أوليفر رايت
مايو 16 2018

زيارة أردوغان للمملكة المتحدة تحيي رغبات تاريخية قديمة

إن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى بريطانيا هذا الأسبوع، حيث التقى بالملكة إليزابيث الثانية ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، كانت مفيدة لكلا البلدين بدرجة كبيرة.

فبالنسبة لأردوغان، قدمت الزيارة فرصة نادرة بشكل متزايد لتلميع صورته كرجل دولة عالمي بارز. وهذا أمر سيعود بأثر جيد على الجمهور في الداخل مع استعداد تركيا لتنظيم انتخابات مبكرة في 24 يونيو.

وتقدم الزيارة أيضا فرصة لتركيا لتأسيس علاقة استراتيجية جديدة مع بريطانيا، قد تمنح أنقرة هامش مناورة في وقت تجد فيه نفسها محاصرة بين الولايات المتحدة وروسيا.

وبالنسبة لماي فإن الزيارة ترتبط في الأساس بالاستثمارات في ظل محاولات بريطانيا لإيجاد مكان جديد لها بعالم ما بعد الانفصال عن الاتحاد الأوروبي. ويصل حجم التجارة بين البلدين حاليا إلى نحو 16 مليار دولار.

وزيادة هذا الرقم إلى ما يقرب من 20 مليار دولار الذي يتصوره أردوغان سيساعد في سد الفجوة الناجمة عن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

ومن بين الصفقات المنتظرة بشدة ضمن الاتفاقيات الاستثمارية المتوقعة مشروع بتكلفة 113 مليون دولار مع عملاق الصناعات الدفاعية البريطاني (بي.إيه.إي سيستمز) لتطوير طائرة مقاتلة تركية جديدة.

وفي هذه الشراكة، لا يوجد مجال كبير للمبادئ أو حتى الذاكرة. ولم تجد الملكة أي فرصة مطلقا لتقول "كفاية" خلال احتسائها الشاي مع أردوغان في القصر.

ولم تجد الحكومة كذلك أي فرصة رغم النفور الذي يشعر به زعماؤها على الأرجح تجاه الرئيس التركي، ولم تقدم سوى التزلف ببعض الكلمات تجاه تعهدات مزعومة بالترويج للديمقراطية وحقوق الإنسان في الخارج.

وقد وضعت هذه المخاوف جانبا، وتفوق عليها المال كما هو الحال دوما. ومن وجهة نظر بريطانيا فإن زيارة أردوغان هي كوضع اليد على الأنف لعدم اشتمام رائحة كريحة وإنجاز المهمة.

ومن جانبه وصف أردوغان بريطانيا بأنها "شريك استراتيجي وحليف" وأثنى على إدانتها السريعة لمحاولة الانقلاب التي شهدتها تركيا في عام 2016.

لكن بقيامه بذلك، عليه أن يتجاوز بشكل ملائم نظريات المؤامرة المتواصلة المنتشرة بوسائل الإعلام التركية الرسمية، والتي ترسم بريطانيا على أنها تتدخل دوما في الشؤون التركية، ناهيك عن قصيدة وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون الحائزة على جائزة والتي وجه فيها هجاء قاسيا لأردوغان.

وليست هذه هي المرة الأولى التي تمد فيها بريطانيا يدها لتركيا بشكل عملي في وقت عوز. 

قبل قرون، توددت ملكة بريطانيا إليزابيث الأولى إلى العثمانيين عقب قرار البابا بطردها من الكنيسة في عام 1570. وكتبت حينها رسائل إطراء إلى السلطان تمتدح فيها فضائل التجارة الحرة ووقعت على معاهدات – امتيازات أجنبية – منحت التجار الإنكليز رخصة الدخول التجاري الحر في الأراضي العثمانية.

وكانت الأسباب التي دفعتها لذلك عملية ومشابهة لتلك التي تقف وراء رغبة الحكومة البريطانية الحالية في مد البساط الأحمر لسلطان تركيا الحالي.

وفي الماضي، عندما أُبعدت إنكلترا عن التجارة مع أوروبا، عقب طرد إليزابيث الأولى من الكنيسة، كان من الضروري إيجاد أسواق جديدة، وخلق تحالفات جديدة لتقويض إسبانيا؛ القوة الأوروبية المهيمنة في ذلك الحين.

وكما هو الحال في الظروف الحالية، كان انسحاب المملكة المتحدة من التعاون مع الأوروبيين، في القرن السادس عشر، فرصة للتفاوض على اتفاقيات تجارية جديدة، وفقا لشروط بريطانيا، خاصة في ظل ما أتاحه طرد الملكة إليزابيث الأولى من الكنيسة من رفع الحرج عن الالتزام بالمحرمات البابوية بشأن التجارة مع المسلمين، وهو ما ترك إنكلترا "حرة لجني الثمار التي تعرضها أسواق الكفار".

ولذلك إذا أسفرت زيارة أردوغان عن أي صفقات استثمارية كبيرة فإنها ستوفر ذخيرة للمناصرين للانفصال البريطاني عن أوروبا الذين يجادلون بأن ترك الاتحاد الأوروبي سيتيح لبريطانيا تعزيز مكانتها في العالم. 

والمجموعة الوحيدة من الناس الذين لديهم ما يدعو للاستياء من زيارة أردوغان هم أولئك الذين يرون أن بريطانيا أساءت لنفسها باستضافة حاكم مستبد كهذا. ومن هؤلاء الذين يرفعون أصواتهم بالاعتراض ديفيد لامي عضو البرلمان عن حزب العمال المعارض.

ويمكن لهؤلاء الذين يؤيدون وجهة نظر لامي الشعور ببعض الارتياح عند النظر إلى العصر الإليزابيثي الأول. ففي الماضي، لم تتمكن العلاقات التجارية بين إنكلترا والإمبراطورية العثمانية من البقاء خاصة في ظل المسافة البعيدة بين البلدين.

ازدهرت التجارة فقط حتى وفاة إليزابيث الأولى في عام 1603. لكن خليفتها جيمس الأول سارع بتوقيع اتفاقية سلام مع إسبانيا أنهت عزلة إنكلترا داخل القارة، وأسدلت الستار على علاقة الحب التي نشأت بين إنكلترا والعثمانيين. وكانت الأسواق الأوروبية وستظل أقرب كثيرا للإنكليز.

واليوم ربما تواجه جهود إحياء هذه الروابط القديمة المصير نفسه. ويشتهر أردوغان بأنه متغير الرأي. فمن يشيد بهم اليوم سينقلب عليهم غدا في أغلب الأحيان.

وفي الوقت الذي يبدو فيه الزعماء السياسيون في بريطانيا على توافق في الرأي، فإن الحكومات تتغير، وحكومة تيريزا ماي، التي تعصف بها نزاعات داخلية وتفتقر إلى الأغلبية في البرلمان، قد تسقط قريبا.

ومن الممكن أيضا أن يعيد أي رئيس وزراء جديد تقييم العلاقة بين بريطانيا وأوروبا ويتخذ وجهة نظر مختلفة بشأن مدى ضرورة إقامة استثمارات مع أشخاص مثل أردوغان.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: 

https://ahvalnews.com/turkey-uk/erdogans-uk-visit-revives-old-desires