يناير 12 2019

سيّدات تركيات يفضحن استهتار الحكومة بمستقبل أبنائهنّ

تراجعت نسبة اعتماد تركيا على الخارج في إنتاج الكهرباء خلال عام 2017 لتصل إلى 61%، بعد أن كانت 51% وفق البيانات الصادرة عام 2016. ويعزى هذا التراجع، حسب رأي الخبراء، إلى عددٍ من الأسباب؛ يأتي على رأسها اعتماد الدولة على مصادر الطاقة "المتجددة والمحلية" في إنتاجها للكهرباء.   

وفي حين تعمد الدولة إلى تقديم محطات الطاقة الحرارية الأرضية (الجوفية) إلى الرأي العام، باعتبارها أحد مصادر الطاقة المتجددة، غير عابئة بما تحدثه مثل هذه المحطات من أضرار كبيرة على البيئة، والحالة الصحية للأهالي الذين يقطنون المنطقة الموجودة في محيطها، نجد أن إنتاج جميع المحطات الموجودة في تركيا، والبالغ عددها 38 محطة لا يتعدى نسبة 2% من إجمالي الطاقة الكهربائية التي يتم توليدها. 

يتمركز السواد الأعظم من هذه المحطات في تركيا في منطقة إيجة، وتحتفظ محافظة أيدين بنصيب الأسد بين سائر المحافظات الأخرى؛ إذ يوجد بها وحدها نحو 17 محطة.. في تلك الأثناء لم تهدأ الوقفات الاحتجاجية، التي يقوم بها أهالي قرية قيزيلجه كوي منذ 120 يومًا، اعتراضًا على وجود محطة على أرض قريتهم. يقول أهالي المنطقة إنه على الرغم من أن الدولة كانت، قبل ذلك، تُشيِّد هذه المحطات على أطراف القرى التي يعيشون بها، إلا أنها أثرت بشكل سلبي على خصوبة التربة في تلك القرى. ومن المؤكد أنه في حالة تشييدها على أراضي القرية فإنها ستقضي تمامًا على جميع مظاهر الحياة داخل القرية. 

حسنًا، ولكن ما السبب الذي يجعل أهالي هذه المنطقة يرفضون وجود محطات الطاقة الحرارية الأرضية على أراضي قراهم، على الرغم من دعم دول العالم قاطبة لهذا النوع من محطات توليد الكهرباء، باعتبارها مصدرًا "آمنًا ومتجددًا" لإنتاج الطاقة؟

أعتقد أن الاجابة عن هذا السؤال تقتضي منا أن نلقي نظرة على تقرير أعدته إحدى اللجان المختصة قبل عامين؛ تلك اللجنة التي كانت بلدية أفالَر التابعة لمحافظة أيدين قد شَكَّلتها لبحث الأضرار الناجمة عن إقامة هذه المحطات في المنطقة. 

ذكر التقرير أن هناك فاقداً بنسبة 12% من حجم السوائل التي يجري سحبها من المياه إلى نظام التبريد، ولعل محطة الطاقة الحرارية الأرضية الموجودة في مدينة جيرمينجيك أبرز دليل على ذلك، كما أن السائل الذي يخرج من أعماق الأرض لا يُعاد حقنه بشكل كامل مرة أخرى.

وهذا يعني أن بعض الغازات السامة مثل النيتروجين، والنشادر، والميثان، وغاز أوكسيد السلفور "الكبريت" لا تترسب في الماء، بل تنطلق، بدلاً من ذلك، إلى الجو. ولا يقتصر التأثير الضار لهذه الغازات غير المتكثفة على البيئة فحسب، بل تعمل على تقليل كفاءة عمل المحطة كذلك.

انتشر مرض السرطان خلال الفترة الماضية
انتشر مرض السرطان خلال الفترة الماضية

تؤكد الأبحاث التي أجراها الخبراء في هذا المجال أيضًا ضرورة أن تكون أماكن إقامة هذه المحطات بعيدة، قدر الإمكان، عن مناطق تَجَمُّع السكان. كما يجب على الشركة المُشغِّلة أن تتحرى أقصى درجات الحيطة والحذر؛ بحيث لا تترك نقطة واحدة من السوائل المسحوبة من أعماق الأرض تسقط على السطح لما تحتويه من مواد كيماوية ومعادن ثقيلة تؤثر بشكل كبير على البيئة المحيطة، وأن تقوم بإعادة حقن هذه المواد مرة أخرى.

ويؤكد الخبراء كذلك أن عدم تحري الدولة الشروط السابقة عند إقامتها تلك المحطات في أيدين كان السبب وراء ارتفاع نسبة الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، ومرض السرطان خلال السنوات العشر الماضية، كما كان السبب وراء انخفاض نسبة خصوبة التربة.

في هذه المرة، وقع اختيار شركة غوريش غروب على محافظة أيدين للاستثمار في إقامة محطة طاقة حرارية في قرية قيزيلجه كوي بقدرة 210 ميغاوات. ومؤخرًا قامت الشركة، دون انتظار قرار المحكمة بشان تقرير تقييم التأثير البيئي، بشراء مساحة من الأرض على مقربة من القرية، وتصدى مسؤولو الشركة، بحماية من أفراد الشرطة، لأهالي القرية، وأحاطوا الأرض بسياج عازل.  

وفي تطور لافت، قامت سيدات أطلقن على أنفسهن اسم "سيدات قيزيلجه كوي" بإقامة سرادقات للمقاومة في ميدان القرية، ورابضن بداخلها. 
نحن بدورنا توجَّهنا إلى أحد هذه السرادقات، والتقينا رئيسة بلدية أيدين السيدة أوزلَم شارشى أغلو، التي أكدت لنا أنها تقوم بزيارة أهالي القرية، ليس من منطلق مسؤوليتها السياسية فحسب، بل لأنها واحدة من مواطني محافظة أيدين كذلك، وأضافت:

"تقوم العديد من الدول حول العالم بإنشاء مثل هذه المحطات، وفق الشروط السليمة لإقامتها. من أجل هذا، لم يتحدث أحد هناك عن تعرُّض البيئة والإنسان والهواء لأي أضرار.  أتحدث منذ عشر سنوات عن الآثار الخطيرة لهذه المحطات في أيدين. رأينا كيف انخفضت خصوبة الأراضي الزراعية، وقلت إنتاجيتها، فضلًا عن الرائحة النَتِنَة، التي تشبه رائحة البيض الفاسد، التي يشمها أي شخص يدخل إلى القرية. من أجل هذا، كانت هذه المحطة سببًا في كثير من الأزمات لأهل القرية، وخاصة أنهم لم يستفيدوا منها في شيء. نعلم أن الدول الأخرى، وخاصة الدول الباردة، تستفيد من إنشاء المحطات الحرارية في تدفئة المدن، وتوفير مصدر طبيعي للمياة الدافئة، أما نحن فلا. أضف إلى هذا أن الدولة سلبت من البلديات حقها في الإشراف على بناء هذه المحطات وتشغيلها كما كنا نفعل في الماضي". 

قامت سيدات أطلقن على أنفسهن اسم "سيدات قيزيلجه كوي" بإقامة سرادقات للمقاومة في ميدان القرية

تلفت أوزلَم شارشى أغلو الانتباه كذلك إلى أن ما يزيد عن نصف اقتصاد محافظة أيدين يقوم بشكل أساسي على الزراعة، وتضيف "لا تقوم المؤسسات المعنية بواجبها على النحو الأمثل. من أجل هذا، سنقف إلى جوار هؤلاء السيدات، ونتصدى لمحاولات الاعتداء على البيئة. أصحاب الشركات التي تقوم بتنفيذ هذه المشروعات لا يسكنون هذه المنطقة. نحن الذين نعيش هنا، ونريد أن نترك لأبنائنا قريةً جميلةً نظيفة. يُحسن الأوروبيون تشغيل هذه المحطات، ولا يتركون مجالاً لوقوع الضرر، على النقيض تمامًا مما تقوم به الشركات لدينا، التي لا تلتزم باشتراطات إقامة هذه المحطات؛ لذلك كان من الطبيعي أن يتأثر الإنسان والبيئة من وجود هذه المحطات".

في تلك الأثناء، علَّقت زهراء دوغرول، وهي إحدى سيدات المقاومة، وتبلغ من العمر 64 عامًا، بقولها "أوروبا تُعلي من قيمة الإنسان وقدره، أما هنا فلا. أشك أن هناك من يعتبرنا بشرًا من الأساس". 

آثار خطيرة لهذه المحطات في أيدين

من ناحية أخرى، أشارت ليلى جيانشَنْ، التي تبلغ من العمر 60 عامًا، وتُعد إحدى رموز المقاومة، إلى تعرُّض عدد من السيدات للسقوط على الأرض، والإصابة بجروح، تزامنًا مع هجوم قوات الشرطة عليهن. تقول ليلى جيانشَنْ إنها عاشت 33 عامًا في إزمير، وقبل ثلاث سنوات فقط قررت العودة إلى قريتها، وتُضيف "جئنا إلى القرية بدافع من الحنين، وللاستمتاع بالهواء النظيف، والطبيعة الخلَّابة، ولكننا فوجئنا بهذه الكارثة تسقط فوق رؤوسنا". 

تقول ليلى جيانشَنْ أيضًا إنها تُرابض في "سرادقات المقاومة" منذ أربعة أشهر ونصف، وتضيف "كنتُ في حقل البامية عندما جاء إليَّ زوجي ليخبرني أن هناك اجتماعًا بشأن المحطات الحرارية. كان هناك ممثلون عن جمعيات معنية بالحفاظ على البيئة. توجهنا بعد ذلك إلى قرى أخرى، ورأينا بأعيننا حجم الضرر الذي لحق بهذه القرى بسبب تلك المحطات. وفي المقابل، جاء إلينا بعض أهالي هذه القرى. كانوا يعرفون كل شيء. بدأنا نتباحث في أمرنا، وها نحن مستمرون في المقاومة منذ 15 أغسطس الماضي".

يتأثر الإنسان والبيئة من وجود هذه المحطات

ختمت ليلى جيانشَنْ حديثها معنا بتوجيه رسالة إلى رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان قائلة "لقد سئمنا، ولم تعد لدينا قدرة على الاحتمال. يقول رئيس الجمهورية إنه يحتضن شعبه. ما دمتَ تفعل هذا، تعالَ إذن إلى هنا، وانظر إلى حالنا، واحتضننا كذلك، ألسنا من شعبك نحن أيضًا؟"

استهلت السيدة عائشة غول، البالغة من 59 عامًا، حديثها معنا بالإشارة إلى أنها ليست من مواليد قرية قيزيلجه كوي، ولكنها تزوجت قبل 38 عامًا وقدمت إلى هذا المكان. ومنذ ذلك اليوم لم تخرج منه، وتضيف: 

عندما قدمت إلى هذه القرية كانت جبالها وأوديتها تفيض خيرًا. كانت الأراضي الزراعية عالية الخصوبة؛ لدرجة أننا كنا نصنع طنين من زيت الزيتون، ونجني عشرة أطنان، على الأقل، من التين في العام الواحد. ولكن منذ أن شيَّدوا هذه المحطات، وتبدَّل الحال؛ فلم نعد نُصنِّع زيت زيتون، أو نجني التين؛ لأن التين يفسد على الأشجار قبل أن ينضج، كما أصيبت أشجار الزيتون كذلك بالأمراض، وتساقطت ثمارها".   

القضاء تمامًا على مصادر المياة في أيدين

في تلك الأثناء، علَّقت السيدة أكان، وهي أيضًا إحدى سيدات المقاومة كذلك، بقولها "قامت هذه الشركات بالعديد من الإسهامات للمنطقة. نحن لا نعارض إنتاج الطاقة في حد ذاته، ولكنهم لا يتَّبعون الاشتراطات السليمة عند التخلص من السوائل الضارة، بزعم أن إعادة حقنها في التربة سيكلفهم الكثير من الأموال، وهذا ما نتصدى له هنا".  

تلفت أكان الانتباه كذلك إلى أن المحطة، التي يُخططون لتشييدها، ستقع على مسافة قريبة للغاية من سد إيكيز دَرَه، وتشير إلى المشكلات التي ستترتب على تلوث مصادر المياة هناك جراء ذلك بقولها:   

"سيتم القضاء تمامًا على مصادر المياة في أيدين، حال إقدام الدولة على تنفيذ هذا المشروع. يوفر سد إيكيز دَرَه احتياجات المنطقة من مياه الشرب والري معًا. ولا شك أن تلوث المياة أمام السد سيترك تأثيرًا سلبيًا على المساحات المزروعة، وعلى صحة الإنسان على حدٍ سواء".   

من ناحية أخرى، تُوجه أكان سهام نقدها إلى المسؤولين في البلدية، والمسؤولين المحليين في المنطقة وتصفهم بالتخاذل، وتضيف "قالت رئيسة البلدية أنها خصصت ميزانية من أجل قياس نسبة التلوث البيئي في المنطقة. 

اجتمعنا معها مرات في السابق، ولكنها لم تفعل شيئاً ذا قيمة منذ عام 2016 إزاء المجازر التي تتعرض لها البيئة في هذه المنطقة، كنا ننتظر من البلدية أن تتخذ خطوات أكثر جديةً".

تقول أكان "إنهم حصلوا على أحكام في 95% من القضايا الخاصة بهذا الأمر، وإن المحكمة بدأت تنتصر للبيئة والمواطنين في مسألة عدم السماح بإقامة مثل هذه المحطات على الأراضي الزراعية القريبة من التجمعات السكنية". 

وتؤكد أكان، في النهاية، أن الطريق لا يزال طويلًا وعرًا أمام أهالي القرية، وأنهم بحاجة إلى دعم جميع المهتمين بهذا الشأن. 

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.