شعب أم شعوب؟ اليسار التركي يكافح لتحديد الهوية

أول شيء يتعثر فيه الكثير من الناس، ومنهم الصحفيون والمعلقون الأجانب، عند الحديث عن حزب الشعوب الديمقراطي هو مكان الفاصلة العليا عند كتابة اسمه بالإنجليزية. هل هي People’s  أم Peoples’؟
في اللغة التركية الفرق واضح تماما بين كلمتي (Halkin  و Halklarin ) على الترتيب، لكن الكلمة الأخيرة وهي الجمع تشير إلى شعار اجتماعي مهم ومعروف جيدا وهو: "Halklarin Karadesligi"
العبارة الأخيرة هي بالانجليزية Fraternity of Peoples وتعني "الإخاء بين الشعوب" رغم أن كلمة Fraternity تخون الحياد في المساواة بين الجنسين الذي تحافظ عليه العبارة باللغة التركية وربما تكون كلمة أخرى بمعنى الرفقة أو الزمالة أفضل في هذا الموقف، أو بالنظر إلى الالتزام القوي لحزب الشعوب الديمقراطي تجاه المساواة بين الجنسين، لماذا لا تتم ترجمة الشعار إلى عبارة "الشعوب الأخوات"؟
لكن الشعار يشير إلى انقسام عميق داخل اليسار في تركيا بوجه عام: بين هؤلاء الذين يرغبون في الاعتراف بتعدد الشعوب بين أتراك وأكراد وأرمن ويونانيين وعرب ويهود وسريانيين وغيرهم، وبين أولئك الذين ينكرون هذه التعددية بقمع الاختلاف تحت فكرة المواطنة التركية.
المجموعة الأخيرة تزعم أنها يسارية وترى أن تفسيرها للمواطنة التركية هو أنها مواطنة غير عرقية وعالمية وأنه علامة مميزة لليسارية. إنهم يرفضون منح حقوق مرتبطة باللغة (مثل استخدام الكردية كلغة للتدريس في التعليم العام) للشعب الكردي ويعتبرون أي سياسة تعترف بالاختلاف العرقي بأنها تمنح الأولية للعرق ولذلك فإنها رجعية.
في المقابل، يمثل حزب الشعوب الديمقراطي شريانا مهما في جسد اليسار في تركيا الذي يعترف بأن "تركية" الدولة التركية ليست ولم تكن مطلقا حيادية وأن لغة الحديث "العالمية" لليسار الجمهوري في تركيا تخفي "تميزا للبيض" غير معترف به وأن هذا النهج من الحديث أشدا تدميرا.
في السنوات الأخيرة، مشكلة "تميز البيض" الأتراك هذه وهيمنتها على اليساريين الأتراك الذين يزعمون أنهم "عالميين" حظيت بتحقيق ممنهج من باريش أونلو الخبير السياسي الذي كان من بين آلاف الأكاديميين الذين شملتهم أوامر تنفيذية بعمليات تطهير بناء على حالة الطوارئ القائمة منذ 18 شهرا.
وفي كتاب جمع فيه أبحاثه عن هذه القضية سمى أونلو هذه الظاهرة باسم "عقد التركية" وقال إن التذرع بالعالمية يخفي تسلسلا هيكليا لا ينظم البيروقراطية وحسب بل التشكيل الاجتماعي برمته.
ومن هذا المنطلق، فإن ما يبدو أنه خطأ بسيط فيما يخص مكان الفاصلة العليا في اسم حزب الشعوب الديمقراطي يعد انقساما كبيرا للغاية داخل الطوبوغرافيا السياسية لليسار في تركيا. وحقا، يركب الكثير من الناس موجة هذا الاختلاف.
أولا، يستند البقاء السياسي للرئيس رجب طيب أردوغان على هذا الاختلاف. الآن، وفي ظل الحرب في منطقة عفرين السورية قلت بشدة احتمالات تحول حزب الشعب الجمهوري المعارض باتجاه تشكيل جبهة موحدة مع حزب الشعوب الديمقراطي ضد إجراءات أخرى لأردوغان تهدف لإحكام قبضته على السلطة.
وبتجريم حزب الشعوب الديمقراطي ووضعه في إطار انه لاعب انفصالي، يبذل أردوغان كل ما في وسعه لإثارة شقاق بين اليساريين الذين يؤمنون بتعددية شعوب الأناضول وبين هؤلاء الذين يزعمون أنهم لا يرون خلافات هوية. لكن رغم إنكاره وجود هذه الاختلافات المنظمة هيكليا فإنه يسهم في تكاثرها وتقويتها.
كل هذا ينقلنا إلى رؤية حزب الشعوب الديمقراطي كمشروع يتحدث إلى كل تركيا. هنا التعبير هو (تيركيللشميك) وتعني "الأجدر بتركيا" والتأكيد ليس على القومية (التركية) كعرق ولكن على الدولة (تركيا) كبوتقة للكثير من الشعوب دون محو هوياتهم.
يقول معظم المعلقين والمثقفين إنه بعد انتخابات السابع من يونيو عام 2015، لم يلتزم حزب الشعوب الديمقراطي بمهمة "الأجدر بتركيا". لكن بالنظر إلى الوراء من موضع رؤية يكشف بوضوح الجنون القومي في تركيا اليوم يظهر أن الأتراك هم من فشلوا في الالتزام بمهمة "الأجدر بتركيا".
اليوم، حتى الكلمة نفسها محرمة في الأحاديث العامة لأنها تستحضر السلام الفاشل أو وقف إطلاق النار وهي عملية يسعى أردوغان ومسؤولو حزب العدالة والتنمية الحاكم بأقصى جهد لمحوها من الذاكرة الجماعية لأنها تتعارض مع أسلوبهم القومي المتشدد في الوقت الراهن.
وربما يكون هذا هو الهدف الحقيقي وراء العملية العسكرية التركية في عفرين. لمحو رؤية عملية السلام الديمقراطية التي بنى عليها حزب الشعوب الديمقراطي حصته القياسية من الأصوات التي بلغت 13 في المئة في انتخابات السابع من يونيو 2015.
ولكي يظل حزب الشعوب الديمقراطي فاعلا سياسيا قويا في تركيا فعليه أن يحافظ على هذه الرؤية حية في هذه الأيام المظلمة، على الأقل ليجعل الحياة أكثر صعوبة على هؤلاء الذين يرغبون في محو كلمة السلام من القاموس.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/hdp/people-or-peoples-turkish-left-grapples-identity