ألين تاشجيان
يناير 20 2018

سترغبون في مشاهدته مرة أخرى! .. "نريد المزيد" سينما المهاجرين من تركيا

(نريد المزيد) أو Daha هو فيلم رائع من إخراج (أونور صايلاك) يترك حالة من النشوة على كل من شاهده، وأصبح أثير المهرجانات في عام 2017.
يتناول فيلم (نريد المزيد) عددًا كبيرًا من الأحداث المؤثرة، بالإضافة إلى صور شديدة الواقعية يرسمها في إطار تناوله  لشخصية المُهربين الذين يحملون اللاجئين على ظهر مراكب صغيرة إلى الجزر اليونانية في بحر إيجة، والبيئة الاجتماعية التي نشأوا فيها.
يُركِّز الفيلم على عصابة تعمل على تهريب المهاجرين من الشرق الأوسط إلى اليونان بعد أن يقوموا بإخفائهم عن الأنظار فترة من الزمن داخل تركيا.
قام المخرج (أونور صايلاك) بمعالجة النص الأدبي في رواية (نريد المزيد) للعمل السينمائي؛ يجدر بالذكر أن مؤلف هذه الرواية التي تُرجمت إلى الكثير من لغات العالم، هو الأديب هاكان غونداي الذي يُعد واحدًا من أنجح الروائيين من جيل الشباب،. تناول (صايلاك) مع (جونداي) و(دوغو يشار أقال) الأحداث التي مر بها طفل في التاسعة من عمره حتى يكبر ويبلغ السادسة والعشرين.

فيلم نريد المزيد

اعتمد الفيلم على براعة المخرج (أونور صايلاك)، والمقدرة الأدبية عند (هاكان غونداي) في إبراز العمق النفسي لشخصيات الفيلم مع تشعبها واختلاف طبقاتها، والإلمام بالخلفية الإجتماعية لموضوع الفيلم.
 حقق صايلاك في هذا الفيلم درجة تميّز لا تقل  عما وصل إليه مع أقال في فيلمه القصير "في الغابة"؛ فأدرك مع المجموعة المحترفة التي عملت معه إلى مستويات مدهشة في فن التمثيل، وكتابة السيناريو، والمناظر، والمونتاج.

فيلم نريد المزيد

وكانت النتيجة أنه حصد ثمار جهده بما ناله من جوائز. فكان فيلم (نريد المزيد) هو الفيلم الذي عُرض في ليلة الإفتتاح في مهرجان (كارلوفي فاري) العالمي، وتم اختياره للعرض في مهرجان (بوسان) للأفلام، وكان الفيلم المفضل للمهرجانات القومية للأفلام، وحصد جائزة FIPRESCI في مدينة (بلد الوليد) بأسبانيا، كما حصد جائزة مشاهدة أضنه، وجائزة يلماز جوناي، وجائزة أفضل فيلم، وحصل بطل الفيلم الشاب (حياة وعد) أيضًأ على جائزة أفضل نجم صاعد، وحصد في ملاطيا على جائزة المشمشة البلورية، أما جائزة أفضل ممثل من نصيب الممثل (أحمد ممتاز طايلان)، حصل (حياة وعد)على جائزة أفضل نجم صاعد. حصد الفيلم كذلك جائزة لجنة التحكيم الخاصة في قسم الأفلام العالمية بكلا المهرجانين بالإضافة إلى جائزتي أفضل فيلم، وأفضل ممثل في المسابقة القومية في نسختها رقم 54.
يصور الفيلم بلغة السينما صورة حقيقية يتكرر حدوثها على أرض الواقع من خلال توظيف نص أدبي يتناول آلام البيئة التي نشأ فيها البطل حتى سن البلوغ، وحالة الصراع النفسي الذي عاناه مع أب أناني، شديد الحرص، ويلفت النظر إلى نظام ذكوري نراه حولنا في العالم يستغل حالة العجز لدى اللاجئين، بالإضافة إلى ظاهرة العنف التي انتشرت في المجتمع خاصة العنف الموجَّه ضد المرأة والطفل.

فيلم نريد المزيد

نجحت أسرة الفيلم كذلك من خلال (فضا شلديران) في تقديم صورة مهنية جذابة، ومونتاج متوازن استطاع أن يُخرِج التوتر الموجود في الرواية من خلال مشهد تمثيلي من خلال (علي أغا)، كما وُفِّقت أسرة الفيلم في اختيار مكان ملائم تمامًا للأحداث، والشخصيات على حدٍ سواء من ناحية اختيار إطلالة على البحر، ومنازل بعيدة عن العيون، ومستودع السيارات الذي اختبأ فيه اللاجئون، وبرعت (ديلَك، وأيقوت أيازتونا) في تصميم الملابس الخاصة بالطفل غزا. أما بالنسبة لأداء الممثلين فكان مدهشا بحق.
وجد الممثل أحمد ممتاز طايلان أدواره في مهنة التمثيل بتجسيده شخصية أحاد (Ahad) وهو الذي عُرف بأدواره المميزة على المسرح؛ وتعني كلمة أحاد الوجود الفريد المكتمل في ذاته، وعندما يُقرأ هذا الإسم بالعكس نجد أنه هو نفسه اسم الفيلم (Daha).

فيلم نريد المزيد

وبكل ما أوتي من قوة تمكن من تجسيد غضب (أحاد)، ونقاط ضعفه، بل وعكس على الشاشة حياته متوشحًا في ذلك بالشر والخبث وكأنه ينتقم من الدنيا.
حاول الممثل (حياة فان أجك )على الرغم من حداثة سنه أن يتناول ما عاناه (غزا)، وهو اسم يعني "خاض المعارك نصرةً للدين"، من أزمات خلال فترة المراهقة؛ من صدامه مع والده من ناحية، وما يجول بداخله من تناقضات سببها أنه لم يجد القدوة التي يحتذي بها من ناحية أخرى على الرغم من وجود الرغبة لديه في أن يحيا حياة شريفة. يجسد كذلك مشاهد العنف التي شهدها (غزا) وهو الذي تعرض للعنف أيضا، ليكبح في النهاية حالة التمرد تلك، ويفقد التوازن تمامًا في مشهد تدمع له العيون.
كان من الممكن (لغزا) أن يصبح طالبًا صالحًا، ويعيش حياةً سوية، فقد استطاع في طفولته أن يجتاز الإختبار بتشجيع من معلمه، عندما قُبِل في مدرسة جيدة في اسطنبول، جاء (أحاد) غاضبًا، وضربه بقسوة.
يمدنا المؤلف ببعض التفاصيل المأساوية عن حجم المعاناة التي عاشها من حرمان في طفولته وفقدانه لأمه...
يحكي أنه قام بدور الأب والأم معًا. أما (أحاد) فنقل ابنه إلى حياة الفحش والضلال بدلا من أن يقوم بواجب الأب الذي عهدناها. ولكن (غزا) لم يفقد براءته بعد، فنجده يتخلى عن حياته تلك وهو ينتقل إلى مصاف الرجال.
ولكنه يجد أن كل الرجال المحيطين به، وإن اختلفت أشكالهم، فهم منحلين...رأى (غزا) صورة الأم والحبيبة معًا في (فيليز)، تلك اللاجئة التي فرَّت بطفلها.. ولكن سرعان ما انهار حلم الأم وطفلها في الحرية على الطريق المأسوي الذي أخذها إليه (غزا) و(أحاد)...

 

تحكي أحداث فيلم (نريد المزيد) بشكل تتأثر له النفوس كيف بدأت أهداف (غزا) في الحياة تتلاشى بالتدريج مع ما  مر به من أحداث، وما شهده من عنف. تصور أحداث الفيلم كذلك كيف توقف فجأة في طريقه هذا ليُخفّف عن نفسه وطئة آلام التمرد التي عبر عنها، تحكي لنا كذلك كيف أن أبيه الذي انتقم منه، وأهانه كان وراء هذا كله.
وعندما تعقدت الأمور بشكل عجز معه (غزا) عن أن يجد هويته، وشخصيته الخاصة، وأن يتخلص من عذاب الضمير الذي يطارده،  نجده يثور على اللاجئين، على كل من هو أصغر منه في هذه اللعبة الكونية.
بدأ (غزا) يتصرف مثل (أحاد) بنفس الحقد الذي شعر به تجاه أبيه. أدركتُ حينها أن (غزا) ابن الخامسة عشر، لم يكن يافعًأ بالدرجة التي يمكنه بها أن يميِّز بشكل دقيق بين الصواب والخطأ عندما بدأ يسد آذانه أمام توسلات اللاجئين التعساء الذين لم يفهم لغتهم من قبل...
يتناول فيلم (نريد المزيد) قضايا الاستغلال، والانهيار الأخلاقي، والطمع الذي لا يمت للإنسانية بصلة.
يعرض أمامنا صورة الإنتهازيين الذين استغلوا حالة اليأس لدى اللاجئين بشكل لا يعرف الرحمة.
لا يمكننا أن نتحمل وضع اللاجئين الذين يعيشون في وسط هذ الجحيم تحت صفحة سماء تشبة الجنة، تطل على منظر يبعث على الراحة والطمأنينة، ويعطي الإحساس بأن البحر على اتساعه، والجزر المتناثرة فوقه قد بُسطت جميعًأ تحت أقدامنا، يحصون نجومها في ليل دامس الظلمة، لا يمكننا أن نتحمل أن يتعرضوا للحبس في قبو تحت الأرض أو يتعرضوا للأسر نصفهم جوعى، والنصف الآخر ممتلئ البطون، أو يمارس أحد ضدهم العنف.
لم يتوانَ الفيلم على عرض هذه الأمور التي حُفرت في ذهن المُشاهد مع صور جذابة تأسر المشاهد. لقد ترك فيلم (نريد المزيد) تأثير المُخدِّر على المُشاهد بمَشاهد من قبيل نظرات (غزا) بما فيها نظرته في المرآة بعد أن تعرَّض للضرب، والهلاوس التي كان يراها بسبب عذاب ضميره، ونوبات الغضب التي انتابت (أحاد).
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: