سليماني في فخ إسرائيل.. كيف تتجنب تركيا نفس المصير؟

في وقت سابق من العام، وجد رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي اللفتنانت جنرال غادي أيزنكوت نفسه في مواجهة تهديد جديد ومتنام، إذ قامت القوات الإيرانية بتوسيع نطاق وجودها الميداني في سوريا وتوفير غطاء جوي لقواتها البرية عبر إرسال طائرات بدون طيار وصواريخ أرض-جو وصواريخ يصل مداها إلى مرتفعات الجولان.
وهذه التعزيزات لم تأت من صفوف الجيش الإيراني النظامي، بل بالأحرى جاءت تحت إشراف قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني، الذي يتولى أيضا قيادة وحدات حزب الله اللبنانية في سوريا، فضلا عن مجموعة متنوعة من الميليشيات الشيعية الأخرى هناك. وكل هؤلاء جاؤوا لمساعدة نظام بشار الأسد في هزيمة أعدائه، سواء كانوا فصائل المعارضة المختلفة أو تنظيم الدولة الإسلامية.
ومع ذلك، كان لسليماني أيضا دوافع خفية وراء مثل هذا التدخل في سوريا، وأبرزها هو استخدام الأراضي السورية كمنصة لإطلاق هجمات مستقبلية ضد إسرائيل. وينظر إلى سليماني على نطاق واسع باعتباره صاحب مواقف متشددة ومنافسا قويا للرئيس حسن روحاني على النفوذ في طهران.
وهذه التطورات تشكل بالطبع تحولا كبيرا عن تلك الأيام الغابرة التي شهدت تعاونا وثيقا بين تركيا وإيران وإسرائيل ضد الدول العربية، بما فيها سوريا. ففي أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، قام ضباط من الجيش الإسرائيلي بزيارة سرية لأنقرة لرسم خطة تتعلق بهجوم مزدوج من جهتين ضد سوريا التي كانت معادية للطرفين حينئذ. لكن هذه الخطط بقيت حبرا على ورق في أعقاب الانقلاب العسكري الذي وقع عام 1960 ضد حكومة عدنان مندريس. والآن، في ظل حكم الرئيس طيب رجب أردوغان، يعد هذا التوافق الثنائي أو الثلاثي ضد عدو مشترك أمرا لا يمكن تصوره، ولو حتى افتراضيا.
وبعد أن كانت إسرائيل حليفة قوية لنظام الشاه محمد رضا بهلوي، تحولت إيران إلى عدوتها اللدود بعد أن أطاحت الثورة الإسلامية بقيادة آية الله الخميني بنظام الشاه. وعملت طهران بعدها على تطوير صواريخ باليستية بعيدة المدى وتطوير برنامج للأسلحة النووية ومساعدة المنظمات المناوئة لإسرائيل في بلاد الشام، مثل حزب الله وحماس وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية.
وحتى الآن لم يتضح إذا ما كانت منظومة الدفاع الإسرائيلية المضادة للصواريخ الباليسيتية، والمدعومة بنظم أميركية، قادرة على اعتراض صواريخ (شهاب) الإيرانية التي يمكنها حمل رؤوس حربية تقليدية.
وكانت المشكلة النووية، على الأقل حتى الآن، قد خرجت من قائمة التهديدات الوشيكة التي تؤرق مضاجع أيزنكوت بفضل الاتفاق النووي الذي أبرم عام 2015 بين إيران والقوى الكبرى، وهو الاتفاق الذي نزع فتيل التهديد النووي الإيراني لمدة عشر سنوات وأعطى الجيش الإسرائيلي، وللمرة الأولى منذ سنوات عديدة، فرصة لبلورة عملية تخطيط ثابتة ووضع الميزانيات والبرامج التدريبية اللازمة للتعامل مع هذا التهديد المحتمل مستقبلا. وحتى بعد انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق، ظل الجيش الإسرائيلي على مبعدة من الهواية المفضلة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ألا وهي تصوير إيران باعتبارها تهديدا نوويا ملحا يجب التعامل معه بأقصى سرعة.
لكن المغامرة السورية لسليماني من شأنها تغيير هذه المعادلة. فمنذ اتفاقات الهدنة التي أبرمتها إسرائيل عام 1949 مع جيرانها مصر والأردن وسوريا ولبنان، كانت لدى إسرائيل مشكلة خاصة مع القوى الإقليمية التي لا تتشارك حدودا معها أو التي تشكل مواقعها العسكرية ما يسمى بأهداف "الدائرة الثالثة" بحد تعبير المصطلحات العسكرية الإسرائيلية. (الدائرة الثانية هي أجزاء بعيدة من الدول المجاورة، مثل مناطق أعالي النيل أو الصحراء في أقصى الشرق السوري).
وأفضل مثال على هذا الصداع الاستراتيجي الذي دوما ما يواجه خبراء الدفاع الإسرائيليين هو العراق، الذي جرت العادة أن ينظر إليه باعتباره ثاني أكبر قوة عسكرية عربية بعد مصر. وكان العراق طرفا في حرب 1948 ضد إسرائيل لكنه رفض التوقيع على اتفاقية الهدنة معها. كما أرسلت بعدها بغداد قوات لقتال إسرائيل مرة أخرى في الحروب اللاحقة، وهو ما دفع إسرائيل، بمباركة من الشاه، لمساعدة قوات البيشمركة الكردية التي كانت تقاتل قوات بغداد على الحدود العراقية الإيرانية. وفي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، كان أحد مبادئ العقيدة الدفاعية الإسرائيلية هو رفض السماح بوجود عسكري عراقي في الأردن.
والآن بعد أن حلت إيران في سوريا محل العراق في الأردن، سارع الجيش الإسرائيلي إلى التحرك قبل أن يفرض عليها واقع جديد على الأرض. ووضع أيزنكوت نصب عينيه القضاء بشكل كامل على القدرات الهجومية لفيلق القدس في سوريا باعتباره هدفا استراتيجيا لا يمكن الحياد عنه. بالإضافة إلى ذلك، طالبت إسرائيل بأن يبقى الإيرانيون والجماعات التابعة لها بعيدا عن مرتفعات الجولان – لمسافة عشرات الأميال على الأقل، وذلك بعد أن أدركت إسرائيل أن طلبها بأن تعيد طهران قواتها إلى أرض الوطن على الفور هو مطلب غير قابل للتنفيذ.
وفي إشارة إلى حرب الدهاء القائمة حاليا بين إسرائيل وإيران، أطلقت وسائل الإعلام الإسرائيلية على خطة أيزنكوت ضد سليماني اسم "كش مات"، وهي الوضعية التي بإعلانها يدرك الطرف الخاسر هزيمته بشكل كامل في لعبة الشطرنج الاستراتيجية التي عرف عن الفرس إتقانها قديما.
وبموجب هذه الخطة، رسم الجيش الإسرائيلي للإيرانيين فخا لا باب للهرب منه. ففي أوائل شهر فبراير، أطلقت طائرة بدون طيار تابعة لفيلق القدس من قاعدة جوية سورية تضم مجمعا خاصا للقوات الإيرانية في مهمة سرية لا تزال تفاصيلها طي الكتمان في إسرائيل.
ولم يكن من المفترض أن يتم الكشف عن هذه الطلعة، لكن الجيش الإسرائيلي كان للطائرة بالمرصاد واعترضها قبل أن يشن هجوما جويا على القاعدة التي انطلقت منها الطائرة ومعها الأنظمة المضادة للطائرات، سواء الإيرانية أو السورية، التي تحميها. 
وعندما أسقط صاروخ سوري مقاتلة إسرائيلية من طراز (إف-16)، تم توسيع نطاق الهجوم الإسرائيلي. وتوقعت إسرائيل من طهران رد فعل انتقاميا نظرا لتكبد القوات الإيرانية خسائر بشرية ومعنوية، ولم يخيب الإيرانيون بالفعل ظن إسرائيل، حيث أطلقوا عشرات الصواريخ على أهداف إسرائيلية في الجولان، ولم ينجح أي منها في إصابة أهدافها. ومرة أخرى، شنت إسرائيل هجوما مضادا وتمكنت من تدمير أهداف إيرانية وسورية.
وكان لشبح التصعيد نحو حرب إسرائيلية-إيرانية شاملة في سوريا الأثر المنشود على روسيا. فالفكرة كانت برمتها تدور حول جعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعي أن سليماني يهدد بإخلال التوازن الذي بذلت روسيا جهدا مضنيا لإرسائه في المنطقة على مدى السنوات الثلاث الماضية (كان الإيرانيون وحزب الله لاعبين مهمين دون شك في هذا الإطار، ومن دونهما ربما لم يكن الأسد ليظل في السلطة على الأرجح، لكنهما الآن يسعيان للتوسع، وبالطبع فإن موسكو لا تؤمن بالبكاء على اللبن المسكوب). ولذلك، أدركت روسيا أنه إذا كان للأسد أن يبقى على رأس السلطة في سوريا ما بعد الحرب، فعلى فيلق القدس أن يرحل.
ونظراً لأهمية "حفظ ماء الوجه" في هذه المنطقة والحفاظ على التوازن بين القوى الأجنبية المختلفة الموجودة في سوريا بموافقة دمشق شكليا، قد يتم السماح بوجود رمزي للقوات الإيرانية التي لا تشكل تهديدا لإسرائيل، وذلك لكي تتمكن طهران من إنكار أن جميع قواتها قد طردت من سوريا.
ويمكن أن يكون هذا التفاهم أيضا بمثابة غطاء لوجود القوة التركية المتبقية إلى الجنوب من الحدود السورية-التركية، وذلك بموجب اتفاق بين بوتين وأردوغان وموافقة على مضض من جانب الأسد.
ويبدو أن الحظ لازم أيزنكوت في العثور على ورقة الضغط المثالية لملاعبة منافسه وربما إجباره على الخضوع. فالظروف جميعها كانت تصب في صالحه على ما يبدو، وكما قال مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع المستوى فإن طرد سليماني من سوريا كان يشكل هدفا مشتركا نادرا لكل من بوتين والأسد وترامب ونتنياهو وروحاني. ولم يكن على أيزنكوت سوى القيام بالخطوة الأخيرة "كش مات!".


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/middle-east/iran-beaten-its-own-game