مايا أراكون
مارس 24 2018

سياسة الجماعات الدينية والطرق الصوفية، من أربكان إلى أردوغان

 

يمتد وجود الجماعات الدينية والطرق الصوفية في تركيا إلى ما قبل قيام الجمهورية التركية بكثير. ومع ذلك فهناك فرق كبير بين تلك الجماعات والطرق في ذلك العصر وبينها اليوم من حيث معناها ووظائفها.
ومما لا شك فيه أنه يمكن تفسير وجود هذه الفرق بتغيير المقومات العالمية، غير أنه يمكن العثور على حقائق مهمة للغاية في مقال الدكتور "بوراق بيلغه خان" المنشور في صحيفة "قرار" بتاريخ 22 سبتمبر 2017؛ حيث يدور حول السبب في ارتباك تلك الجماعات الدينية والطرق الصوفية واختلاطها إلى هذا الحد ووقوعها في بؤرة التحلل والتردي.
ووفقًا للأستاذ المساعد الدكتور أوزبك فإن الجماعات الدينية والطرق الصوفية قد تحولت في الوقت الراهن إلى مؤسسات تَعِدُ المنتسبين إليها بمستقبل ماديٍّ باهر أكثر من كونها تكايا معنوية تجمع الناس حول هدف عظيم وسامٍ:
"إن قسمًا مهما من المترددين على تلك الجماعات الدينية والطرق الصوفية ربما لا يكونون عناصر جاهلة ارتبطت بتلك المؤسسات دون فهم وإنما انتظارًا للنجاة فحسب كما يُعتقد. على العكس تمامًا؛ وليس من غير المنطقي الحكم بخطأ الاعتقاد بأنها عناصر أقامت علاقة مع هذه المؤسسات من أجل منفعتها الخاصة وأهدافها الدنيوية.
وبالتالي فإن مثل هذه النوعية من المؤسسات الدينية لا تمثل بالنسبة للراغبين في العثور على فرصة عمل في الدولة، والطامعين في تولي مناصب ومواقع قيادية، ومن يركضون وراء الفوز بالمناقصات، ويخافون ألا تشملهم شبكة المساعدات الاجتماعية، إلا فرصة وأداة توصلهم إلى موارد الدولة ومصادرها.
ونظرًا لأن أقصر الطرق وأسهلها للوصول إلى الثروة والرفاهية يمر من خلال السياسة فإن هذه المؤسسات تعمل مثل وسيط، وتقيم علاقة تبادلية في المنافع بين السياسيين والمواطنين. ويبدو أن الجميع راضون جدًا عن هذا النظام؛ المريدون والشيوخ والسياسيون على حد سواء."
وفي مثل هذه الحالة فإن الوصول بسهولة إلى الموارد بمساعدة السياسيين والأموال السهلة التي يتم الحصول عليها إثر ذلك يؤدي إلى الفساد حتمًا.
وعلى حد قول الأستاذ المساعد الدكتور أوزبك فإن هذا الوضع "يجعل كل واحدة من المنظمات الدينية بمثابة سلسلة وسلم للسعادة. وهذا التحلل يضر بالدين على الأكثر. وتتحول رسالة الدين الأصلية إلى أداة لتلبية احتياجات الجماعة الدينية والطريقة الصوفية. وتبلغ "الزبائنية" أبعادًا لدرجة أن وزارات في الدولة تذكر مرتبطة بجماعات معينة. والمواطن الذي اكتشف هذا يتقرب من إحدى الجماعات الدينية حتى يستطيع الاستفادة أكثر من الموارد العامة، وكلما تزيد الجماعة من عدد المنتسبين إليها كلما تستطيع الدخول في صفقات أقوى وأعقد مع المؤسسات السياسية. وفي النهاية تُستهلك الموارد العامة بطريقة غير فعالة، وتُحددُّ معايير اختيار الموظفين العمومين من خلال ظروف بعيدة عن القدرة على العمل بالشكل اللازم."
أعتقد أن هذا الشرح هو أفضل تحليل رأيته حتى اليوم فيما يتعلق بعلاقة الجماعات الدينية والطرق الصوفية في تركيا بالسياسة وسبب تقدير المواطنين إياها إلى هذا الحد.
ومما لا شك فيها أن أهم وأعرق تلك التشكلات والكيانات التي نتحدث عنها من الناحية السياسية هو حركة "الرؤية الوطنية". ففي عام 1967 وضعت الأسس الفكرية لحركة الرؤية الوطنية هذه، والتي عرفها الباحث والصحافي "روشن جاقير" بأنها "الحركة الإسلامية المستقلة الأهم في تاريخ الجمهورية التركية"، غير أن تحول الحركة إلى كيان مشخص ومحسوس قد تحقق بترشح نجم الدين أربكان ورفاقه كمرشحين مستقلين في الانتخابات العامة سنة 1969.
ومع طرح أربكان أنه ورفاقه يمثلون القيم "الوطنية" بينما الأحزاب الأخرى القيم "غير الوطنية" اتضح تمامًا منهج الحركة ولونها. وفي مقال بعنوان "ما هي الرؤية الوطنية؟ وكيف يجب أن تكون الرؤية الوطنية" للكاتب مصطفى ييلدريم الكاتب في صحيفة "مللي غزته" يُعرف صاحب المقال حركة الرؤية الوطنية بأنها "رؤية اتخذت جانب الحق شعارًا لها".
كتب ييلدريم في مقالته تلك: "الرؤية الوطنية هي التصدي للظالم ومناصرة المظلوم. إن الرؤية الوطنية رائدة نظام الحق الذي يجب إقامته في الأرض من جديد، والمدافع عن التقاسم العادل للموارد. إنها أمل العالم الإسلامي أجمع في مواجهة لعبة العولمة. (...) إنها الرغبة في تصنيع كل شيء بإمكانات محلية ووطنية بدءًا من الإبرة حتى الصاروخ، ومن الزراعة حتى الصناعات الثقيلة، ومن المعادن والموارد الطبيعية وحتى بحوث الفضاء. إنها إعادة الأمة النجيبة ذات الحضارة العريقة في ماضيها إلى أيام مجدها السابقة." والحقيقة أن ييلدريم بكلامه هذا قد عبر بشكل مختلف عن عقدة "تركيا زعيم البلاد الإسلامية والأمة التي تُحيي التراث العثماني من جديد" التي كثيرًا ما تحدث عنها رئيس الجمهورية أردوغان.
وهناك العديد من المؤسسات الداعمة لهذه الحركة التي تتبلور مبادئها الأساسية في نظام عادل واقتصاد حقيقي واتباع المنهج الحق والتي خرجت من رحمها مثل: جمعية شباب الأناضول (AGD)، والصحيفة الوطنية (Millî Gazete)، وحزب السعادة ومجلة شباب الأناضول، ومركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية (ESAM)، ووقف العلم والثقافة، وجمعية التجار والحرفيين، وجمعية جان صويو (Cansuyu) الخيرية.
وبحسب روشن جاقير فإن حركة الرؤية الوطنية قد اتخذت النضال في إطار حزب سياسي قانوني أساسًا ومبدأً لها. وفي هذا السياق تم تأسيس تلك الأحزاب على التوالي: حزب النظام الوطني، وحزب السلامة الوطنية، وحزب الرفاه، وحزب الفضيلة، ثم حزب السعادة. وقد تم تأسيس حزب النظام الوطني (MNP) أول هذه الأحزاب في 26 يناير 1970 بمبادرة من نجم الدين أربكان وأصدقائه الثمانية عشر.
الفكرة الأساسية التي تقوم عليها الحركة هي فكرة "الأخوة الإسلامية". وإثر طرد سليمان دميرال كلًّا من نجم الدين أربكان وبعض الإسلاميين من حزب العدالة، أصبح الإسلاميون الذين كانوا منخرطين داخل الأحزاب اليمينية حتى ذلك اليوم مجبرين على فتح فضاء مستقل خاص بهم في الحياة السياسية في البلاد.
 وبعد انقلاب 12 سبتمبر 1980 واصلت الحركة نشاطها باسم حزب الرفاه، ولا سيما أنها بدأت تطرق جميع الأبواب وتصل إلى كل الفئات حاملة شعار أربكان "نحب المخلوق حبًا في الخالق". والحقيقة أن هذه الجملة التي كثيرًا ما يُرددها أردوغان أيضًا تبدو وكأنها دليل على أن حزب العدالة والتنمية لم يذهب بعيدًا جدًا عن إرث حركة الرؤية الوطنية.
والواقع أن حزب الرفاه قد صعد في التسعينيات من القرن الماضي نتيجة لتلك الجهود، وارتفع رصيده في الساحة السياسية كحزب مُعادٍ للغرب، وصامد لا يقدم أية تنازلات. وهذا الخط الذي تسلمه حزب العدالة والتنمية لا زال يكشف عن نفسه اليوم أيضًا في بعض خطابات رئيس الجمهورية أردوغان. لقد كانت "الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل الهم الأساسي بالنسبة لأعضاء الرؤية الوطنية والمنتسبين إليها" على حد وصف روشن جاقير.
كان نجم الدين أربكان يرى أن ما يجري في العالم من أحداث هو مؤامرة ماسونية أعدتها الماسونية التي تُحرك أميركا بيدها كيفما تشاء، وأن العالم الإسلامي هو المستهدف الحقيقي من وراء ذلك. وقد بين أن السياسة التي من شأنها أن تتصدى لذلك تتمثل في أن "إفساد هذه اللعبة والقضاء عليها يمكن أن يتحقق بتولي الرؤية الوطنية السلطة في تركيا وجعلها إياها رائدة للعالم الإسلامي". وهذه السياسة تكمن في أعماق اتجاه يكشف عن نفسه في سياسات عديدة لحكومة حزب العدالة والتنمية.
هناك تركيا التي يجب أن ترتقي إلى وضع رائد وزعيم للبلاد الإسلامية كلها، وتلك البلاد تقبل وترغب بالأساس في ريادة تركيا وزعامتها.
وبحسب جاقير فإن حزب العدالة والتنمية هو الحزب الوحيد الذي نجح في تحقيق مشروع الرؤية الوطنية، وأنهم مهما قالوا "إننا خلعنا عباءة الرؤية الوطنية" فليس من الخطأ اعتبارهم امتدادًا للرؤية الوطنية.
وبما أننا تطرقنا إلى تورط الجماعات الدينية والطرق الصوفية في الفساد والسياسة فلا يمكننا ألا نتحدث عن قضية الفساد التي بلغت 26 مليون يورو والتي فُتحت ضد منظمة الرؤية الوطنية في ألمانيا. ففي عام 2009 فتحت النيابة العامة في كولن تحقيقًا؛ حيث اشتبهت في وجود تلاعب بأموال التبرعات هناك، وبناء عليه تم تفتيش 26 جامعًا وفرعًا تابعًا لمنظمة الرؤية الوطنية للمجتمع الإسلامي كما تذكر في أوروبا، وتمّ مُصادرة العديد من الوثائق.
وفي 9 أبريل 2017، وبعد إتمام ملف القضية الذي أُعِدَّ في ست سنوات بدأت في كولن محاكمة المدير والموظفين السابقين في المنظمة بتهم الاحتيال والتهرب من دفع الضرائب.
ووفقًا للائحة الاتهام فقد أرسل إلى نجم الدين أربكان مباشرة ما قدره 9.4 مليون يورو من إجمالي أموال الأضاحي التي تم جمعها.
الاتهام يشمل الفترة ما بين 2005-2009، حيث يُحاكم خمسة مديرين على جرائم استخدام مبلغ 11.3 مليون يورو من أموال الأضاحي في غير ما خُصصت له، بينما يحاكم الأئمة بتهم التخلف عن دفع اشتراكات الضمان الاجتماعي وتبلغ حوالي 9.5 مليون يورو، والتهرب الضريبي بقيمة 5.2 مليون يورو عبر التلاعب في حجم موارد تنظيم رحلات الحج وبيع الأضاحي والأجندات الورقية وإظهارها أقل من الحقيقي.
جدير بالذكر أن منظمة الرؤية الوطنية الموجودة في ألمانيا تأسست عام 1985 في كولن، ولديها 27 ألف عضو. وهي تعمل في 10 دول أوروبية إلى جانب ألمانيا من بينها النرويج وإيطاليا أيضًا. وتتولى الجمعية إدارة 514 جامعًا منها 323 في ألمانيا. أما في عموم أوروبا فيُقال إن لديها ما يقرب من 87 ألف عضو وحوالي 300 ألف مؤيد.
وتُعرِّف المنظمة نفسها في مواقعها الإلكترونية على شبكة المعلومات الدولية بأنها "جماعة إسلامية تقدم خدمات دينية واجتماعية وثقافية بشكل عام"، وأن القرآن والسنة هما المصدر الأساسي الفاصل والقاطع في تحديد فهمهم الخاص للإسلام، ومن المعروف أنها قامت بتنظيم حملات الدعاية الانتخابية بين الأتراك المقيمين في ألمانيا لصالح حزب العدالة والتنمية قبل الانتخابات العامة في تركيا، وأنها حصلت على أموال طائلة من تركيا أيضًا...
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/tarikatlar/cemaatler-ve-tarikatlar-milli-gorusten-akpye-3