Tiny Url
http://tinyurl.com/y2cha7r6
دايفيد ليبسكا
مارس 19 2019

سياسة التعتيم الانتخابي في خدمة أردوغان

المعيار الذي يحكم به العالم الحديث على الانتخابات هو ما إذا كانت حرة ونزيهة.
في هذه الحالة، تعني كلمة "حرة" أن للمواطنين الذين يحق لهم التصويت الحق في التسجيل للتصويت ولهم الحرية في الاختيار، دون أي ضغط خارجي. في هذا الصدد، تقوم تركيا بأداء جيد بشكل عام. 
تشير كلمة "نزيهة"، في حالة الانتخابات، إلى أن جميع الأحزاب السياسية المسجلة تتمتع بحق على قدم المساواة في خوض الانتخابات والقيام بحملات من أجل حشد أصوات الناخبين من خلال الاجتماعات والتجمعات الانتخابية. هنا يفشل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، فشلاً ذريعاً.
بعد أقل من أسبوعين، تتوجه تركيا إلى صناديق الاقتراع لانتخاب القادة المحليين - رؤساء البلديات ورؤساء الأحياء وقادة القرى والمجالس البلدية. وتعد انتخابات 31 مارس هي الأولى في البلاد منذ أن عزز أردوغان نظامه الرئاسي الجديد في يونيو الماضي، وهي الأولى منذ أن رفعت الحكومة حالة الطوارئ بعدها بشهر.
هذه النقطة الأخيرة مهمة، إذ أن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا انتقدت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا في يونيو الماضي، قائلة إن حالة الطوارئ قيدت حرية التعبير. في عام 2015، أي قبل عام من محاولة الانقلاب وحالة الطوارئ اللاحقة، صنفت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا الانتخابات البرلمانية في تركيا على أنها نزيهة.
ومع ذلك، اعترفت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا العام الماضي بأن سيطرة الحكومة على وسائل الإعلام تعني أن الأحزاب لم تتنافس على قدم المساواة. يمثل هذا تهويناً كبيراً من الأمر.
خلال فترة ثلاثة أسابيع قبل انتخابات يونيو، أعطت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الحكومية التركية (تي.آر.تي) تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف تغطية لمدة 37 ساعة – وهو ما يربو على 10 أضعاف ثلاث ساعات من التغطية الممنوحة للمنافس الرئيس - حزب الشعب الجمهوري المعارض. حصل الحزب الصالح وهو حزب قومي على تسع ساعات ونصف الساعة، في حين لم يحصل حزب الشعوب الديمقراطي الذي يقوده الأكراد على أي تغطية إعلامية على الإطلاق في هذه الفترة.
ولم تكن المنافذ الإعلامية المستقلة في حال أفضل كثيراً. خلال شهر مايو، خصصت محطة (سي.إن.إن ترك) ومحطة (إن.تي.في) 70 ساعة لتحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، بينما كانت تغطية حزب الشعب الجمهوري لمدة تقل عن ثلث ذلك الوقت إذ بلغت التغطية 22 ساعة.
لقد رأينا المزيد من الشيء نفسه في الفترة التي سبقت هذه الانتخابات. ففي فبراير، خصصت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الحكومية التركية (تي.آر.تي) 53 ساعة لتحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، في حين قدمت لتحالف حزب الشعب الجمهوري المعارض مع الحزب الصالح ست ساعات من وقت البث، ليقترب المعدل مرة أخرى من 10 إلى 1.
أما بالنسبة للمحطات الخاصة، فقد لخصت واقعة حدثت في الآونة الأخيرة حالة الحملة الانتخابية. شارك أكرم إمام أوغلو، مرشح حزب الشعب الجمهوري لمنصب رئيس بلدية إسطنبول، في مقابلة على الهواء مباشرة نادرة على محطة (سي.إن.إن ترك) يوم الأربعاء الماضي.
وقال للمذيعة بوكيت أي الدين "أنا متمرس للغاية ... أود القيام بهذه المهمة بمنتهى السلاسة...".
تم قُطع البث إلى تصوير يروج لتغطية حية لحدث إخباري عاجل، وفجأة ظهر رئيس تركيا على الشاشة، وألقى خطاباً آخر عن الحملة الانتخابية.
ثار غضب المراقبين، وظهر هاشتاج (وسم) "رقابة سي.إن.إن ترك" ليتصدر الموضوعات الأكثر تداولاً في تركيا على موقع تويتر.
في أبرز السباقات التي يتم التنافس عليها، هذه هي الطريقة التي تتعامل بها وسائل الإعلام التركية المستقلة ظاهرياً مع المنافس الرئيس: قطع البث عنه فجأة لنقل خطاب ممل لسياسي غير مرشح حتى في الانتخابات.
وقالت إقبال أيتاك، النائبة المرشحة عن الحزب الصالح في تشاناكالي، في تغريدة نشرت فيها التسجيل المصور "إنه عدم احترام بشكل واضح".
في الواقع، قد يكون هذا النوع من قطع البث على الهواء مفهوماً عند مقابلة سائق سيارة أجرة أو ربة منزل في الشارع حول حدث إخباري محلي بسيط. ولكن ليس عن مرشح بارز لأهم وظيفة من أجل الحصول على الأصوات، وليس عندما لا يكون هناك أي أخبار عاجلة لتغطيتها.
وقال مارك لوين مراسل شبكة هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) في تركيا في تغريدة نشر فيها فيديو (سي.إن.إن ترك) "القنوات التلفزيونية التركية تعمل في خوف دائم من عقاب القصر الرئاسي".
الخوف أكثر حدة هذه المرة. دخلت تركيا لتوها أول ركود اقتصدي لها منذ ما يقرب من عقد من الزمان. تشير استطلاعات الرأي الحديثة، والمصادر القريبة من حزب العدالة والتنمية، إلى أنه من المتوقع أن تكون المنافسة محتدمة في المدن الكبرى، بما في ذلك في إسطنبول وأنقرة وبورصة وأنطاليا.
ويمثل منصب رئيس بلدية إسطنبول، وهو المنصب الذي بدأ فيه أردوغان حياته السياسية، جوهرة تاج الانتخابات المحلية. لقد ظل حزب العدالة والتنمية يسيطر على هذا المنصب منذ 25 عاماً، ويواجه إمام أوغلو الآن مرشح حزب العدالة والتنمية بن علي يلدريم، وهو رئيس وزراء سابق، في معركة حامية على هذا المنصب.
لا ينبغي أن تكون مفاجأة أن الرجل تلقى مثل هذه المعاملة. ففي يونيو الماضي، عندما كان ترشيح المرشح الرئاسي لحزب الشعب الجمهوري محرم إينجه يزداد قوة، قطعت محطة (سي.إن.إن ترك) وغيرها من المحطات التلفزيونية البث المباشر عن إحدى مسيرات حملته بعد أن بدأ الحشد في ترديد عبارة "طيب اللص".
تعتبر رئاسة بلدية أنقرة ثاني أهم منصب يتم التنافس عليه في انتخابات 31 مارس. وقد شغل حزب العدالة والتنمية هذا المنصب منذ ربع قرن، لكن مخاوفه هنا أكبر.
كان من المحتمل أن يحصد مرشح حزب الشعب الجمهوري منصور يافاش رئاسة البلدية في الانتخابات المحلية الأخيرة، في عام 2014، ولكن ذلك لم يحدث بسبب قطة فضولية، وفقاً لرواية حزب العدالة والتنمية للأحداث.
في مساء يوم الانتخابات، توقف فرز الأصوات فجأة في العديد من مراكز الاقتراع في أنقرة التي كانت تميل حينها لصالح حزب الشعب الجمهوري. وقد كان التفسير الرسمي هو أن القطة قد دخلت إلى محول كهربائي مما أدى إلى حدوث تماس كهربي. عندما استؤنفت عملية الفرز بعد ساعات قليلة، زاد تقدم رئيس بلدية حزب العدالة والتنمية الحالي مليح كوكجك من ثلاثة آلاف صوت إلى 20 ألف صوت في غضون دقائق.
في هذا التصويت، قفز الحزب الحاكم على خصمه في أنقرة في وقت أقل بكثير.
بعد أسابيع قليلة من وضع استطلاعات الرأي يافاش في الصدارة، بدأ المسؤولون في حزب العدالة والتنمية وصحيفة صباح الموالية للحكومة في اتهام يافاش بإساءة استخدام عمله في المحاماة قبل عقد من الزمن، بما في ذلك مضايقة موكله واستخدام توقيع زائف.
وقد قبلت المحكمة لائحة اتهام ضد مرشح حزب الشعب الجمهوري الأسبوع الماضي، مما يعني أنه قد يواجه محاكمة قريباً. نفى يافاش بشدة هذه الاتهامات، كما فعل زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو.
نشرت بعض المنافذ الإخبارية المؤيدة للحكومة بيانات نفي يافاش على الإنترنت لفترة قصيرة قبل أن تقوم بإزالتها. في حين لم تنشرها بعض المنافذ الإعلامية الرئيسة على الإطلاق.
وقال عمر جليك، المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية، "لقد كنا ننتظر أن يتكلم يافاش عن الادعاءات على وسائل الإعلام، وهو سلوك يجب على السياسي المسؤول القيام به، لكنه لم يفعل"، متجاهلاً نفي مرشح حزب الشعب الجمهوري.
ورداً على ذلك، أشار الكاتب التركي يلدراي أوور إلى أن المواطنين الأتراك لا يعرفون كيف رد يافاش على هذه الاتهامات لأن محطة واحدة فقط قامت بتغطيتها.
إذا سقطت شجرة في الغابة ولا يوجد أحد حولها، فهل تصدر أي صوت؟
من المرجح أن يكون دفاع يافاش عن نفسه له نفس تأثير مقابلة إمام أوغلو مع محطة (سي.إن.إن ترك). في الحالتين، كان المرشح يمثل تهديداً مشروعاً لهيمنة حزب العدالة والتنمية في مواجهة حاسمة في المعركة الانتخابية، وذلك بفعل الممارسات الانتخابية غير العادلة للغاية من جانب الحزب الحاكم.
على أي حال، لقد غير الرئيس الموضوع بالفعل. ففي نهاية الأسبوع الماضي، أدان أردوغان منفذ إطلاق النار في هجوم على مسجدين في كرايستشيرش، والذي أودى بحياة 50 شخصاً، قائلاً إن برينتون تارانت "استهدف بلدنا وأمتنا وأنا شخصياً".
أثناء حديثه، عرض على الشاشة مجموعة من مقاطع الفيديو من الهجوم – وسارعت مواقع فيسبوك ويوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى لحذفه من على الإنترنت باعتباره هجوماً ويروج للعنف الشديد.
يحظر أردوغان بشكل أساسي بث أو نشر تصريحات خصومه السياسيين، وغالباً ما يربطهم بالإرهاب. ومع ذلك، فهو سعيد بنشر مقاطع فيديو إرهابية عن القتل الجماعي الحقيقي إذا كان ذلك يخدم غرضه.
يدرك زعيم تركيا جيداً أن الأشخاص الأكثر عرضة للخوف هم أولئك الذين يتم الإبقاء عليهم في الظلام.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.