سياسات حزب العدالة والتنمية وراء نفور الشباب من الدين

لا يزال التقرير الذي أعدته شركة "كوندا للأبحاث" عن التغيير المجتمعي في تركيا، خلال  السنوات العشر الأخيرة، يثير الجدل بين الأوساط كافة؛ إذ يشير التقرير إلى ارتفاع أعداد الملحدين في تركيا خلال هذه الفترة، في مقابل المتدينين الذين انخفضت أعدادهم، مقارنة بالفترة السابقة لها. ووفق التقرير، فقد ارتفعت نسبة الإلحاد في تركيا من 1% إلى 3%، في حين انخفضت أعداد المتدينين من 55% إلى 51%.

تَحدّث موقع "أحوال تركية" حول هذا الموضوع مع عدد من رجال الدين والملحدين والمثقفين، الذين أكدوا عدم اندهاشهم من النتيجة التي أعلن عنها التقرير، وجاء الحوار على النحو التالي:

استهلت الرئيسة السابقة لجمعية الإلحاد السيدة زهرة بالا حديثها معنا بقولها: 

"كان لزيادة الضغوط والقمع، الذي يتعرض له المواطنون الآن، الأثر في إثارة نقاشات مجتمعية حول "ماهية الإسلام الحقيقية". غالبية الناس يولدون مسلمين بالفطرة، ولكنهم لا يقرؤون الكتاب الذي يؤمنون به، ولا يعرفون شيئًا عما جاء فيه، ولكن عندما ينظرون إلى الآيات، يرون الجانب الحقيقي من وجهة نظرهم، سواء أكان بالاستمرار في الإسلام أم بالتحول عنه".  

تؤكد بالا أن اهتمام الحكومة مؤخراً بالتفاعل مع ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وما يتم طرحه من نقاشات، كان نابعًا، في الأساس، من إدراكها لأهمية هذه المنصات الإعلامية، وتضيف "بدأت الحكومة التركية في حجب أعداد كبيرة من المواقع على شبكة الإنترنت. نلاحظ أن الحكومة الحالية لا تبدي احترامها إلا للمتدينين فقط، وما دون ذلك فهم لا يحظون بأي احترام. ومن الملاحظ كذلك أن ردود الأفعال لا تبدأ في الظهور إلا عندما نُقحم العقيدة في المعاملة مع المواطنين. ومن أشكال ردود الأفعال تلك أن بعضًا من الناس قد يبتعد عن التدين من الأساس". 

ترى بالا أن رئاسة الشؤون الدينية في تركيا كانت أحد الأسباب وراء ابتعاد المواطنين الأتراك عن التدين، وتعاطفهم مع الملحدين، وليس العكس، وأرجعت السبب وراء ذلك إلى انتهاج هذه المؤسسة خطابًا دينيًّا متشددًا؛ حتى صار كل فعل يقوم به الشخص مُحرَّمًا وخارجًا عن مبادئ الإسلام.

وعلى الجانب الآخر، يشاطر السيد إحسان آلي أجيق، وهو أحد علماء الدين في تركيا، السيدة بالا رأيها بشأن ارتفاع أعداد الملحدين في تركيا خلال الفترة الماضية، ويرى في هذا تطورًا إيجابيًّا، على عكس ما يظن الناس؛ لأن المسلمين، على حد قوله، يفهمون كلمة الإلحاد بالمعنى الكلاسيكي لها، ويضيف قائلًا:

"يفهم الناس خطأً أن الإلحاد هو نفسه التأليهية أو الربوبية (يقر مذهب التأليه بوجود الله وينكر الوحي والآخرة)، وهذا أمر خاطئ تمامًا؛ ومن ثم ينظر الناس إلى كل من ينزلق نحو التأليهية باعتبارهم أناسًا مارقين وسيئين للغاية؛ ولهذا تنظر بعض العائلات المتدينة إلى تحول الشباب عن التدين على أنه نوع من الانحراف، لا يقل سوءًا عن الفسوق والدعارة والمخدرات.

ومع ذلك، فإن العكس هو الصحيح؛ فربما كان هذا الوضع أفضل بكثير لهذا الشباب من أجل التخلص من الأعباء التقليدية التي يرغمون عليها من ناحية، وحتى لا ينزلقون باتجاه الكفر الخالص من ناحية أخرى؛ فيجدون في تلك المرحلة الفرصة لتدبر أمورهم، والتفكير بذهن صافٍ؛ وبالتالي يكونون قادرين على فهم الدين بشكل أفضل.  وفي قناعتي الشخصية، إن مثل هؤلاء الشباب لديهم الفرصة، خلال هذه المرحلة، لإفراغ عقولهم من الخرافات، وفهم المعنى الحقيقي للإسلام بشكل أفضل، من خلال المصادر الأصلية؛ لذلك أنظر لهذا الأمر باعتباره تطوراً إيجابيًا وليس العكس".

يرى آلي أجيق أيضاً أن أعداد المتدينين لم تقل في تركيا، ولكن ما قلّ هو أعداد المتدينين على نمط الخلافة الأموية، ويضيف: 

"تعمد رئاسة الشؤون الدينية في تركيا مع بعض الجماعات، والطرق الدينية الأخرى، إلى تقديم الدين في صورة لا تتواكب مع العصر الذي نعيش فيه؛ صورة تجعل هذا الشباب ينفرون منه، ويعتقدون أنهم هالكون لا محالة. ومن ناحية أخرى، تنظر النساء إلى الإسلام من زاوية أنه يعاملها كنصف إنسان؛ وبالتالي يقولون، عن جهل منهن، إنه دين لا يراعي المساواة ومبادئ الحرية. من أجل هذا، كان من الطبيعي أن نرى الكثير من هؤلاء يتحول عن التدين".

ومن ناحيتها، علَّقت المؤرخة عائشة حور على هذا التقرير بقولها: 

"أنا واحدة من بين كثيرات يؤمنَّ بأن الإجراءات التي عمد حزب العدالة والتنمية إلى اتخاذها طوال فترة حكمه، وخاصة خلال السنوات الخمس الأخيرة، كانت السبب الرئيس وراء نفور البعض من الدين، واتجاههم نحو الإلحاد. كرّرتُ هذا مرات كثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، باعتباري إحدى الملحدات. أعتقد أن أعداد الملحدين في تركيا تتجاوز بكثير النسبة التي جاءت في تقرير شركة كوندا؛ لأن الإلحاد كان الخيار الأسهل بالنسبة للكثيرين، في ظل بيئة ليبرالية نسبيًّا نعيشها قبل 10 سنوات؛ لذلك قد لا يكون التقرير قد عكس الوضع الحقيقي في تركيا الآن".

تؤكد عائشة حور كذلك أنه بإمكان الشريحة المتدينة في المجتمع أن تناقش أكثر الأمور إلحاحًا في الدين، ولكن بشكل يتوافق مع ظروف الحضارة، التي نعيش في كنفها في الوقت الراهن. ولعل هذا السبب الذي جعل بعض من قرائها يعانون أزمة إيمانية، في الوقت الذي أكَّد فيه البعض الآخر أنهم ابتعدوا عن الدين بسبب نزاع حزب العدالة والتنمية مع جماعة فتح الله غولن، وتقول في هذا:

"يكتب لي بعض القرَّاء عن أزمتهم الإيمانية، وأنهم يؤدون بعض الطقوس الدينية مثل الصوم، والذهاب للصلاة يوم الجمعة؛ بسبب الضغوط التي يتعرضون لها من البيئة المحيطة بهم، ومن العائلة على وجه الخصوص. أتابع، عن كثب، المواقع التي يتحدث من خلالها الشباب عما تختلج به صدورهم، وقد أصابتني الدهشة من كثرة أعداد هؤلاء الشباب، وجرأتهم في الحديث عن استخدام الدين كأداة سياسية بشكل عام (مثل الترويج لفكر سياسي معين من خلال خطبة الجمعة)، والصراع المستعر بين حزب العدالة والتنمية وجماعة فتح الله غولن بشكل خاص؛ الأمر الذي دفع البعض منهم إلى القول "لو كان التدين على هذا الشكل، فأنا لا أفضل أن أكون متدينًا". 

تؤكد عائشة حور أن تعبير الفرد عن رأيه وعن قناعاته الشخصية، صارت من الجرائم التي تستوجب العقاب في تركيا الآن؛ لهذا السبب سيكون من الصعب علينا إدراك الحقيقة بمعناها المجرد.

أما السيد روج آسِر غيراسون، وهو عضو مجلس إدارة شركة راويست للأبحاث، فيرى أن العلمانية ترتبط، بشكل أساسي، بالتحضر وزيادة الثروات، كما أن نمط السياسة المحافظ من شأنه زيادة اتجاه المواطن نحو العلمانية كذلك، ويضيف: 

"عندما تكون السياسة محافظة، تجد قطاعات كبيرة من الشعب تواقةً إلى التحرر والعلمانية. وهذا لا يمنع بالتأكيد أن يحاول الشعب التمسك بالجانب المحافظ من السياسة، ولكن مع توالي الأجيال، وزيادة الثروات يصبح تأثير الحداثة أكثر قوةً. أضف إلى هذا أن عدد سكان القرية في تناقص مستمر هو الآخر".  

من ناحية أخرى، يؤكد غيراسون اختفاء مسمى "الأيدولوجية الإسلامية" بقوله:

"فقد مصطلح "الأيدولوجية الإسلامية" معناه في عام 2011؛ إذ أصبح لا يتبادر إلى أذهاننا الآن، عندما نتحدث عن الشباب المسلم، سوى صور لبعض الرموز مثل 'أردوغان- بهجلي، والبيراق، والزي الإسلامي المعروف لدينا، والخاتم الكبير الذي يلبسه المتدينون.. ومع اختفاء الأيدولوجية الإسلامية قلت أعداد الأشخاص، الذين يُقدِّمون أنفسهم باعتبارهم إسلاميين. وفي الثمانينيات، كان جزء كبير من الشباب يُقدِّم نفسه على أنه يساري، ولكن مع انهيار الاتحاد السوفييتي، ضعفت الاشتراكية وقل عدد الاشتراكيين، كما انهزمت جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وداعش في سوريا..الخ. من أجل هذا، يمكن القول إن التوسع الحضاري، وتنامي الثروات كانا السبب الرئيس في انخفاض نسبة التدين. من ناحية أخرى، قد تلجأ شريحة من المجتمع إلى الالتفاف حول الحكومات المحافظة خشية أن نفقد قيمنا الدينية".
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: