عمر تاشبنار
نوفمبر 21 2017

شهادة وفاة للشراكة التركية - الأميركية

 

حان الوقت للاعتراف بأن تركيا وأميركا وصلتا نقطة النهاية كشريكين موثوقين؛ فلم يتبق شيء كثير من اتفاقهما الاستراتيجي التاريخي، ويمكن القول إن هذه الشراكة تحولت إلى مجرد علاقة زواج شكلي.
ولكنه وإن تم الاعتراف بهذا؛ فثمة سؤال يطرح نفسه: إلى أي نوع من الطلاق تتجه هذه العلاقة والاقتران؟ هل هي عملية طلاق بالتراضي؟ أم أنها قضية طلاق سيئة؟ ذلك أنه يصعب تدريجيا العثور على ميزة معقولة في هذا الزواج الشكلي. وبقدر ما نعجل في قبول هذه الحقيقة بقدر ما نكون ناجحين في عملية التحكم بتوقعاتنا. إنني لا أتحدث هنا عن عملية انتقال من شراكة "شكلية" إلى شراكة "إجرائية/فعالة". فكل العلاقات فعالة في النهاية. ليس هناك شيء يدعى الحب غير المشروط في العلاقات الدولية.
إن أكثر العلاقات استراتيجية تقوم على التوقعات والمنافع المتبادلة. ويصعب الحديث عن وجود عمل قوي - بل وحتى عن حوار بناء- بين الطرفين في الآونة الأخيرة. إن ما نعرفه بخصوص العلاقة بين أنقرة وواشنطن هو خيبة أمل ضمن الطرفان حدوثها. ولكم أن تنظروا إلى الأحداث المحبطة التي تحققت مؤخراً وتتفحصوها.
إنها قائمة مطولة: مغامرة العشق المسلح الأمريكية مع أكراد سوريا، وحكاية "في انتظار غولن"، وفيلم الرعب المسمى "اعترافات رضا ضراب"، وأداء طاقم حراسة أردوغان الخاص لرياضات الشرق الأقصى (سيعرض قريباً في دور العرض)، وقصة عشق أردوغان وبوتين والتي يمكننا أن نسميها "درجة إس-400 من اللون الرمادي"، و"أزمة التأشيرات" التي تسببت في الإبعاد المتبادل للمواطنين من كلا الطرفين والتي أدى لها اعتياد تركيا على القمع والعنف داخليًا. إن علاقة الزواج الشكلية هذه تحتاج بالدرجة الأولى إلى مساعدة الأخصائيين. ليس غريبًا أن يرى 72 من الأتراك أميركا أكبر أعدائهم.
ناهيكم عن المزاح فإن الشراكات، ولا سيما التي تطمح إلى الاستراتيجية، تستلزم وجود أسس محددة وواضحة. والأسس التي تجعل الشراكة التركية الأميركية خاصة بشكل ما ليست موجودة بقدر كبير حاليًا. وإنني استخدم هنا عبارة "بشكلٍ ما" لأنه حتى أفضل الأيام في فترة الحرب الباردة لم تكن "العصر الذهبي" لهذه الشراكة.
دعونا نتذكر إزالة صواريخ جوبيتر التي كانت في تركيا عقب أزمة الصواريخ الكوبية وحظر  التسليح الأميركي بعد العملية التركية العسكرية في قبرص عام 1974م. كل هذا حدث في تلك الحقبة التي اعتبر فيها البلدان روسيا السوفيتية تهديدًا وجوديًا مشتركًا. لقد كان لهذه الشراكة مشاكلها دائمًا.
ومن المروع فقدان العدو المشترك في الحياة؛ كما هو الحال في العلاقات السياسية والدولية تمامًا. يقال إن الإرهاب احتل مكان الاتحاد السوفيتي كتهديد وخطر مشترك. غير أن الإرهاب بديل ضعيف جدًا باعتباره تهديدًا وجوديًا، لأنه غامض وعام بالمقارنة بقوة نووية عظمى مجاورة لتركيا حدوديًا.
وجدير بالذكر أن لدى أنقرة وواشنطن تعريفات مختلفة للغاية عن الهوية الحقيقية للإرهابيين. فحسب المسؤولين الأتراك لا يشكل العنف الجهادي المتطرف خطرًا وجوديًا عظيمًا مثل الأكراد العنصريين الاتفصاليين.
يشكل حزب العمال الكردستاني، وفتح الله غولن مؤخرًا الجماعات الإرهابية الرئيسة بالنسبة لتركيا. وتجدر الإشارة إلى أن واشنطن تداعب وتلعب بوجود حزب العمال الكردستاني في سوريا، ولن تُسلم فتح الله غولن الذي يعيش بشكل واضح للعيان في واحة "بوكونو" بولاية بنسلفانيا الأمريكية.
ولكننا حين ننظر إلى الوجه الآخر من العملة، فإن واشنطن أيضًا ليست راضية عن أنقرة. وكانت تركيا تُتهم دائمًا بدعم الجماعات الجهادية في سوريا. إذن فالظروف مواتية لحدوث الطلاق بين البلدين؛ فمن الصعب إلى حد كبير تخصيص مساحة للظرف والدقة الدبلوماسية في بيئة اختلفت فيها المصالح لسبب ما.
حسن، ولكن ماذا عن القيم المشتركة؟ علينا أن نكون واقعيين في هذا أيضًا. إذ يصعب تدريجيًا افتراض أن تركيا ديمقراطية. وعندما نضع في الاعتبار خيبة الأمل التي تشعر بها تجاه الناتو والاتحاد الأوروبي يصعب بالقدر نفسه أيضًا افتراض أنها عضو فخور في تحالف ما وراء الأطلسي. استمعوا إلى الخطاب الشعري لأردوغان عن منظمة شانغهاي للتعاون وأحبابه الأورو-آسيويين.
ولكن انتظروا لحظةً، أليس هناك قاسم مشترك مهم بين البلدين؟ إن الإجابة على هذا السؤال: "بلى"؛ إنها الزعامة القومية والشعبية. إن أردوغان وترامب يمتلكان مزاجًا استبداديًا مماثلًا، وعمقًا فكريًا ثقافيًا. ولكنه إن كان لا بدّ من الإنصاف فكلا الزعيمين يعملان في نظامين مختلفين كثيرًا.
أميركا بلد يسود فيها التوازن والمراقبة حيث توفرهما القوانين والدساتير؛ إذ تنفصل فيها السلطات الإعلامية والتشريعية والتنفيذية والقضائية عن بعضها البعض، ويكفل ذلك القوانين والدساتير.
وعلى الجانب الآخر لم يكن لدى تركيا الخبرة العالية في مجال الديمقراطية الليبرالية. فتركيا التي ظلت بلدًا غير ليبراليٍ دائمًا، دولة إيديولوجية بالدرجة الأولى رزحت تحت حكم الكمالية سابقًا، وهي الآن تئن تحت الحكومة التي شخصنها أردوغان. كان استبداد الأقلية موجودًا مع الكمالية: كان الضباط من أصحاب المناصب العليا يصدرون القرارات من وراء الكواليس.
أما الآن فقد تحول استبداد هذه الأقلية إلى استبداد الأغلبية، تزامنًا مع أردوغان، ونحن جميعًا نعرف المحطة الأخيرة التي وصلتها البلاد بسبب استبداد الأغلبية. ومن المأمول أن تخرج أمريكا بعد سنوات قليلة من الكابوس المخيم عليها تحت إدارة ترامب، إلا أن تركيا أردوغان تسير على أرضية زلجة نحو نوع من الفاشية. هذا هو الفارق بين حظ البلدين العاثر.
نعم، هذه صورة متشائمة لأقصى درجة. لكنني أرى أن مواجهة هذه الحقيقة وخفض التوقعات أفضل من اللهث وراء مجرد آمال "تفاؤلية". لقد حان الوقت لحدوث "موت واضح" واقعي بعد طلاق بالتراضي.
 

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: