شبح ميونيخ 1938 يخيم على "الصفحة الجديدة" بين تركيا وأوروبا

 

بخلاف المألوف، لم تعد وسائل الإعلام التركية الموالية للحكومة وحدها من تتحدث عن فتح صفحة جديدة في العلاقات الألمانية-التركية (والهولندية-التركية أيضا)، وإنما انضمت إليها هذه المرة الصحافة الأجنبية التي أكدت عودة بعض الدفء للعلاقات بين أنقرة وبرلين.
وقد اعتدنا بالفعل على ترويج الصحافة التركية لهذا الأمر على مدار الفترة الماضية، لكن أن يشيد الإعلام الدولي بالتغيير في الموقف التركي لهو أمر جديد وذو مغزى، لا سيما بالنسبة لمن يعانون من تبعات استمرار الوضع القائم في تركيا، لأنه بخلاف هؤلاء لن يكترث الكثير من الألمان والأتراك تماما بهذا التغيير.
أثناء زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان لبريطانيا في شهر مايو، كنت قد كتبت في مقال على (أحوال تركية) آنذاك: "إن الحكومة البريطانية الأكثر تفهما على الإطلاق بين الدول الأخرى فيما يتعلق بأفعال النظام التركي منذ الانقلاب العسكري الفاشل في يوليو 2016. فقد تبنت حكومة جلالة الملكة، ووزارة الخارجية، والدبلوماسيون البريطانيون بوجه عام، موقفا تصالحيا حيال أنقرة".
وقد اعتادت الحكومات البريطانية المتعاقبة على انتهاج سياسات براغماتية وانتهازية إزاء علاقاتها مع الدول الأخرى. فإذا حدث وكانت المصالح البريطانية على المحك، فإنها لا تتورع أبدا عن التواصل والتفاعل مع أكثر أنظمة العالم فسادا، ووصلت في هذا النهج إلى درجة من البراعة أصبحت من خلالها معروفة بتفوقها في التحركات الدبلوماسية المشبوهة والمنافية للمبادئ عن الدول الأوروبية الأخرى.
لكن حتى الحكومات الأوروبية التي تتظاهر عادة بأنها أكثر تمسكا بالمبادئ باتت في الآونة الأخيرة تبدو عازمة على القضاء على ما تبقى من أشلاء قيمها الأخلاقية، وكأنها لا تريد أن تخسر في هذا المضمار أمام البريطانيين.
فاليوم، تبدو كل الحكومات الأوروبية بلا استثناء، وأكثر من أي وقت مضى، مستعدة لغض الطرف عما كانت تنادي به في السابق بشأن حقوق الإنسان وسيادة القانون وحماية البيئة وغيرها مقابل الحصول على حصة من كعكة الأرباح.
وفيما يبدو فإن حكومات دول القارة الأوروبية قد عقدت العزم على تجاهل منظومة قيمها التي لطالما تشدقت بها لتسير على خطى بريطانيا استنادا إلى قناعاتها بأن عليها التعايش مع أردوغان، وخاصة بعد فوزه في انتخابات شهر يونيو الماضي. ومن الممكن أن ينجح هذا التوجه بالفعل في إعادة الدفء إلى العلاقات الأوروبية التركية، ففي نهاية المطاف، لا يهتم أردوغان كثيرا برأي تلك الدول فيما يجري في تركيا لأنه في حقيقة الأمر لا يريد سوى أموالهم واستثماراتهم.
وبما أن فرص انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي والاتفاقات الملزمة للتكتل الأوروبي (مثل مراجعة اتفاق الاتحاد الجمركي وإعفاء المواطنين الأتراك من تأشيرة الدخول إلى أوروبا وغيرها) قد تمّ تجميدها إلى أجل غير مُسمّى، فإن الدول الأوروبية تبدو أكثر تقبلا للنظام التركي القائم. ومن الآن فصاعدا، سيتم النظر إلى تركيا باعتبارها إحدى ما يسمى "بالدول الثالثة" للاتحاد الأوروبي (دول ليست أعضاء في الاتحاد تتمتع بمزايا اقتصادية في العلاقات مع دول التكتل الأوروبي). وسيكون الفرق الوحيد بين تركيا من جهة وبين جميع الدول الأخرى غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والدول المرشحة للانضمام إليه من جهة أخرى، هو أن تركيا تقع مباشرة بجوار أوروبا.
لكن على الرغم من شعور الاتحاد الأوروبي بالارتياح إزاء انعدام فرص انضمام تركيا إلى عضويته، لا تزال الدول الأعضاء تعاني من صداعين رئيسيين، وكلاهما قائمان على موقع تركيا الجغرافي. فمن ناحية، يمكن أن تهدد أنقرة أمن القارة من خلال تقاربها مع روسيا، وهناك، من الناحية الأخرى، احتمالية تدفق المزيد من اللاجئين والأتراك إلى أوروبا. وفوق كل ذلك، هناك مسألة استثمارات الشركات الأوروبية في تركيا.
ولا يخفى على الكثيرين أنّ مُعظم المحادثات التي تدور حول مساعدة الاقتصاد التركي تتمحور في الحقيقة حول دعم رؤوس الأموال الصناعية والتجارية والمالية للاتحاد الأوروبي في البلاد. لكن كل هذا الدعم لن يسهم سوى في تأجيل المشكلة دون حلها.
فالاتحاد الأوروبي لا يمكنه أن ينتشل بلدا بحجم تركيا من الغرق. وحتى إذا تمكن من إيجاد طريقة لإنقاذها، فسوف يعاني الأمرين في تفسير ذلك التدخل للرأي العام الأوروبي. لذلك، سيكون أفضل ما يمكن للاتحاد الأوروبي فعله هو تمديد فترة سداد بعض القروض الممنوحة للبنوك التركية. ويمكن أيضا للشركات الأوروبية نسيان أمر استثماراتها في تركيا. أما نحن فيجب ألا يغيب عن بالنا أن بنك التسويات الدولية أصدر تقريرا قال فيه إن القطاعين العام والخاص في تركيا يدينان بمبلغ 223 مليار دولار لبنوك دولية، معظمها من أوروبا.
أما فيما يتعلق بالهجرة، فليس هناك بلد في العالم لديه القدرة على إيقاف تدفق اللاجئين. وسيجد المهاجرون واللاجئون السوريون والأتراك بطريقة أو بأخرى وسيلة للفرار إلى أوروبا طالما يشعرون أنهم مهددون بسبب الظروف في أوطانهم الأم.
وفي ظل هذه الأوضاع، يبدو شبح ميونيخ حاضرا بقوة وقريبا من التجسّد على أرض الواقع.
أتحدث هنا بالطبع عن معاهدة ميونيخ لعام 1938 والتي تعد بكافة المقاييس العسكرية والسياسية والدبلوماسية بمثابة نقطة سوداء في التاريخين الأوروبي والعالمي. ولقد ذاقت معظم الدول الأوروبية بالفعل ويلات أخطائها السابقة بمقايضة مصالحها الحيوية مقابل استرضاء حاكم دكتاتوري يعيث فسادا في بلده. وبما أن النظم الديكتاتورية والديمقراطية لا تجمعها أي قواسم مشتركة، فإن الإذعان للديكتاتوريين ليس فقط غير مجدي، وإنما مدمر أيضا. وقد تعلمت دول أوروبا هذا الدرس بعدما مهد اتفاق ميونيخ (الذي أبرم عام 1938 مع ألمانيا النازية) الطريق أمام حدوث إبادة جماعية ونشر الدمار على مستوى القارة.
وعلى الرغم من قسوة الذكريات التي تستحضرها تبعات تلك الاتفاقية، لا تزال سياسة الاسترضاء هي الوسيلة التي تنتهجها الدول الأوروبية في التعامل مع اثنين من جيرانها الخاضعين لحكم ديكتاتوري مطلق: روسيا تحت قيادة فلاديمير بوتين وتركيا بزعامة أردوغان. وهذان النظامان الشموليان سيطالبان دائما بالمزيد من التنازلات ما دامت أوروبا تعمل على استرضائهما.
لكن في حين أن روسيا، حتى بكل مواردها من الوقود الأحفوري ونفوذها الاستراتيجي، لا تستطيع تحمل عواقب مواجهة طويلة الأمد مع الغرب، إلى متى يمكن لتركيا ذلك؟
فإذا نظرنا للوضع الحالي في تركيا، سنرى أن الضعف الهيكلي للاقتصاد المحلي وعجز سياساتها فيما يتعلق بالأزمة السورية يهددان بقرب اندلاع صراع أهلي داخل تركيا نفسها.
ويأتي ذلك في وقت يرتكب فيه نظام أردوغان نفس الأخطاء مرارا وتكرارا ويتجنب تنفيذ إصلاحات هيكلية ليعتمد في نهاية المطاف على رفع أسعار الفائدة لجذب أموال المضاربة بهدف حماية الاقتصاد من الانهيار.
لكن تقويض حكم القانون على نطاق واسع وإدارة الشأن العام بشكل تعسفي ومصادرة الممتلكات الخاصة وافتقار المستثمرين إلى الشعور بالأمان وارتفاع معدلات البطالة واعتماد معدلات النمو فقط على الاستهلاك المحلي للبنية التحتية والطاقة وضعف جهود البحث والتطوير وتردي النظام التعليمي بشكل مروع ونقص الموارد الطبيعية وانخفاض معدلات الادخار والاستمرار في العمل بنظام ضريبي عفا عليه الزمن وتراجع الاستثمار الأجنبي، والآن الهجرة المكثفة للكفاءات خارج تركيا، كلها عوامل تنبئنا بأن الاقتصاد التركي غير قابل للاستمرار بهذه الطريقة.
كما أن سياسات تركيا بشأن الصراع السوري وفوضى الوضع في إدلب التي نجحت حكومة أردوغان في صدها للوقت الراهن هي إشارات على أن تركيا لا يزال أمامها طريق طويل وشاق ستقطعه لا محالة. فمع وجود عشرات الآلاف من الجهاديين داخل تركيا، واضطرار المزيد منهم إلى الفرار من إدلب إلى تركيا، وكذلك انسحاب القوات التركية عاجلا أم آجلا من شمال سوريا، علاوة على الأزمة الاقتصادية المتوقعة والفوضى القانونية في البلاد، تبدو فرص الانفجار الداخلي قوية للغاية ولا يمكن غض الطرف عنها.
وهذه باختصار هي الصفحات المظلمة التي يرفض ضيقو الأفق من الأوروبيين رؤيتها لدى فتحهم صفحة جديدة مع تركيا. لذلك، حظا سعيدا يا سادة!
 

يُمكن قراءة المقال باللغة الإنجليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/germany-turkey/berlin-carnival-and-ghost-munich-1938
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.