ألين تاشجيان
مارس 04 2019

سيبل.. امرأة تركية تطارد الذئاب

تطارد سيبل، المرأة القروية البكماء التي تعيش في جبال البحر الأسود في تركيا، ذئبا كبيرا شرسا في الفيلم الذي يحمل نفس الاسم (Sibel) وأُنتج في العام 2018. كانت سيبل على وشك قتل الذئب حين وجدت ذئبا من نوع مختلف للتواصل معه.

يُعد فيلم "سيبل" هو نسخة من لا لوبا، الذئبة التي جسدتها الكاتبة كلاريسا بنكولا إيستس في كتابها النسائي الشهير المناصر لحقوق المرأة "نساء يركضن مع الذئاب: أساطير وقصص عن نموذج المرأة الوحشية". تجسد "سيبل" هذه الشخصية الأسطورية وهي تغني لنفسها بينما تجمع عظام الذئاب وتشكل بها هيكل عظمي كامل.

لقيت قصة لا لوبا للكاتبة إيستس رواجا بين الناس الذين يعيشون قرب الحدود بين تكساس والمكسيك، حيث يجري تصوير لا لوبا على أنها امرأة تجوب مدينة إل باسو وهي تحمل بندقية على ظهرها. وعلى نفس المنوال، تجوب سيبل الجبال ببندقيتها.

بصرف النظر عن الإبداع الفني والجمالي الذي يتميز به الفيلم، كان لا بد وأن ينال "سيبل" إعجابي كون اقتبس هذا النموذج الكلاسيكي للمرأة الوحشية. كما أن اسم "سيبل" مشتق من سيبيلي أو كوبيلي (Cybele)، أم الآلهة التي كانت تُعبد في الأناضول قديما.

تتطابق سيبل مع وجهة نظر إيستس القائلة إن "المرأة التي تتمتع بصحة جيدة تشبه الذئبة إلى حد كبير: فهي نشيطة، مفعمة بالحياة والقوة، واهبة للحياة، مدركة لحدودها، مبدعة، وفية، دائمة التجوال". تقول إيستس وغيرها من الباحثين الذين يجمعون القصص الشعبية إن الكثير من هذه القصص تم تعديلها لتناسب الأيديولوجية المسيحية، لذا أحببت الأسلوب الذي استقى به الفيلم حبكته من قصة "ذات الرداء الأحمر" (Little Red Riding Hood) وعدل في القصة.

وهذا هو ثالث فيلم روائي طويل يشترك فيه المخرجان تشاغلا زنجيرجي وغيوم غيوفانيتي. رُشح فيلم "سيبل" لجائزة الفهد الذهبي في مهرجان لوكارنو السينمائي العام الماضي، وفاز بجائزة الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين وجائزة لجنة التحكيم المسكونية، وهي جوائز محببة إلى قلبي.

يبعث فيلم "سيبل"، بكل مراجعه النسائية المناصرة لحقوق المرأة، إشارة واضحة. لكن خلال مشاهدتي الأولى للفيلم، أغفلت قيام البطلة بجمع عظام الذئاب وغيره من أوجه الشبه الواضحة مع واحد من أبرز الأعمال النسائية وأكثرها تأثيرا. لم يعجبني أي شيء في الفيلم – فقد ذكرني بفيلم "موستانغ" النسخة التركية الشرقية التي أُنتجت في العام 2015 من فيلم "انتحار العذراء" (The Virgin Suicides).

فعلى غرار "موستانغ"، يتبع الفيلم الجديدة نفس النهج الذي تتبعه الأفلام المفضلة الأخرى في المهرجانات السينمائية الغربية، إذ يعرض بطلة جميلة تعيش تحت الضغوط المعتادة في الريف التركي ويستعرض الإمكانات الجنسية المثيرة لهذه المرأة. غير أن "سيبل" أعطاني انطباعا بأنه أكثر رقيا من "موستانغ".

إن عالم القصص الخيالية ومقومات التراث الشعبي (الفلكلور) يدعمان النقد الاجتماعي، لكنهما في الحقيقة لا يجتمعان معا. يعرض لنا فيلم "سيبل" ما نريد أن نراه بدون أن يخلق لنفسه عالمه الخاص به. بل إن الفيلم يتقيد بأعراف العالم الذكوري الذي يهيمن عليه الرجال ويحاول تناول مفهوم تمكين المرأة الذي يكثر عنه الحديث.

ولا يفوتنا أن التصوير السينمائي للفيلم رائع، إذ يسلط الضوء على منطقة البحر الأسود التي تكثر فيها الخضرة. تدور أحداث الفيلم في منطقة كوش كوي، التي تضم مزارع شاي وغابات كثيفة وأناسا يتواصلون عبر المسافات الطويلة بلغة معقدة من الصفافير. يصور الفيلم روعة المنطقة وجمال داملا سونمز، النجمة التي تلعب دور البطولة، ويبرز جمال الطبيعة البرية الوعرة لبيئته وشخصياته.

سيبل هي الابنة الكبرى لرئيس القرية (الذي يجسد دوره أمين غورسوي). أصبحت سيبل بكماء بعدما أصيبت بحمى في طفولتها، ولكن لأن جميع من حولها يعرفون "لغة الطيور" في كوش كوي، فيمكنها تتواصل بسهولة من خلال الصفافير.

في القرى التركية، يعتبر أصحاب الإعاقات، لا سيما النساء منهم، نذر شؤم. فحيث أن معظم المعاقين قد وُلدوا بإعاقاتهم ولم يصابوا بها نتيجة مرض، يُنظر إلى الإعاقة على أنها لعنة أو عقاب من الله. لا نتوقع أقل من أن تكنّ نساء القرى الحقد والضغينة تجاه سيبل بسبب تلك الحرية التي لا يتمتعن بها.

في الواقع، كان الحظ حليف سيبل لكونها بكماء. ذلك أنها لو كانت تستطيع التكلم لقضت حياتها مع رجل أُجبرت على الزواج منه، وأطفالها على ذراعيها، ولما كان والدها متساهلا معها إلى هذه الدرجة. لم يكن ليعلمها كيفية إطلاق النار أو يتفاخر بمهاراتها في إطلاق النار، وكان سيضايقها لعدم ارتدائها الحجاب.

إن النساء اللائي لن يتزوجن أبدا أو ينجبن أطفالا يعتبرن أشبه بالرجال، ولكن لا توجد إمكانية لإقامة علاقة جنسية خارج إطار الزواج. وعلى الرغم من أن المتوقع هو أن تقيم سيبل في بيتها بقية حياتها، فإنها لا تفكر أبدا في الزواج. بل من الواضح أيضا أنه لا تريد أن ينتهي بها المطاف مثل نارين (ميرال تشيتينكايا)، تلك المرأة التي تعيش كراهبة تنتظر طيلة حياتها عودة حبيبها، ليصيبها الجنون تدريجيا في عزلتها.

ثمة بعض أوجه الشبه بين قصة نارين وقصة سيبل، وحل ألغاز ماضي نارين والذئب الذي يهدد القرية هم أكثر عناصر الفيلم إثارة. هذه القصة تظهر كيف تستخدم المجتمعات الذكورية الأساطير والقصص الخيالية والدين والأعراف للتحكم في المجتمع وقمع الممارسات الجنسية للنساء وتحويلهن إلى كائنات منزلية.

لا تعتبر سيبل شابة متحررة. بل هي امرأة معاقة منبوذة غير مرغوب فيها تشعر بالحنق والمرارة. تريد سيبل أن تهرب من نفسها وتصبح بطلة القرية بقتلها الذئب الشرس. تود أن تكون محبوبة، وترغب في الجلوس مع غيرها من النساء وتحتسي الشاي. قصتها ليس من قصص التمرد، بل تحكي ما تواجهه من احتقار وعنف وحاجتها إلى قبول المجتمع لها. وهذه الحاجة هي الرحم الذي تخرج منه المرأة الوحشية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-movies/sibel-turkish-woman-running-after-wolves-film-review
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.