زيارة أردوغان لألمانيا تعكس قصر نظر الاتحاد الأوروبي

كانت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لبرلين بمثابة تذكير بأن التاريخ يعيد نفسه. وعلى غرار التقلبات والتحولات التي سبقت الحربين العالميين اللتين دارت رحاهما في القرن الماضي، فإن أي تصرف غير سوي يفسح المجال لآخر، مما يقوض التوازنات الدقيقة للنظام الديمقراطي.

لذا، وفي فترة يسودها القلق الشديد، شعرت القيادة السياسية المنهكة في ألمانيا بشكل أو بآخر بأنه لا خيار لديها سوى الترحيب بالرئيس التركي. ذلك على الرغم من أن معظم العالم الديمقراطي يعتبر أردوغان مسؤولا عن هدم النظام في تركيا.

بدا الارتياح على أردوغان وهو يصافح الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل. فقد اجتاز اختباره الوجودي بتحويل النظام التركي إلى نظام مستبد واختبار – غياب – عزيمة شركاء تركيا التجاريين والعسكريين. أدرك أردوغان أنهم سيغمضون أعينهم حتى وإن كان يُنظر إليه على أنه يحفر قبر سيادة القانون وفصل السلطات.

بالنسبة لأردوغان، تتعلق مثل هذه الزيارة لألمانيا في المقام الأول بتأكيد شرعيته باعتباره الحاكم الأعلى لتركيا. وحتى الآن كل الأمور تسير على ما يرام، لكن هناك ما هو أكثر من ذلك.

كتب جنكيز أكتار، الخبير في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، على موقع "أحوال تركية" قائلا: "اليوم، كل الحكومات الأوروبية بلا استثناء ستتخلى عن حقوق الإنسان وسيادة القانون والبيئة وغيرها، في مقابل الحصول على نصيب من كعكة المكاسب".

وأضاف: "يبدو أن حكومات دول القارة الأوروبية تحرص على تجاهل منظومة قيمها اقتفاء لأثر المملكة المتحدة واقتناعا منها بأنه ينبغي لها أن تتعايش مع الرئيس أردوغان بعد انتخبات الرابع والعشرين من شهر يونيو. هذا التوجه ينجح لأن أردوغان لا يكترث لما تراه (الحكومات الأوروبية). فهو لا يريد سوى أموالها".

في الواقع، كما أشار أكتار، تبددت جميع فرص تركيا تقريبا في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي والاتفاقات الملزمة، مثل مراجعة اتفاق الاتحاد الجمركي وإعفاء المواطنين الأتراك من تأشيرات الدخول، إلخ، ويبدو أن الاتحاد الأوروبي بات أكثر تقبلا للنظام التركي. والآن، لم تعد تركيا في نظر الاتحاد الأوروبي أكثر من مجرد دولة أخرى وليست عضوا محتملا أو مرشحا للعضوية، والفرق الوحيد بينها وبين غيرها هو أن تركيا تقع بجوار أوروبا.

وقال أكتار إن "الاسترضاء بات مجددا وسيلة تستخدمها أوروبا في التعامل مع اثنين من جيرانها: روسيا تحت قيادة (الرئيس الروسي فلايمير) بوتين وتركيا تحت قيادة أردوغان، وهذان النظامان الاستبداديان يطالبان دائما بالمزيد ما دامت أوروبا تعمل على استرضائهما".

ذلك أمر تقشعر له أبدان كل المهتمين بمستقبل أوروبا وتركيا. فلا مفر من الأسف على ما حدث من أخطاء وعلى حماقة قادة الاتحاد الأوروبي التي كانت فيهم ميركل هي الأطول بقاء في السلطة. على المستشارة الألمانية أن تتذكر أنها لم تكن هي وغيرها من قادة الاتحاد الأوروبي بهذه النظرة القاصرة قبل عشر سنوات، وإن كنت غير متأكد مما إذا كانت قد فكرت من قبل فيما إن كانت تركيا ستصبح في وضع مختلف وأفضل كثيرا من الاتحاد الأوروبي.

كثيرا ما يسمع المرء في هذه الأيام عبارة "كما تزرع تحصد" عن الحديث عن تركيا التي أصابتها الأزمة وزعيمها الزئبقي. نفس الشيء ينطبق في معظمه على التقديرات غير السوية لصناع القرار في الاتحاد الأوروبي.

على الرغم من التحذيرات التي أطلقها مفكرون أوروبيون وأمريكيون حكماء وتنبيههم لضرورة التعامل مع عملية انضمام تركيا بحذر وبُعد نظر، ثمة أمور كثيرة سارت على غير ما يرام.

كانت هناك عوائق أمام المفاوضات وكثر الحديث عن أن تركيا لا تنتمي للاتحاد الأوروبي. لم يؤد ذلك إلا لنفور الناخبين الأتراك من الاتحاد الأوروبي. وفي ظل شعور بخيبة الأمل جراء الخطوة التاريخية الحمقاء المتمثلة في منح جزء فقط من قبرص المنقسمة العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، مُنح أردوغان كل الذرائع الممكنة، اعتبارا من 2011-2012 تقريبا، للحيد عن التكتل الأوروبي.

كانت هذه الذرائع مفيدة في تقويض الأجحنة المؤيدة للاتحاد الأوروبي داخل حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان. وبالنسبة لأردوغان نفسه، كان يواجه صعوبة دائما في تحديد ما إذا كان انتقال السلطة التي يطالب بها الاتحاد الأوروبي للانضمام إليه سيكون مفيدا لحلم قيادة تركيا الذي طالما رواده بدون تحديات أو معوقات.

ما من شك أن ذلك يرجع إلى عداء الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي الصريح وتردد ميركل المستمر بشأن العضوية التركية، لكنهما وغيرهما لم يمكنهم التبنؤ بتأثير عملية الإصلاح المتقطعة في تركيا على أوروبا.

يجب على ألمانيا وفرنسا وغيرهما من الدول الغربية في الاتحاد الأوروبي مواجهة عواقب أفعالهما التي تفتقر إلى الدراسة والتروي. على تلك الدول أن تقبل الإذلال من زعيم لن يرضى عنهم أبدا حتى تتم تلبية جميع مطالبه. سيلعب بورقة السماح بتدفق اللاجئين على أوروبا ومن ثم تصدير القلاقل إلى أراضي الاتحاد الأوروبي.

إذا كان هناك ما يمكن استخلاصه من زيارة برلين، فهو أن التاريخ يعيد نفسه، وبحماقة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/eu-turkey/erdogans-visit-germany-reflects-eus-myopic-folly
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.