مصطفى قيليتش
يناير 09 2019

سيناريست "الحُفرة": جميعنا في تركيا كالأطفال التعساء!

تحدثنا مع السيناريست جوكهان هورزوم عن مسلسل "الحُفرة" الحائز على جائزة أفضل مسلسل من مهرجان الفراشة الذهبية بتركيا، والذي حطَّم الرقم القياسي في نسب المُشاهدة... 

سؤال: حصلتم على جائزة أفضل مسلسل خلال مراسم توزيع جوائز مهرجان الفراشة الذهبية. فاز مسلسل "أخبرهم أيها البحر الأسود" بجائزة أفضل سيناريو. لماذا لم يحصد المسلسل الحائز على جائزة أفضل مسلسل جائزة أفضل سيناريو أيضًا؟

لا يمكننا التعليق على اختيارات المشاهد. إنه اختار لهذه الجائزة مسلسلًا آخر، كما اختار لجائزة أفضل مخرج مسلسلًا ثالثًا مختلفًا تمامًا، وإن كنتُ أعتقد أن مسلسل "الحُفرة" يستحق أن يحصل على جائزتي أفضل سيناريو وأفضل مخرج معاً. وهذا لا يقلل بالطبع من قيمة مسلسل "أخبرهم أيها البحر الأسود".

سؤال: حسنًا، سأوجه لك سؤالًا ربما أجبتَ عنه مرات من قبل، ولكني أود أن أسمع إجابته منك شخصيًا؛ من أين استوحيتم اسم "الحُفرة" لمسلسلكم؟

أطلقنا هذا الاسم على جزء من الحي الذي دارت فيه أحداث المسلسل؛ فكما تعرفون إن هناك أحياء، وخاصة في المدن الكبيرة، يرتبط اسمها بالجريمة. والشيء المُختلف هنا، والذي أردنا الإشارة إليه من خلال أحداث المسلسل، هو أنه كيف يمكن للأمور أن تسير داخل حي كهذا، خاصة لو كان له زعيم ونائب عنه، يفرضان سطوتهما على كل كبيرة وصغيرة تدور بداخله. 
هذا الزعيم أو ما نطلق عليه اسم "الأب" هو إدريس. هذا الشخص، وفق فكرة الحكاية، هو الذي صنع الحُفرة إذا جاز التعبير، ورسَّخ هذه الفكرة في أذهان أبناء الحي بكامله. قام إدريس كوشوفالي بتأسيس الحي، ولم يطلق عليه اسم "الحُفرة"، ولكننا استوحينا اسم "الحفرة" من شكل الحفرة نفسه، الذي يأخذ في البداية شكل مستنقع، ولهذا السبب أطلقتُ عليه اسم "الحفرة". وكان السيد إدريس هو الذي جفَّفَ هذا المستنقع، وأقام عليه بيته ، ثم أخذ الناس بعد ذلك يتجمَّعون من حوله. لهذا السبب كان هذا المكان، سواء من الناحية المادية أو من الناحية الطبيعية، يشبه الحُفرة، ومن ثمَّ أُطلق اسم "حي كوشوفا" نسبةً إلى لقب السيد إدريس، ولكن الشكل الطبيعي أو الواقعي للحي هو أنه يشبه بالفعل الحُفرة. ومن ناحية أخرى، بدأت بعض الأحداث في المسلسل تقترن، بشكل أساسي، باسم الحفرة كذلك، وجرت على ألسنة أبطال هذا العمل جمل من قبيل "من ينزل الحفرة لا يخرج منها"، و"حفرتنا لا تشبه أية حفرة أخرى"، و"نحن بالفعل في حفرة". ومع ذلك، لم يخطر ببال أي منا، في بادئ الأمر، أن يختار هذا الاسم لمسلسلنا. كنا نختار بين عدد آخر من الأسماء، وفي النهاية وافقنا على اقتراح المنتج التنفيذي السيد ياماتش أوكور بأن نطلق عليه اسم "الحفرة". لقد جازفنا باختيار هذا الاسم، الذي بدا حادًا، بعض الشيء، لكونه عملاً تلفزيونياً، ولكن المشاهدين كانوا على درجة من الوعي جعلتهم يتفهمون فلسفة اختياره.  

سؤال: تقول إن إدريس كوشوفالي أسَّس الحي، وأصبح زعيماً له. ألا ترى أن فكرة هذا المسلسل تنطوي، بعض الشيء، على نغمة من "الطائفية" أو فكرة الكوميونات التي تقوم على الولاء لتكتل اجتماعي معين له فكره وعقيدته داخل المجتمع الواحد؟ 

لا يمكنني أن أصف ذلك بكلمة "طائفي"؛ لأنه لا يوجد بين أحداث المسلسل موقف واحد، وقع في حي كوشوفا، يشير إلى هذا المعنى. كل ما في الأمر أن هذا الحي أصبح مكاناً يلجأ إليه الأشخاص المُستبعدون والمُهمَّشون... كان هؤلاء الأشخاص يتجمَّعون في هذا المكان؛ لأن إدريس سمح بفتح الباب أمام الذين لفظتهم حياة المدينة؛ لذا كانوا يتجمعون في نقطة مشتركة. إنها الحفرة التي يتجمَّع داخلها كل الذين يتربَّحون من وراء أعمال غير مشروعة.. ويُسهِّل عليهم هذا الأمر أن كل فرد في هذا المكان يمد يد العون للآخر، ويُعينه على هذا. أي أن الفتاة التي يُطلق عليها خارج هذا الحي اسم "عاهرة" لا تجد من بين ساكني هذا الحي من ينعتها بتلك الصفة. 
وبالمنطق نفسه، لا ينظرون إلى الآخرين على أن هذا يبيع سلاحاً، أو يخطف، أو يسرق وهكذا؛ لأن هؤلاء الأشخاص، من وجهة نظرهم، أناس اضطرتهم ظروف الحياة إلى كسب أقواتهم من هذا الطريق. لهذا السبب، يساعد كل منهم الآخر، ولا يعتبرون ما يقوم به الآخرون مهنة يزاولونها؛ فهم لا يُقيِّمون الشخص من زاوية ما يفعل، ولكن يقيمونه من خلال معاملته وشخصيته. بالفعل هذا مجتمع له طبيعته الخاصة، ومع هذا لا يمكنني أن أطلق عليه اسم "كوميون" أو أصفه ڊ "الطائفي".

سؤال: هل أردتم من هذا المسلسل أن تكشفوا على الملأ ما يعانيه المجتمع التركي من افتقار لمفهوم التضامن؟

 عندما تكتب عن هذه الأمور لا يكون ذلك بمنطق "أن هناك خللًا ما داخل المجتمع، وأنك ستكتشفه". كل ما في الأمر أنه إذا كانت لديك فكرة ما، وكنت ماهرًا في التعبير عنها بشكل ما، فإنك حينئذٍ تكون قد أدركت النجاح. في حقيقة الأمر، إننا جميعًا مجرد أطفال تعساء نعيش في عزلة كبيرة، ننظر إلى الكاميرا ونحاول أن نبدو سعداء في حياة  يقولون لنا إنها جميلة. 
أذكر تعليق بولنت أورتاج جِل على أغنية "شيك لطيفة" للموسيقار فكرت قيزيلوك (أغنية تتناول في فكرتها بنت جميلة مرفهة، سعيدة غير عابئة بمشكلات الحياة)، حين قال إن لطيفة عندما تُزيل مكياجها آخر الليل تصبح كباقي أقرانها؛ وحيدة تعيسة. نحن أيضًا مثل لطيفة هذه عندما نأوي إلى فراشنا نعود تعساء وحيدين، ولكننا لا نريد أن نظهر بصورتنا الحقيقية أمام الناس. أعرف هذا الإحساس جيدًا، وأحاول أن أنسج خيالًا مخالفًا لهذا.  
ليتنا نجد عائلة وحيًّا على هذا الشكل؛ يتعاون ساكنوه فيما بينهم؛ ليس فقط في أوقات الفرح، بل في أوقات المحن والشدائد كذلك، ليت لنا رجالاً في تكاتف هؤلاء. هذه الفكرة هي في حقيقة الأمر نوع من الفانتازيا تُشعرك بالسعادة وأنت تستمع إليها. وأنت عندما تشعر بالسعادة حين تكتب هذه الفانتازيا، فلا بد أن تنعكس سعادتك تلك على الآخرين كذلك، لدرجة أنك قد تكون سببًا في إسعادهم كذلك. ولكن هذا لا يحدث في كل الأحوال.

جوكهان هورزوم
جوكهان هورزوم

سؤال: أجريت أول حوار صحفي لموقع "أحوال تركية" مع السيد أيرجان كيسال، الذي جسَّد دور إدريس كوشوفالي في المسلسل، وسألته عن مكان الحفرة في تركيا، فرد عليَّ قائلًا "حفرتي هي مدينة إسطنبول". أود أن أوجه لك نفس السؤال: أين موقع الحفرة كما تتخيله أنت؟

بالنسبة لي، حفرتي هي تركيا بالكامل. تركيا بالنسبة إلينا هي المهارة والقوة، واللعنة في ذات الوقت، لذلك نرى أن الأعمال التي تحقق نجاحًا كبيرًا هي نفسها التي تمس هذه النقطة، وتحاول نقلها إلينا. ولكن هذا الأمر شاق للغاية.
سؤال: لعبت الموسيقى أيضًا دورًا كبيرًا في نجاح مسلسل "الحفرة"؛ فكلما عُرِضَت أغنية في إحدى الحلقات، رأينا الناس يتغنون بها في اليوم التالي... ما هي المعايير التي اخترتم على أساسها مثلًا موسيقى المسلسل؟
قام بوضع موسيقى المسلسل صديقنا تويجار إشيكلي. لقد قدَّم عملًا رائعًا في حقيقة الأمر، وخاصة في أغاني الجزء الثاني من المسلسل التي برع فيها كثيرًا، على عكس أغاني هذا الجزء، التي أراها ليست بنفس المستوى. أحاول أنا أيضًا الاستماع إلى الموسيقى أثناء عملي؛ لأن الموسيقى تجعلني أكثر اندماجًا أثناء كثابة المشاهد، وتجعلني أتخيل المشهد الخاص بمقطوعة بعينها. وهذا ما حدث مع أغنية "جامد المشاعر" التي استمعت إليها ألف مرة، ولم نستخدمها إلا عندما حان المشهد المناسب لوضعها.
سؤال: يتردد أنكم استوحيتم شخصية إدريس كوشوفالي من شخصية كورت إدريس (أحد أكثر زعماء المافيا شُهرةً في تركيا)، فهل هذا صحيح؟
شخصية إدريس التي عرض لها المسلسل ليست هي كورت إدريس. ربما كانت هناك جوانب مشتركة بين شخصية كورت إدريس، ومن على شاكلته من زعماء العصابات و شخصية إدريس كوشوفالي، ولكننا لا نشير إلى هذا بشكل مباشر في المسلسل.

سؤال: حسنًا، وماذا تقول عن وجه الشبه مع الفيلم الأميركي العرَّاب؟

لم أضع فيلم العراب (أو الأب الروحي) نصب أعيني لأصنع عملًا تركيَّا مشابهًا. ولدت الفكرة لدي عندما  أردت أن أكتب عن عائلة إجرامية، واقترحت لهذه العائلة أن تعيش في حي لا تستطيع الشرطة الوصول إليه، وليكن في مدينة إسطنبول. هكذا كانت البداية. أردت أن يكون هناك نوع من التكامل بين ساكني هذا الحي، وأن يكون لهذه العائلة الإجرامية أب أو زعيم، وأن يترك أحد أبناء هذا الأب المنزل. هذا الابن كوَّن شخصيته بعيدًا عن الآخرين، وبالتالي أصبح مختلفًا تمامًا عنهم. 
ثم تتطور الأحداث، بعد ذلك، وتضطر الظروف ذلك الابن إلى العودة، مرة أخرى، ليتولى زعامة الحي الذي رفضه من قبل. هذه هي الفكرة التي ذهبت إليها، أو بالأحرى، الفكرة التي بلورتها في هذا المسلسل. قد تعتمد الفكرة العامة للمسلسل على الهيكل الدرامي للفيلم؛ حتى يسهل على الناس فهم الأحداث، ولكن هذا في البداية فقط. إلا أنه من يكمل العمل لآخره يدرك أن مسلسل "الحفرة" عمل مختلف تمامًا عن الفيلم الأميركي. 


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/soylesi/cukurun-senaristi-gokhan-horzum-hepimiz-zavalli-yalniz-cocuklariz
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.