من التزام تركيا  بموضوع صفقة S400 . وقد تطلب روسيا من تركيا أن تكون تحركاتها في سوريا وفق الخطة الروسية هناك، في مقابل أن تبدي هامشاً من المرونة فيما يخص مخاوف تركيا في الداخل السوري. وعلى العكس من ذلك، قد تستخدم تركيا موضوع منظومة S400 الصاروخية الروسية كورقة ضغط ضد الولايات المتحدة للحصول على تنازلات من قبيل مطالبة أميركا بوقف جميع أشكال الدعم للأكراد. ومما لا شك فيه أن الوضع السياسي الحالي يرجح قيام تركيا بهذه الخطوة.  

من ناحية أخرى، إن المناخ السياسي الحالي في العراق يجعل من الصعب على تركيا التحرك بسهولة على الأراضي العراقية كذلك.   

يشير الهجوم على القاعدة العسكرية التركية في العراق، وما أعقبه من أحداث، إلى شيء مهم للغاية؛ ألا وهو  أن الوجود التركي لا يلقى ترحيباً من جانب كل من كردستان وحكومة بغداد. من هنا، لا ينبغي اعتبار البيان الذي أصدره تحالفا "سائرون" و"الفتح"، بشأن رفض إقامة قواعد عسكرية أجنبية على الأراضي العراقية، أمراً خاصاً بالولايات المتحدة فقط.

وعلى الطرف الآخر، تدرك تركيا جيداً حجم الحساسيات التي خلقها توسيعها لوجودها العسكري على الأراضي العراقية، وعمليات القصف الجوي وسط منطقتي مخمور وسنجار في كردستان العراق؛ مما ينذر بحدوث المزيد من المفاجآت على جميع الأراضي العراقية، وليس في كردستان العراق فحسب.  

يوجد هنا تسجيل صوتي

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/gidisat/tastekin-idlibde-rusya-turkiyeyi-kendi-planina-cekiyor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.