ديسمبر 21 2018

شملت بلال أردوغان، تحقيقات الفساد التاريخية في ذكراها الخامسة

 

مضت خمس سنوات على أكبر فضحية فساد ورشوة شهدتها تركيا على مدى تاريخها الطويل. ومع أن "17 / 25 ديسمبر 2013" عاد للأذهان مرة أخرى بالاعترافات المثيرة التي أدلى بها بطل الفضيحة رجل الأعمال التركي من أصل إيراني رضا ضراب أمام المحاكم الأميركية، إلا أنه أصبح اليوم مجرد أرقام تاريخ عقب الحكم بعدم لزوم متابعة القضية، بعد أن انحفر في الذاكرة الجماعية بالملايين المخبوءة في علب أحذية وإخفاء أموال هائلة في صناديق نقود فولاذية.
في الساعة الخامسة والنصف من صباح يوم 17 ديسمبر 2013، انطلقت عملية في كل من إسطنبول وأنقرة في إطار ثلاثة تحقيقات منفصلة، أسفرت عن توقيف 89 شخصًا، في مقدمتهم باريش جولر؛ نجل وزير الداخلية في ذلك الوقت معمر جولر، وصالح كاغان تشاغلايان؛ نجل وزير الاقتصاد ظافر تشاغلايان، وعبد الله أوغوز بايرقتار؛ نجل وزير البيئة والتخطيط العمراني أردوغان بايرقتار، والمدير العام لبنك "خلق" الحكومي سليمان أصلان، ورئيس بلدية "فاتح" في إسطنبول مصطفى دمير، ورجلي أعمال هما علي آغا أوغلو ورضا ضراب، بالإضافة إلى إلقاء القبض على أموال طائلة في منازلِ ومواقع المتهمين.
زكريا أوز، وكيل نيابة إسطنبول في ذلك الوقت، كان من ينسّق ويشرف على العملية، ووجه للموقوفين تهمًا عديدة تضمنت "الرشوة، سوء استخدام السلطة، الفساد في المناقصات، التهريب، تبييض أموال سوداء، تهريب الذهب، التوسط لدعارة غير مرخصة" وغيرها. واستندت العملية إلى ثلاثة تحقيقات منفصلة وهي: ممارسة الفساد في إدارة التنمية السكنية التابعة لرئاسة الوزراء "توكي" (TOKİ)، وتعاطي الرشوة في بلدية فاتح، وتقديم رضا ضراب رشاوى لأبناء الوزراء.
 
لقد أمرت المحكمة باعتقال نجلي الوزيرين باريش جولر وكاغان تشاغلايان بتهمة "التوسط في تقديم وتلقي رشاوى"، ورضا ضراب بتهمة "تقديم رشاوى وتأسيس تنظيم إجرامي"، ومدير بنك خلق بتهمة "تلقي رشاوى"، بينما قضت بإخلاء سبيل وزير البيئة والتخطيط العمراني عبد الله أوغوز بايرقتار قيد المحاكمة.
 
ولكن بعدما قال رئيس الوزراء آنذك رجب طيب أردوغان تعليقًا على بدء العمليات في 17 ديسمبر 2013: "إن الذين يستندون إلى بؤر مظلمة وعصابات مافيوية لا يمكنهم أن يفرضوا علينا تنفيذ مخططاتهم في البلاد"، انطلقت عمليات مضادة استهدقت المشرفين على تلك العملية في جهازي الأمن والقضاء. فبعد يوم واحد من العملية تعرض خمسة من قادة الشرطة للإبعاد عن الوظيفة، بما فيهم قادة شعب الشرطة المالية والجرائم المنظمة ومكافحة الإرهاب. كما صدر قرار بنقل مدير أمن إسطنبول حسين تشابكين وتعيين والي مدينة أقسراي سلامي آلتنوك خلفًا له، فضلاً عن قرارات نقلٍ وتشريد طالت مجموعة من قادة الشرطة في شعب إسطنبول وإزمير وأنقرة. ثم أعقب ذلك اعتقال الشرطيين المشرفين على التحقيقات. ومن ثم أجرت الحكومة تغييرًا على اللائحة التنفيذية للقوانين أوجب على الشرطيين تقديم معلومات عن تحقيقاتهم لقادتهم من النواب العامين. 
 
وما مضى إلا بضعة أيام لتبدأ في 25 ديسمبر 2013 الموجة الثانية من العملية، وهذه المرة بقيادة النائب العام معمر أكاش، حيث طالب بتوقيف 41 شخصًا، معظمهم رجال أعمال. وكانت الاتهامات الموجهة إليهم تفوق بكثيرٍ تلك التي وجهت في إطار الموجة الأولى من العملية. إذ كتبت تقارير صحفية في ذلك الوقت أن النائب العام اتهم أبناء الوزراء ونجل أردوغان بلال أردوغان وشركائهم بنهب المال العام، واستصدارِ رخص لشركات معادن للذهب بطريقة غير قانونية، وممارسة ضغوط على الموظفين العامين في الوزارات من أجل التدخل في مناقصات الخصخصة، واستقبال رجل الأعمال السعودي ياسين القاضي وتخصيص حرس لحمايته وتأسيس علاقات تجارية معه، وذلك رغم أن اسمه كان مدرجًا في ذلك الوقت ضمن قائمة الأمم المتحدة للأشخاص الداعمين للإرهاب، وكان محظورًا دخوله إلى تركيا وفق قرار صادر من مجلس الوزراء.
 
بلال أردوغان كان ضمن الأشخاص الذين استدعاهم النائب العام معمر أكاش للاستجواب. لكن في سابقة هي الأولى من نوعها في تركيا، رفض القادة والموظفون الشرطيون الجدد الاستجابة لأوامر النائب العام، لتنتهي العملية قبل أن تبدأ! 
 
ثم أعلن الوزراء الثلاثة استقالتهم من مناصبهم بعد الموجة الثانية من عملية الفساد في 25 ديسمبر 2013. في حين أن الوزير أردوغان بايرقتار قال في اتصال هاتفي على الهواء مباشرة مع قناة (أن تي في): "القسم الأعظم من مخططات البناء والإعمار الواردة في ملف التحقيق صدرت الموافقة عليها بتعلمات من رئيس الوزراء أردوغان نفسه، لذا يجب عليه الاستقالة من منصبه أيضًا"، التصريحات التي أثارت ضجة كبيرة حينها في الرأي العام.
 
أجرى أردوغان في اليوم ذاته تغييرًا وزاريًّا في حكومته، دون أن يخصِّص أي حقيبة وزارية للوزير المسؤول عن شؤون الاتحاد الأوروبي أجامان باغيش، الوارد اسمه في ملف تحقيقات الفساد، إلا أنه لم يتخذ أي إجراء قانوني بحق الوزراء المتهمين.
لقد تداولت وسائل الإعلام حينها أخبارًا زعمت أن وزير الداخلية الجديد أفكان علاء خصّص حرسًا خاصًّا لحماية أفراد عائلة أردوغان، وحال دون صدور قرارات اعتقالات محتملة قد تطال العائلة، بل أمر كذلك بـ"قتل كل من يقترب من العائلة مهما كانت هويته".
 
حملت الحكومة جماعة فتح الله غولن مسؤولية عمليات 17 / 25 ديسمبر 2013، زاعمة أنها تغلغلت في أجهزة السلطة التنفيذية والقضاء بصفة خاصة، وأصبحت "دولة موازية"، من جانب؛ ومن جانب آخر بادرت إلى إخراج القنوات التلفزيونية والمؤسسات الإعلامية الأخرى المحسوبة على الجماعة من القمر الصناعي التركي، لبثّها عمليات الفساد، بالإضافة إلى فرض حراسة قضائية على صحفها اليومية، واعتقال الإداريين المشرفين عليها.
فضلاً عن ذلك، فإن الحكومة استصدرت قرارًا قضائيًّا حظر النشر حول التطورات التفصيلية فيما يتعلق بالتحقيقات الجارية. غير أن لقطات عمليات التوقيف والاعتقال والصور الخاصة بها، والمعلومات المتعلقة بالمتابعة المادية للشرطة، والتسجيلات الصوتية المنسوبة إلى بلال أردوغان ووزراء وصحفيين ورجال أعمال انتشرت في الإنترنت انتشار النار في الهشيم. وكانت تسجيلات المكالمة الهاتفية التي جرت بين أردوغان ونجله بلال من بين ما تسرَّب إلى الإنترنت. كما أن 4 ملايين دولار عثر عليها في صناديق أحذية بمنزل مدير بنك خلق، وكذلك صناديق النقود الفولاذية المشفرة في منزل باريش جولر؛ نجل وزير داخلية تلك الفترة معمر جولر، كانت فرضت نفسها على أجندة تركيا وصارت حديث الرأي العام حينها. 
 
وفي الوقت الذي اعتقلت إيران بابك زنجاني، الصديق المقرب لرضا ضراب، بتهم مشابهة؛ أقدمت تركيا على إخلاء سبيل كل من المتهمين رضا ضراب وسليمان أصلان وباريش جولر وكاغان تشاغلايان. إذ قضت النيابة العامة في إسطنبول، على خلفية تحقيق استغرق 11 شهرًا، بغلق ملفات الفساد وعدم لزوم المتابعة في 17 أوكتوبر 2014، ووجهت في الوقت ذاته تهمة "السعي للإطاحة بحكومة الجمهورية التركية" إلى النواب العامين والشرطيين الذين أشرفوا على التحقيقات.
 
ترجح المصادر أن كلاً من النائبين العامين جلال قارا ومحمد يوزجيتش المزعوم انتماؤهما إلى جماعة غولن، وكذلك النائب العام زكريا أوز الذي كان المشرف العام على التحقيقات، ومعمر أكّاش الذي أطلق الموجة الثانية للعملية هربوا إلى خارج تركيا.
 
وعلى الرغم من تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في الاتهامات الموجهة إلى الوزراء الأربعة، إلا أن البرلمان رفض مقترح المعارضة الذي طالب بمحاكمة الوزراء في المحكمة العليا، وذلك بفضل الأغلبية الساحقة لنواب حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وهكذا تم إسدال ستار أسود على فضائح الفساد الكبرى في تاريخ تركيا!
 
لقد أجرينا حوارًا مع كل من نائب حزب الشعوب الديمقراطي الكردي مراد تشبني، ونائب حزب الشعب الجمهوري جورسال تكين حول تداعيات عملية 17/25 ديسمبر 2013 على حاضرنا. فأكد السيد تشبني أن السلطة السياسية أنشأت نظامًا اقتصاديًّا جديدًا من خلال ممارسات الفساد والرشوة، مردفًا:
"إن هذا النظام القائم على النهب واللصوصية طوّر لنفسه آلية دفاع تزعم أن أعداء الداخل والخارج يقفون وراء كل السلبيات والمشكلات التي تواحهها تركيا منذ عملية 17/25 ديسمبر".
 
فيما نوّه السيد تكين بأن حجم الفساد الذي وصل إلى 80 مليار يورو وفق التحقيقات، يكشف المستوى الذي بلغته دولة الفاسدين في البلاد، لافتًا إلى أن الحكومة قضت على دولة القانون بغلق ملفات الفساد، وتوفيرِ حصانة سياسية للفاسدين، وأثبتت أن القوي فوق الدستور والقانون، ثم عقّب بقوله: "لذا لا يمكن الحديث عن القانون والحقوق في تركيا بعد ذلك التاريخ. فقد تحوّل القضاء اليوم إلى سيف بيد السلطة يمارس من خلاله القمع على المعارضة المجتمعية في البلاد".
 
واختتم السيد تكين تصريحاته قائلاً: "إن الذين يسلبون الدولة لا يسلبون الأموال فقط، بل يسلبون أيضًا حقوق الناس، لكي يضمنوا استمرار نظامهم. كل الآلام التي نتجرعها اليوم، والفقر الذي نعاني منه، والمحظورات التي تعرقلنا، نابعة من هذا النظام الفاسد. لذا أرى أن النضال من أجل تغيير هذا النظام واجبُ كلِّ مواطن نبيل".
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
 

https://ahvalnews.com/tr/17-25-aralik/17-25-araliktan-bes-yil-sonra-devleti-soyanlar-sadece-para-calmazlar
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.