Elif Yalaz
يوليو 17 2018

سكان إسطنبول القدامى: الألمان العائدون إلى بلادهم

تركيا وألمانيا دولتان يجمع بينهما "تحالف صداقة"، بالإضافة إلى ما لهاتين الدولتين من ثقل سياسي في المنطقة، امتد منذ عام 1930 حتى يومنا الحاضر..

صارت تركيا مؤخراً مثل بيت أوصد بابه بإحكام خلف كل من هاجروا إلى ألمانيا. حسناً، ولكن ماذا عن الألمان الذين عاشوا في تركيا لسنوات، ويريدون العودة مرة أخرى إلى بلدهم ألمانيا؟ أية صورة تركتها تركيا في أذهان هؤلاء، وهم يغادرون في طريق عودتهم إلى بلدهم؟

تحدثنا إلى اثنين من الألمان، قررا العودة إلى بلدهما ألمانيا، بعد فترة قضياها في تركيا، وسألناهما عن العلاقات بين تركيا وألمانيا، والتمازج بين الثقافتين، وانطباعهما عن الحياة في تركيا.. طلب هذان الشخصان عدم ذكر اسميهما؛ لأنهما يرغبان في العودة إلى إسطنبول مرة أخرى.. 

وكان نص الحوار كالتالي:

سؤال: ماذا تمثل لكما إسطنبول...؟

م: الحزن... يوجد في وجوه الناس هناك حزن غريب...
س: إسطنبول بالنسبة إليَّ هي أغرب مختبر في العالم...

سؤال: دعوني أبدأ حواري معكما بالسؤال "لماذا تركيا؟"

م: زار كل واحد منا كافة دول أوروبا أثناء الدراسة في الجامعة، ولكني كنت مهتماً بتركيا بشكل خاص. بالإضافة إلى أنني اندمجت كثيراً مع الأتراك الموجودين في ألمانيا خلال تلك الفترة. تعلقت كثيراً بتركيا وبالأتراك. من أجل هذا، أردت أن أُكوِّن فكرة عن هذا البلد بنفسي. 

س: نبعت فكرة قدومي إلى تركيا من شغف قديم لديّ بهذا البلد. رأيت أننا مختلفون كثيراً، من الناحية الثقافية، عن صورة تركيا التي ترسمها وسائل الإعلام. لم أكن أثق بهذا كثيراً؛ فلكل منا تاريخ عريق؛ امتد حتى العصر اليوناني القديم على مساحة جغرافية مشتركة.. السبب الثاني، أن ألمانيا بها عدد كبير من الأتراك، وهو ما يجعل موضوعات مثل التكامل والهجرة وكافة الموضوعات الاجتماعية-السياسية المهمة لا تناقش في ألمانيا بمعزل عن تركيا والأتراك. من هنا كان اهتمامي بالمجيء إلى تركيا.

سؤال: كيف كان شكل علاقتكما مع المواطنين الأتراك خلال فترة بقائكما في إسطنبول؟

س: مما لا شك فيه أن فترة بقائنا في إسطنبول شهدت حالة فريدة من التفاعل الثقافي مع الأتراك. ولا أذيع سراً إذا قلت إن هذا التفاعل الثقافي موجود بالفعل منذ فترة طويلة بين الألمان والأتراك المقيمين في ألمانيا. نعم نحن مختلفون، ومع هذا فالاختلاف طبيعة البشر. وللأسف استغل البعض في الدولتين هذا الأمر، وراحوا يروجون لفكرة "إننا لسنا على توافق"، ونعلم جميعاً أن أفكار كهذه كانت توظَّف سياسيًا. وهذا ما جعلنا نعاني في كثير من الأحيان؛ فكل طرف يحرِّض ضد الطرف الآخر. ولا نستبعد أن يؤدي هذا الوضع إلى التباعد الحاصل بينهما على المستويين؛ السياسي والثقافي. ومع هذا، فما زلت مقتنعاً أن الأجيال والعقول الجديدة بإمكانها تغيير هذا الواقع.

م: في الحقيقة تركيا بلد منفتح على الأجانب؛ بلد مضياف. أشعر بالسعادة في وجوه الناس عندما يسمعونني أتحدث اللغة التركية، على عكس الألمان عندنا الذين يستقبلون الذين لا يتحدثون الألمانية بشكل جيد ببرود. أشعر هنا بحرية أكثر كأجنبي، وإن كان من الصعب قياس هذا الأمر بشكل دقيق. وعلى صعيد آخر، فقد رأيت في تركيا نزعة العرقية بشكل أكبر. لم أتعرض لموقف كهذا، ولكني لاحظت أن الأتراك ذوو طباع حادة مع أبناء جلدتهم. 

سؤال: هل يمكن القول إن التوترات السياسية الموجودة في تركيا في الوقت الراهن قد انعكست على سلوك المواطنين كذلك؟

م: بالطبع. فتركيا تمر في الوقت الراهن بوضع سياسي صعب..

سؤال: هناك من يقول إن الحكومة الحالية لم يعد لديها جديد تقدمه للمستقبل. ما رأيكما في هذا الطرح؟

م: بالطبع. فقد رأينا حكومة حزب العدالة والتنمية تقدم وعوداً خلال فترة الانتخابات، بعد ستة عشر عاماً قضتها في الحكم، أنها ستعطي العلويين حقوقهم. وعلى الجانب الآخر، لم تكن المعارضة على المستوى المنشود. أعتقد أن الحوار هو السبيل لخروج تركيا من أزمتها، وإلا سيستمر هذا النزاع.

س: أعتقد أن القائمين على الحكم في تركيا يتوهمون أنه لا يوجد أحد يعرف التركية خارج حدود تركيا؛ فعلى سبيل المثال، أدلى مراسل الاتحاد الإسلامي التركي خلال فترة الانتخابات بتصريحين متناقضين إلى صحف تركية وألمانية؛ ذكر خلالهما أشياء تتناقض مع بعضها تماماً. أراد من خلال هذه التصريحات أن يعطي صورة مغايرة للوضع. لم يدرك هذا المراسل أننا صرنا نعيش في قرية صغيرة، وأن هناك الكثيرين الذين يجيدون التركية خارج تركيا. أعتقد أن هراء كهذا إنما يدل على إفلاس في السياسة التركية..

سؤال: تخيم حالة من الركود غير المعهود في العلاقات بين تركيا وألمانيا. رأينا هذا خلال الانتخابات الأخيرة. هل تؤيدان الرأي القائل إن السياسة الخارجية لا يمكن أن تصير أداة في يد السياسة الداخلية؟ 

م: ألمانيا شريك تجاري مهم للغاية بالنسبة لتركيا. تعرضت ألمانيا قبل عامين لضغوط كبيرة بشأن اتفاق اللاجئين. كان أردوغان في موقف قوي حينها، ولكن الوضع الاقتصادي لتركيا تغير كثيراً الآن؛ إذ أصبحت تركيا اليوم تعاني من نظام تمويلي هش. لهذا السبب، لم يعد من المناسب أن يبادر حاكمها بالصدام مع أوروبا؛ فهم بحاجة ماسة إلى المستثمرين الأوروبيين. ربما لم ينتبهوا إلى هذا الأمر...

س: أعتقد أنهم باتوا يدركون جيداً ضرورة أن يتصرفوا بشيء من الحكمة، وأن يتخلوا تماماً عن سلوكهم الماضي.

سؤال: هل لمستما غياباً للثقة في تركيا خلال وجودكما هناك؟

م: نعم هناك بالفعل غياب للثقة في الوقت الراهن، ولكن لا أعرف هل يمكن عودتها أم لا. يبدو أن الشعب والسياسيين كثيري النسيان هنا.. فقد كانت تركيا مصدر مشكلات لألمانيا قبل مجيء أردوغان، ومع هذا فكان لها بريقها، وكنا نثق بها. أعتقد أننا قد نشعر بهذا البريق في يوم من الأيام...

س: يرتبط الاقتصاد التركي بالخارج. من أجل هذا، حدثت فجوة بين الصادرات والواردات. من ناحية أخرى، يعتمد القطاع الخاص على القروض؛ حتى بلغت ديونه حداً لا يصدق. وفي القريب العاجل ستشهد البنوك التركية أزمة هي الأخرى، وستلجأ إلى الاستدانة من البنوك الأوروبية.. أضف إلى هذا أن "المشروعات العملاقة" التي يتحدثون عنها تعتمد في الأساس على الدولار، وهو الأمر الذي سيقف حجر عثرة أمام الحكومة التركية، خاصة مع تضاؤل الثقة في أردوغان.

سؤال: حسناً، ولكن هل من حل لهذه الأزمة؟

م: يتعين على الحكومة أن تقوم بإصلاحات هيكلية من أجل تدعيم النظام الاقتصادي والاجتماعي في البلاد..

س: يتعين عليهم أن يغيروا من أسلوبهم ولهجة حديثهم. كانت تركيا، بلغة التجارة، مجرد شريك صغير لألمانيا. من حق تركيا أن تسعى للخروج من هذا الخلل الكبير، وأن تستعيد ثقتها بوصفها قوة إقليمية. هذا حق تركيا. ومع هذا، فلا يمكن لتركيا أن تتعامل مع الآخرين بهذا الشكل، إلا إذا كانت في موقف قوي. لقد ساءت علاقاتها بكل جيرانها تقريباً.. نعلم جميعاً أن تركيا تنحدر إلى الأسفل في عدد كبير من الموضوعات وفق المعايير العالمية. من هذه الموضوعات حرية التعبير والعدل.. تستطيع أن تكون قائداً ولكن ليس بالكلام...

سؤال: كيف يتأتى ذلك؟

س: باستعادة الثقة..

سؤال: هل كان ضعف الثقة سبباً في عودتكما إلى ألمانيا مرة أخرى؟

م: فكرت كثيراً في العيش في تركيا، ولكني وجدت أن الأحوال الاقتصادية هنا صعبة للغاية، وقد تبع ذلك تعقد الوضع السياسي كذلك. ربما أعود إلى هناك يوماً ما عندما يتغير الوضع السياسي هناك، وودت كثيراً أن أقضي سنوات شيخوختي على ساحل البحر الأسود. 

س: بدأ أصدقائي هناك يشعرون باليأس. أما الاقتصاد، فقد تعثر هو الآخر. أعتقد أن الموضوع برمته ينحصر في ضياع الثقة والأمن. اتخذت قراراً في عام 2016 بتأسيس شركة ليّ هنا. كنت أعرف أنني سأتمكن من العمل في تركيا بشكل جيد لإلمامي الكامل بنظام العمل هناك. أما الآن، فلم يعد الأمر كما مضى، ولم يعد نظام الاستثمار مستقراً هناك..

سؤال: بماذا شعرتما وأنتما تغادران تركيا؟

س: مكثت في تركيا 12 عاماً، استمتعت خلالها بأوقات رائعة.. أحببت الناس هناك كثيراً، وإن كنت قد لاحظت مؤخراً وجود حالة من الاستقطاب بدأت تستشري بين أبناء الوطن الواحد.. سألت نفسي بعد العودة "ماذا فعلت هناك؟"، "لماذا ذهبت؟"...ووجدت نفسي أجيب مازحاً: حصلت على خبرة، وعشت تجربة هجرة عكسية مدتها 12 عاماً..

سؤال: هل وجدتما صعوبة في التأقلم مجدداً على نمط الحياة في ألمانيا بعد عودتكما؟

م: أفهم كثيراً طبيعة الألمان، وأحب كثيراً الحياة في ألمانيا. ومع هذا، فأشعر بالحنين إلى تركيا، وعلى وجه الخصوص الحنين إلى إسطنبول.. ومع هذا، فعندما أذهب إلى هناك، وأتطلع إلى الوضع الفوضوي هناك، أجد نفسي أتوق مجدداً إلى العودة إلى ألمانيا. أعتقد أنني سأعيش في يوم ما مثل الألمان؛ سواء كنت هنا أو ذهبت إلى تركيا. من الصعب عليّ أن أظل في مكان واحد بعد الآن..

(وجدت نفسي فجأة أمام السؤال نفسه)

"تركيا أم برلين"؟

الحديقة الخلفية لإسطنبول؛ تلك التي التقينا فيها جميعًا..
 

يمكن قراءة الحوار باللغة التركية أيضاً: