أمره قورال
يونيو 06 2018

زيادة كبيرة في شكاوى التعذيب في تركيا.. والسبب حالة الطوارئ!

أذنت محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في 15 يوليو 2016 ببدء عهد جديد في تركيا، سواء للسلطات الحاكمة في أنقرة أو لمعارضيها.

فبالنسبة للرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم، ساهمت محاولة الانقلاب في حشد المزيد من الدعم لهما على المستوى السياسي، وكذلك في تشديد قبضتهم على مقاليد السلطة.

لكن بالنسبة للمعارضين لحزب العدالة والتنمية، جاءت هذه المحاولة بحقبة مظلمة بدأت بإعلان حالة الطوارئ بعدها بفترة وجيزة. واستمر سريان حالة الطوارئ في البلاد منذ ذلك الحين لتمنح مسؤولي الأمن والقضاء سلطات لم يسبق لها مثيل ضد هؤلاء الذين ينظر إليهم باعتبارهم أعداء الوطن.

فعلى سبيل المثال، أعفت المادة التاسعة في مرسوم الطوارئ رقم 667، الذي دخل حيز التنفيذ في 23 يوليو 2016 بعد أيام من نجاة الحكومة التركية من محاولة الانقلاب، موظفي الدولة من أي مسؤولية قانونية أو إدارية أو مالية أو جنائية بموجب حالة الطوارئ.

وكان مدع عام في مدينة طرابزون بشمال شرق البلاد هو أول مسؤول يستند إلى هذه المادة ردا على شكاوى التعذيب عندما حكم برفض الاتهامات الموجهة إلى ضابط شرطة يشتبه في تعذيبه عامل توزيع صحف أمام زوجته وأطفاله.

وشكل هذا الحكم سابقة استندت إليها السلطة القضائية لاحقا في سلسلة طويلة من القضايا التي تم فيها إسقاط تهم التعذيب الموجهة ضد موظفي الدولة، ويكفي أن نقول إن حوادث مثل التعذيب الجماعي للقرويين الأكراد في ولاية نصيبين بجنوب شرق البلاد وصور الأكراد الذين تم تجريدهم من ملابسهم والاعتداء عليهم من قبل رجال الشرطة على جانب الطريق في ولاية موغلا في غرب البلاد مرت مرور الكرام دون حساب أو عقاب، وهو ما يعكس مدى الحماية التي يحظى بها ضباط الأمن من أي مساءلة قانونية.

وهذه الحماية بلا شك هي واحدة من الأسباب الرئيسة للزيادة المفاجئة في حجم حوادث التعذيب في تركيا، ناهيك عن الحالات التي لا يتم الإبلاغ عنها.

وفي حين ينص القانون في الظروف العادية على إجراء فحوصات طبية يومية للمحتجزين، تم التغاضي عن هذا الإجراء في حالة العديد من المعتقلين القابعين في السجون بتهم الإرهاب في ظل حالة الطوارئ.

كما ترفض المحاكم الجنائية تدوين أقوال المشتبه بهم الذين يقولون إنهم تعرضوا للتعذيب بحجة أن هذه ليست القضية التي يتم النظر فيها. 

ويصر القضاة على أن يرفع المشتبه بهم الذين يزعمون أنهم تعرضوا للتعذيب دعاوى جنائية من خلال النيابة في قضية منفصلة، وبالتالي تكون المحاكم قادرة على الاستناد في حكمها إلى شهادات المشتبه بهم الذين يقولون إنهم أدلوا بها تحت التعذيب.

ومن الأمثلة الصارخة على هذه الظاهرة ما حدث في محاكمة أحد المدرسين، الذي سيتم الإشارة إليه بالأحرف الأولى من اسمه "هـ. ك".

وسرد المدرس بالتفصيل كيف تعرض للتعذيب على أيدي رجال الشرطة، الذين بحسب قوله جردوه من ملابسه وكمموه وألقوا عليه الماء البارد وعذبوه واعتدوا عليه جنسيا، قبل أن يقوموا بتهديده بأنهم سيفعلون الشيء ذاته مع زوجته.

وكل هذا تم ذكره بشكل مفصل للقاضي الذي يرأس محاكمته. ومع ذلك، مضى القاضي قدما وحكم على "هـ. ك" بالسجن لمدة تسع سنوات وشهرين، استنادا إلى نفس الشهادة التي قال إنه أدلى بها تحت وطأة التعذيب.

وتضمن تقرير نشرته منظمة العفو الدولية العديد من الروايات المشابهة التي تتحدث عن قيام رجال الشرطة بضرب محتجزين أو استخدام الهراوات للاعتداء عليهم جنسيا منذ محاولة الانقلاب في 15 يوليو.

كما أفادت عائلات المعتقلين الذين انتحروا أثناء احتجازهم في السجون أو مراكز الاعتقال أن إقدامهم على الانتحار جاء نتيجة تعرضهم للتعذيب الشديد.

وقد تبدو أساليب التعذيب المذكورة آنفا قاسية للبعض، لكنها بالنسبة للسجناء لا تشكل سوى جزء من معاناتهم. فوفقا للأعراف الدولية، فإن الظروف المروعة التي يحتجز بها المعتقلون تشكل أيضا تعذيبا. ولعل أكبر ضحايا هذه الظروف هم الأطفال الصغار الذين يضطرون إلى العيش في السجون إلى جانب أمهاتهم المحتجزات.

وكانت إحدى الأمهات، وسيشار إليها بالأحرف الأولى "ب.ي"، قد وصفت لـ"أحوال تركية" التجربة التي مرت بها في السجن هي وطفلتها قبل أن تغادر تركيا لطلب اللجوء في اليونان.

وكانت "ب.ي" قد اعتقلت للاشتباه في أن لها صلات بحركة فتح الله غولن، والتي تضم أتباع الداعية الإسلامي الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب، وتم وضعها لفترة من الوقت في حبس انفرادي حيث لم يُسمح لطفلتها بالبقاء في الزنزانة معها طوال هذه الفترة.

وقالت "كان الحراس يحضرون آلات للأمهات المحتجزات للحصول على الحليب للأطفال في أوقات محددة. كنت مضطرة إلى ضخ الحليب وصبه في حوض لم يكن مناسبا أبدا لطفل. كان قذرا، وكانت طفلتي خائفة من الحراس، كانت تريد أن تأكل ولكن في نفس الوقت لا يمكنك إطعامها ولا يمكنك أن تعطيها الحليب."

وسردت "ب.ي" كيف حُرمت طفلتها من علاج الحساسية، وكيف لم تتح لهن إدارة السجن الحصول على فاكهة أو خضروات طازجة لعمل الطعام للأطفال أو حتى جلب اللعب لطفلتها في السجن.

في نهاية المطاف، قررت أن تعهد برعاية الطفلة إلى والدتها التي كانت تصارع السرطان في ذلك الوقت، وكان ذلك خيارا أفضل مقارنة بإبقاء طفلتها في زنزانة باردة وغير صحية في السجن معها. ومع ذلك، حتى هذا الخيار ليس متاحا بالنسبة للعديد من الأمهات اللواتي ليس باستطاعتهن الحصول على مثل هذا الدعم خارج السجن.

وهناك حاليا أكثر من 700 طفل مجبرون للعيش في ظل هذه الظروف، وفقا لتصريحات أدلى بها مؤخرا عبد اللطيف شنر، أحد مرشحي حزب الشعب الجمهوري المعارض في الانتخابات البرلمانية التي من المقرر عقدها في 24 يونيو.

ودفع هذا الوضع المزري العديد من الأمهات اللواتي يواجهن أحكاما بالسجن إلى الفرار من البلاد مع أطفالهن لطلب اللجوء في الخارج.

ومع التدني المستمر لمعايير السجون في ظل حالة الطوارئ وحرمان السجناء من حقوقهم وتعرضهم للتعذيب في السجون المكتظة أصلا، سينظر العديد من الأشخاص المعرضين لدخول السجن في أي لحظة بلا شك إلى الفرار من البلاد باعتبار ذلك الخيار الوحيد أمامهم.

وكان تقرير نشرته هيومن رايتس ووتش عن حالة الطوارئ في تركيا قد ذكر أن نحو 150 ألف شخص خضعوا للتحقيق بشأن تهم تتعلق بالإرهاب، وكان غالبيتهم متهمين بأن لهم صلات بحركة غولن أو بالحركة السياسية الكردية.

وبسبب القيود المفروضة بموجب حالة الطوارئ واحتجاز أكثر من 450 محاميا يعملون على هذه القضايا، يستحيل تسجيل عدد حالات التعذيب وتوثيقها بدقة وفعالية.

لكن منظمة هيومن رايتس ووتش قدمت أكثر التقارير شمولية حول التعذيب في تركيا حينما ذكرت أنه تم الإبلاغ عن 427 حالة تعذيب في مراكز الاعتقال في عام 2017 وتقديم 489 بلاغا عن قيام الشرطة

بتعذيب أشخاص ليسوا رهن الاحتجاز، في حين تم الإبلاغ عن 1988 حالة تعذيب في السجون، تضمنت 22 طفلا، في نفس الفترة الزمنية، وكانت هناك 40 حالة انتحار داخل السجن خلال عام 2017.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: