ذو الفقار دوغان
فبراير 27 2018

سعيا لتعويض خسائرها.. تركيا تحول أنظارها إلى أفريقيا

يبدأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان زيارة مدتها أربعة أيام لأفريقيا لهدفين في الأساس. الأول هو بناء شراكات تجارية بديلة تمكنه من تعويض الخسائر التي تكبدها القطاع التجاري التركي في الشرق الأوسط، والثاني هو محاولة إقناع الدول الأفريقية بإغلاق المدارس التي تديرها مؤسسة الداعية التركي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة، أو أضعف الإيمان تسليمها إلى الحكومة التركية.
وقال المتحدث باسم أردوغان إبراهيم كالين، قبل انطلاق الرئيس التركي في جولته الأفريقية التي تشمل الجزائر وموريتانيا والسنغال ومالي: "أردوغان هو أكثر زعماء العالم زيارة إلى القارة الأفريقية"، في إشارة إلى أن زيارات أردوغان ستكون قد شملت 32 دولة من أصل 54 بلدا أفريقيا في القارة بنهاية الجولة.
وستكون هذه الجولة امتدادا لجهود حثيثة تبذلها تركيا لتوسيع وجودها الاقتصادي في أفريقيا منذ أن اعتمدت ما أطلقت عليه "خطة التوسع في أفريقيا" عام 1998. وفي إطار هذه الخطة، انضمت تركيا إلى عضوية البنك الأفريقي للتنمية عام 2013 واحتضنت قمتين للتعاون بحضور قادة الدول الأفريقية بهدف تعزيز التجارة، وستستضيف الثالثة العام القادم.
واكتسبت خطط توسيع الأعمال التجارية مع أفريقيا أهمية متزايدة لأنقرة بسبب الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها تركيا جراء الصراعات أو النزاعات السياسية مع العراق وسوريا وليبيا ومصر على وجه الخصوص، وكذلك مع دول الخليج وشمال أفريقيا.
ونجحت جهود تركيا في ارتفاع إجمالي حجم التجارة بينها وبين أفريقيا من 5.4 مليار دولار في عام 2003 إلى 16.7 مليار دولار في عام 2016 وإلى ما يقرب من 20 مليار دولار في نهاية عام 2017. وشكلت الصادرات نحو 13 مليار دولار، فيما مثلت قيمة الواردات القادمة إلى تركيا المبلغ المتبقي البالغ 7 مليارات دولار. وفي المقابل، تعاني تركيا عجزا تجاريا مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا والصين. ومع ذلك فإن صادراتها إلى أفريقيا لا تشكل حتى 10٪ من إجمالي صادراتها البالغة قيمتها 157 مليار دولار.
ووفقا لأرقام مجلس المصدرين الأتراك، استحوذت الجزائر، وهي المحطة الأولى في جولة أردوغان، على خمسة ملايين دولار من حجم تجارة الصادرات التركية في يناير، مقارنة بمبلغ قدره 324 ألف دولار لموريتانيا و80 ألف دولار لمالي و855 ألف دولار للسنغال.
وفى أغسطس من العام الماضي، قررت الجزائر وقف استيراد المنسوجات والمواد الغذائية وبعض المنتجات البلاستيكية من تركيا، وسيسعى أردوغان بكل تأكيد إلى حل هذه المشكلة أولا. لكن العلاقات الدبلوماسية التركية مع دول شمال أفريقيا - التي لا يزال لمصر تأثير عليها مثل ليبيا وتونس والجزائر - ليست في أفضل حالاتها بسبب دعم أردوغان للرئيس المخلوع محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر وللمتمردين الإسلاميين في ليبيا.
الأولوية الأخرى لأردوغان في أفريقيا هو ملف مئات المدارس التي تديرها حركة غولن في جميع أنحاء القارة. وتلقي الحكومة التركية باللوم على هذه الحركة في التخطيط لمحاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.
ويهدف أردوغان، عبر تنظيم جولات منتظمة كل بضعة أشهر تشمل ثلاثة أو أربعة بلدان أفريقية، إلى محو كل ما يتعلق بما تسميه تركيا "منظمة فتح الله الإرهابية" من النظام التعليمي، وكذلك من العلاقات الدبلوماسية والسياسية، والقطاعات الاقتصادية والتجارية لتلك الدول.
كان الاتحاد التركي لرجال الأعمال والصناعيين (توسكون)، وهي مجموعة تجارية تابعة لغولن مؤلفة من 120 ألف شركة، يعمل بنشاط ملحوظ في أفريقيا حتى محاولة الانقلاب عام 2016 واستخدم بعض الأرباح للمساعدة في بناء مدارس غولن.
وأحد أهم مطالب أردوغان في هذه الجولة هو إغلاق المدارس التابعة لغولن أو تسليمها إلى المؤسسة التعليمية التي تديرها الدولة، وهي مؤسسة "معارف". وحتى الآن، وافقت 11 مدرسة فقط من أصل 113 مدرسة على هذه التغييرات الإدارية. وبعد زيارة أردوغان إلى السنغال وموريتانيا وتشاد والجابون وبوركينا فاسو وسان تومي والصومال وغينيا والنيجر، وافقت تلك البلدان أيضا على طلبه بتسليم المدارس إلى معارف. وخارج حدود القارة الأفريقية، وافقت باكستان وأفغانستان على نفس الطلب.
وعندما تم تشكيل مجلس أمناء مؤسسة معارف في بادئ الأمر قبل عامين، استغل أردوغان خطابه بهذه المناسبة لتوجيه تعليمات محددة، قائلا "إذا قالت منظمة فتح الله الإرهابية إننا متواجدون في 170 دولة، عليكم أنتم أن تتواجدوا في جميع الدول الـ193 الأعضاء في الأمم المتحدة ".
وقال البروفيسور بيرول أكغون، رئيس مجلس الأمناء: "هذه المؤسسة تتمتع بسلطة الشعب ودعم الدولة. سوف ننتشر في دول العالم مثل الدراويش والمغامرين."
وتهدف مؤسسة معارف إلى فتح مدارس في 20 دولة كل عام والاستحواذ على المدارس القائمة لحركة غولن واستبدال جميع أفراد هيئة التدريس فيها. بالإضافة إلى ذلك، تتطلع تركيا إلى بسط قوتها الاقتصادية والثقافية عبر ذراعين مهمين للحكومة، وهما وكالة التعاون والتنمية التركية (تيكا) التي تدعم الاستثمار الاقتصادي ومشاريع المساعدات الخارجية، ومعهد يونس أمرة الذي أنشئ حديثا لدعم الأنشطة الثقافية والتعليمية والفنية. 
وبالفعل، افتتحت تيكا مكاتب في 11 بلدا في الوقت الذي أسس فيه معهد يونس أمرة مراكز ثقافية في ستة بلدان. وجنبا إلى جنب مع هاتين المؤسستين، كثف وقف الديانة التركي التابع لرئاسة الشؤون الدينية الحكومية حضوره وأنشطته في أفريقيا.
وإلى جانب توسعها الاقتصادي في أفريقيا، عززت تركيا أيضا من وجودها العسكري في القارة، ففتحت قاعدة عسكرية في الصومال ووقعت اتفاقية لترميم ميناء بحري في السودان وتوصلت إلى اتفاق لفتح قاعدة بحرية جديدة في جيبوتي. وبفضل اتفاقها للتعاون العسكري مع قطر وخططها لتوسيع قاعدتها هناك، سيكون لتركيا وجود عسكري ثابت في مثلث البحر الأحمر-المحيط الهندي -الخليج.
وبما أن النزاعات السياسية مع جيرانها في منطقة الشرق الأوسط أضرت بالتجارة وأصبحت العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي أمرا بعيد المنال، لا يبقى سوى معرفة ما إذا كانت تركيا ستتمكن من تعويض خسائرها من خلال فتح أسواق جديدة في أفريقيا.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: