يشار ياكش
ديسمبر 31 2017

سياسة تركيا الخارجية في 2017: قليل من الأصدقاء.. كثير من الأعداء

لم تمر على تركيا أعوام كثيرة حافلة بالأحداث مثل العام 2017 في مجال العلاقات الدولية.

بطبيعة الحال، جاءت العلاقات مع الولايات المتحدة في صدارة الملفات الخارجية التي استحوذت على الكثير من الاهتمام، خاصة بعد أن رفضت واشنطن بكثير من الإصرار التعاون مع تركيا في معركتها ضد داعش، وفضلت بدلا من ذلك التعاون مع وحدات حماية الشعب، الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي وهو أكبر حزب سياسي كردي في سوريا. وفي إطار هذا التعاون، قدمت الولايات المتحدة أكثر من 3500 شاحنة محملة بالأسلحة والذخيرة إلى هذه المنظمة، التي يُنظر إليها باعتبارها الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه كل من تركيا والولايات المتحدة جماعة إرهابية.

وفى 13 ديسمبر، استضاف الرئيس التركى رجب طيب أردوغان قمة استثنائية لمنظمة التعاون الإسلامى لمناقشة الرد المناسب على قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب الى القدس. واستند أردوغان على القرار الذي صدر عن القمة لطرح المسألة أولا في مجلس الأمن الدولي ثم في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي كلتا المناسبتين، عانت الولايات المتحدة ربما من أكبر عزلة دبلوماسية في تاريخها، حيث حظي قرار يدعو الولايات المتحدة إلى التراجع عن الخطوة بتأييد 14 صوتا مقابل صوت واحد في مجلس الأمن وبـ126 صوتا مقابل 9 في الجمعية العامة، وسيكون من باب التفاؤل المفرط التوقع بأن واشنطن ستقف بلا مبالاة إزاء هذه التحركات من جانب تركيا.

يأتي هذا في الوقت الذي لم يحدث فيه أي تقدم حتى الآن في اتجاه تسليم الولايات المتحدة للداعية فتح الله غولن الذي تعتبره الحكومة التركية المسؤول الأول عن التحريض على محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة بهدف الإطاحة بها.

كما لا يزال التعليق المتبادل لخدمات التأشيرات بين البلدين يؤثر سلبا على العلاقات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية.

وزاد من الطين بلة شراء تركيا لصواريخ أرض-جو من طراز إس-400 من روسيا، ما أدى إلى تزايد التوتر مع الولايات المتحدة، وكذلك مع المجتمع الأوروبي-الأطلسي ككل.

أما علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي فقد مضت من سيئ لأسوأ، وأدى تنامي كراهية الأجانب وصعود الأحزاب السياسية اليمينية في أوروبا إلى جعل عملية انضمام تركيا إلى التكتل الأوروبي أكثر صعوبة، إذ أعلنت النمسا أنها ستبدأ محادثات لإقناع زملائها في الاتحاد الأوروبي بوجوب رفض انضمام تركيا إليهم. ومن غير الواضح ما إذا كانت إجراءات عملية الانضمام ستستأنف قريبا حتى لو تمكنت تركيا من تحسين سجلها السيئ في مجال حقوق الإنسان.

هذا العام شهد أيضا منع السلطات الهولندية لوزير تركي من الالتقاء بمواطنين أتراك تجمعوا في القنصلية التركية في روتردام لدعم استفتاء على تعديلات دستورية.

في الاتجاه المقابل، بدأ الدفء يعود إلى العلاقات التركية-الروسية بعد أن اعتذرت تركيا لروسيا عن إسقاط مقاتلة روسية انتهكت المجال الجوي التركي لمدة 17 ثانية. وتتعاون الدولتان الآن بشكل وثيق خصوصا في سوريا، في حين يجري العمل على رفع العقوبات الاقتصادية التى فرضتها روسيا على تركيا في أعقاب حادثة المقاتلة شيئا فشيئا، غير أن عودة العلاقات إلى ما كانت عليه قبل الأزمة بشكل كامل قد تستغرق بعض الوقت. وعلى الرغم من أن سياسة تركيا في سوريا تتفق من وقت لآخر مع السياسة الروسية، يبدو من المرجح أن تستمر نقاط الخلاف حول القضايا الأوسع نطاقا.

وفيما يخص الدول المجاورة، تبدو علاقات تركيا مع العراق قابلة للتحسن مع وجود مصالح مشتركة في ملفي النفط والقضية الكردية، لكن الآثار الناجمة عن التصريحات الاستعلائية للقادة الأتراك عن زعماء العراق في الماضي يبدو أنها ستستغرق بعض الوقت لكي تزول تماما.

لكن على الجانب الآخر، انحازت تركيا إلى صف طرف في صراع عربي إقليمي بين قطر ودول الخليج الأخرى على الرغم من أنه كان بإمكانها أن تقف على مسافة متساوية بين طرفي النزاع. وينبغي أن ندرك أن الدول العربية تعتبر النزاعات فيما بينها أقرب إلى خلاف عائلي، ولذلك قد تغفر هذه الدول لبعضها البعض بانتهاء النزاع، لكنها لن تنسى الموقف التركي بسهولة. وظهر بالفعل أن التدخل التركي ليس مرحبا به من قبل دول الخليج، وزاد من تعقيد الموقف قيام وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد بإعادة نشر تغريدة تنتقد نقل مخطوطات أثرية إسلامية إلى اسطنبول عندما اضطرت تركيا إلى سحب وجودها العسكري من الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة عام 1919. كما أن أولويات تركيا تبدو أبعد من أن تكون متطابقة مع أولويات الدولة الأهم في الخليج وهي المملكة العربية السعودية، وبالتالي من الصعب إقامة تحالف استراتيجي بين البلدين. وفضلا عن ذلك، بالنسبة لقضية القدس، قد تتعاون دول الخليج بشكل أوثق مع الولايات المتحدة مقارنة بمستوى تعاونها مع تركيا. وستكون تركيا الخاسر الأكبر إذا لم تجد وسيلة لتحسين علاقاتها مع هذه الدول.

أما فيما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل، فقد رأينا تحسنا كبيرا بعد وقت طويل استغرقته هذه العلاقات للتطبيع عقب حادث أسطول مافي مرمرة في عام 2010. لكن بعد فترة قصيرة من التوافق بين البلدين، انهارت جميع الجهود المضنية لتحسين العلاقات بسبب قرار ترامب بنقل السفارة. وبات من غير المعلوم كيف ستتطور العلاقات بين البلدين في ظل وضوح إصرار أردوغان على موقفه برفع مستوى القنصلية التركية فى القدس الشرقية إلى مقام سفارة. ولا يسع المرء إلا أن يأمل في أن تؤدي الأزمة الناجمة عن قرار ترامب إلى جعل حل الدولتين للقضية الفلسطينية أمرا يمكن تحقيقه.

على الناحية الأخرى، لم تشهد العلاقات التركية-الإيرانية جديدا يذكر حيث واصلت مسارها المتقلب كما كان الحال منذ قرون، وفي حين تتعاون الدولتان في سوريا بحكم الضرورة بسبب البعد الكردي، تظل مصالحهما في سوريا على المدى الطويل غير متقاربة. بيد أن تركيا وإيران ستحتفظان على الأرجح بعلاقاتهما فى المستقبل المنظور على هيئة "لسنا أعداء تماما لكننا أقل من الأصدقاء".

وللأسف، واصلت تركيا سياستها غير المدروسة في سوريا، والتي تنتهجها منذ بداية الأزمة، وهي الآن تجني الزوابع بعد أن زرعت الرياح على مدار الخمس سنوات الماضية، لكن قد تكون هناك فرصة واحدة للتعاون الإجباري بين أنقرة ودمشق، ألا وهي العمل معا لمنع الأكراد من إقامة حزام كردي متصل في شمال سوريا. وبصرف النظر عن ذلك، قد تواجه تركيا عقبات لا يمكن التغلب عليها بالنسبة لجهودها الرامية إلى جعل سوريا تنسى الضرر الذي ألحقته تركيا بها.

وبصفة عامة، استمرت عزلة تركيا على الساحة الدولية في عام 2017، فيما بزغ نجم روسيا باعتبارها القوة الأكثر تأثيرا في سوريا وبرز دور إيران كلاعب رئيسي في المنطقة.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا:

https://ahvalnews.com/foreign-policy/turkey-becomes-more-isolated-2017