هشام النجار
نوفمبر 22 2017

شبكة تجسس تركية.. صيغة تصعيد مصرية لحصار نفوذ أنقرة

القاهرة – تقود التحركات المصرية تجاه تركيا إلى قناعة جديدة تغلق صفحة بدأت بالإطاحة بالرئيس الإسلامي الأسبق محمد مرسي، وتبدأ مرحلة جديدة قائمة على تبني أبعاد متشابكة لسياسة هجومية، أخرها الإعلان عن اعتقال أعضاء شبكة تجسس تركية في القاهرة.
وتضع هذه السياسة الخطوط العريضة للشكل الجيواستراتيجي الجديد الذي تتجه إليه المنطقة من العراق إلى ليبيا. ومن بين أكثر سمات هذا الشكل ثغرات واسعة تتركها تركيا خلفها إثر تراجع نفوذها بشكل حاد، بينما تملأ القاهرة وحلفاؤها هذه الثغرات، وتسعى لتثبيت وضع سياسية له متطلبات مستجدة في المشرق العربي.
وأجبر هذا الواقع الجديد تركيا على التهدئة تجاه نظام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، لكن على ما يبدو أن مزاجا معاكسا يسيطر على صناع القرار في مصر، ويميل كثيرا نحو سلوك متشدد بشكل غير مسبوق إزاء تركيا.
وأعلن النائب العام المصري المستشار نبيل أحمد صادق الأربعاء، بحبس 29 متهمًا 15 يومًا احتياطيًا على ذمة التحقيقات، لاتهامهم وآخرين هاربين داخل البلاد وخارجها، بالتخابر مع دولة تركيا.

وتوزعت الاتهامات بين الإضرار بالمصالح القومية للبلاد، والانضمام إلى جماعة إرهابية، وتمرير المكالمات الدولية بغير ترخيص، وغسل الأموال المتحصلة من تلك الجريمة، والاتجار في العملة بغير ترخيص.

كانت تحريات المخابرات العامة رصدت اتفاق عناصر تابعة لأجهزة الأمن والاستخبارات التركية مع عناصر من تنظيم الإخوان الدولي، على وضع مخطط يهدف إلى استيلاء جماعة الإخوان على السلطة في مصر عن طريق إرباك الأنظمة القائمة في مؤسسات الدولة المصرية بغية إسقاطها.

كشفت التحقيقات أن المتهمين عمدوا لتمرير المكالمات الدولية عبر شبكة المعلومات الدولية باستخدام خوادم بدولة تركيا تمكنهم من مراقبة وتسجيل تلك المكالمات لرصد الأوضاع السلبية والإيجابية داخل البلاد وآراء فئات المجتمع المختلفة فيها وجمع المعلومات عن مواقفهم من تلك الأوضاع، بالاستعانة بالعديد من أعضاء التنظيم الإخواني وآخرين داخل البلاد وخارجها.

ورصدت التحقيقات قيام مجموعة من المتهمين بإنشاء كيانات ومنابر إعلامية تبث من الخارج تعمد إلى توظيف كل ما يصل إليها من معلومات وبيانات، لاصطناع أخبار وشائعات كاذبة لتأليب الرأي العام ضد مؤسسات الدولة.

وتوصلت التحريات التي أجرتها المخابرات العامة إلى أن الأموال التي تدرها عمليات تمرير المكالمات الدولية غير المشروعة، تستخدم في تأسيس تلك الكيانات، كما رصدت التحريات تسريب معلومات من خلال التنصت على المكالمات الممررة إلى جهات الاستخبارات التركية لاستغلالها في تجنيد عناصر داخل البلاد لارتكاب أعمال عدائية بها.

وأذنت النيابة العامة بتسجيل ما يجريه المتهمون من محادثات تليفونية ولقاءات ومراسلات على مدى شهور كشفت عن حلقات من المخطط والمشاركين فيه، كما كشفت عن شركات عديدة تم استخدامها كستار لغسل الأموال المتحصلة من تمرير المكالمات التليفونية تمهيدًا لإمداد جماعة الإخوان بها لتمكينها من تنفيذ مخططاتها ضد الدولة المصرية.

هذا التطور المهم يعكس عزم مؤسسة القضاء والأجهزة الأمنية المصرية على أن تخطو خطوة مماثلة لما حدث مع الجانب القطري بشأن دعم النظام التركي للتنظيم الدولي للإخوان، وتوفيره المناخ الخارجي لقادة الإخوان الهاربين بما يسهل عليهم القيام بما من شأنه الإضرار بمصلحة الدولة المصرية وأمنها القومي.

يحمل هذا التطور رسالة للنظام في تركيا لأنه ترسخت قناعة منذ إقدام دول المقاطعة لقطر على اتخاذ موقفها الحاسم من النظام القطري، مفادها ضرورة اتخاذ مواقف أكثر صرامة مع كل القوى الداعمة للتنظيمات الإرهابية، وكانت مقاطعة قطر قد سبقتها إحالة قيادات كبرى في جماعة الإخوان للمحاكمة بتهمة التخابر مع قطر.

هذا التحرك الذي يحمل قدرًا من الإقدام ويعكس امتلاك مصر الإسناد السياسي له بالنظر لحجم تركيا الإقليمي وإمساكها بعدد من الملفات الإقليمية التي تتقاطع مع المصالح المصرية، يرتبط بامتلاك مصر حصانة التحرك من منطلق مساهمتها ومشاركتها في مكافحة الإرهاب.

وبفضل هذا المتحالفين صراحة أو ضمنا في الحرب على الإرهاب حلت العديد من القيود التي كانت تعوق التحرك المصري على محاور عديدة منها التعامل العسكري المباشر مع معسكرات الإرهابيين في ليبيا، والدخول في التحالف العربي لاتخاذ مواقف أكثر حسمًا وتشددًا مع الدول الراعية للمنظمات الإرهابية.

التحقيقات الخاصة بالقضايا المتهم فيها شباب جماعة الإخوان المنضوين لخلايا "حسم" و"لواء الثورة" وجميعها عمليات اغتيال سياسيين وقضاة ورجل شرطة وضباط جيش والهجوم على كمائن ومرتكزات أمنية وعسكرية، تكشف اعترافات مفصلة بالتواصل والتنسيق مع تنظيمات جهادية مسلحة من جهة، وبقيادات إستخبارية أجنبية من جهة أخرى.

وتطور أداء خلايا الإخوان المسلحة خلال عامي 2014م و2015م نتيجة الدعم غير المحدود معلوماتيًا واستخباريًا وماديًا الآتي من تركيا تحديدًا ومن قيادة التنظيمات المركزية هناك بقيادة مجموعة من قيادات الإخوان المقيمين بتركيا وعلى رأسهم يحيى موسى، بما مكنها من القيام بعمليات نوعية منها اغتيال النائب العام المصري المستشار هشام بركات.

وتباشر جماعة الإخوان العنف فعليًا على الأرض منذ أربع سنوات، وكان التعاطي الوظيفي الإقليمي مع التنظيمات الإرهابية عامل نفوذ وقوة لها، فقد مكنها من مواصلة عملياتها مع التخديم على مواقفها إعلاميًا عبر التحريض الديني والسياسي من فضائيات تبث من تركيا.

لا يوجد دعم يخلو من أغراض التوظيف السياسي فالدول لا تقدم شيئا مجانًا، وجماعة الإخوان منذ سقوط مشروعها في السلطة تحولت لخدمة سياسات ومصالح ومشاريع دول خارجية.

وغدا العمل العسكري وشن هجمات على الشرطة المصرية وسيلة رئيسية لجماعة الإخوان في صراعها لاستعادة السلطة، وهو ما يفترض سلفًا وجود مسلحين محترفين ومصادر دعم خارجي لوجستي ومالي كبير ومستمر، علاوة على توثيق العلاقات مع دوائر استخبارات خارجية.

في الواقع يصعب تصور وجود جماعات سياسية مسلحة لا تعتمد في مواردها وتمويلها على الدعم الخارجي خاصة الميليشيات الطائفية أو الأيديولوجية الطابع، وكانت الأصابع تشير منذ البداية إلى كل من قطر وتركيا بالنظر للمصالح السياسية التي تعود عليهما في ملفات توظيف الإسلام السياسي بالمنطقة العربية.

ومرد ذلك إلى أن تركيا تحالفت وما زالت تتحالف مع قطر ومع جماعة الإخوان المسلمين ضمن محور كان له تأثيره الواضح خلال السنوات الأولى لما أطلق عليه الربيع العربي على الأحداث بالمنطقة، وقد تلقى هذا المحور ضربة كبيرة بإقصاء الجماعة عن مقاعد السلطة في مصر نتيجة ثورة شعبية أيدها الجيش مما أثر بشكل سلبي على نفوذ وحضور تركيا في باقي الملفات خاصة الليبي والسوري.

وبدا أردوغان واهما في تلميحاته بشأن التدخل في شؤون الدول العربية بزعم أنها كانت في السابق جزءًا من الدولة العثمانية، وعازم على استغلال النفوذ الديني المغلف بالأطماع العثمانية الجديدة للتدخل في الشؤون العربية، وهذا بطبيعة الحال لن يتحقق إلا من خلال مباشرة ممارسات غير مشروعة بالشراكة مع جماعة الإخوان، تضر بالأمن القومي المصري.

واعتبرت تركيا أن مصر هي بوابتها الرئيسية لتنفيذ مشروع السيطرة على الفضاء العربي السياسي بوكالة من جماعة الإخوان في السلطة، وبعد سقوط حكم الإخوان أغلقت تلك البوابة وكان لذلك وقعه السيء على  صانع القرار في أنقرة، الأمر الذي أربك مخططات حكومة أردوغان.

بعد هذا التطور (التجسس) تجد جماعة الإخوان نفسها في مأزق، لأن تركيا مثلت السند الثاني لها بعد قطر، ومع  مباشرة مواقف أكثر حسمًا في الملف الدعم التركي ستصبح جماعة الإخوان بدون غطاء ولا دعم إقليمي، وهذا سيضعف موقفها كثيرًا في الداخل المصري.

وتجد مصر أنها في حاجة للاستقرار الأمني حتى يسهم في تحقيق الاستقرار السياسي والعبور من المرحلة المضطربة غير المستقرة بأمان وبأقل الخسائر الممكنة، لذلك فالدولة لم تعد في وارد ترف التعامل مع هذه الملفات الحساسة بمرونة أو تردد.

ولن يتم حماية ذلك إلا بوقف اختراقات القوى الإقليمية ونفوذ التنظيمات المسلحة التابعة لها في العمق العربي، وجميعها ثبت لعب تركيا تلعب دورًا محوريا في نشاطاتها.