Yavuz Baydar
يوليو 11 2018

شيء مخيف جاثم على صدر تركيا!

وكأن كل شيء كان يسير وفق سيناريو تم إعداده بشكل دقيق للغاية.

فالسنوات الخمس الماضية، شهدت وبشكل ممنهج إلغاء الحقوق والحريات الدستورية، فضلا عن اختناق وسائل الإعلام، وتشذيب التمثيل الديمقراطي بشكل مجحف. ناهيكم عما لازم ذلك من تسريع لوتيرة الهيمنة الثقافية، وفرض نظام التعليم في مسار روحي قومي، وبناء المجتمع بشكل كامل على أساس الطاعة والولاء من خلال شن حملة كبيرة وهائلة من التصفية ضد من لا يدينون بالولاء. 

حتى بات المجتمع يهم على أرضية من الطاعة والتبعية وكذلك الاستعداد الكبير لدى القضاء، ومن بعده مباشرة السلطة التشريعية واستعدادهما ليكونا تحت إمرة السلطة التنفيذية التي باتت أهواءً شخصية، وفي مأمنٍ كامل من العقاب والجزاء، هذا إلى جانب إخراج كل معارضي النظام من ربقة الإنسانية، والسماح بممارسة لا حدود لها لثقافة الجريمة والعقاب.

من الطبيعي جدًا أن نشهد ما نشهده حاليًا من تجاهل واضح من قبل البعض للظروف التي جرت بها الانتخابات، ولنتائج العملية الانتخابية، بل وللمراسيم بقانون التي انهالت علينا بعد وضع الانتخابات أوزارها. هذا التجاهل جاء من أناس لديهم ذاكرة حية لكنها تفتقر لأية أحكام مسبقة بخصوص الماضي والذي أعني به هنا خمس أو ست سنواتٍ مضت. فلا شك أن ما نراه واقعًا ملموسًا منذ فترة طويلة، كان نذيرًا ينبئ بما سيكون في المستقبل.

في سياق متصل يمكنني القول إن حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية لم يجدا أية صعوبة في جعل الآخرين يقبلون بفكرة أن تكون التوليفة التركية- الإسلامية هي المادة الرئيسية لنظام الحكم في البلاد، تلك التوليفة الإقصائية كما تعلمون. وكيف يجدون صعوبة في ذلك والأجواء والظروف العامة تشهد من أكثر الهويات صدامًا وصارمة، استعدادًا للانفتاح على المصالحة، تلك الأجواء التي تشهد أيضًا مرونة في تفسير احتياجات وضروريات الوقت الراهن، بل وتشهد إقصاءً للتشكيلات الإيديولوجية التي لديها القدرة على التلاقي في السياسة.

ولا شك أن المعارضة التركية كان لها دور كبير في تقنين الاستبداد بالبلاد، فلا يمكن لأحد أن ينسى دورها في إضفاء مشروعية على كافة التدابير والخطوات التي تم اتخاذها في هذا الاتجاه بدولة تأصل فيها الاستبدا على رؤوس الأشهاد.

(هل تفكرون في السبب الذي جعل حزب الشعب الجمهوري، زعيم المعارضة، أن يقبل في 25 يونيو الماضي (غداة الانتخابات) بنتيجة تلك الانتخابات، ويتستر على الواقعة بشكل عاجل بدلًا من التشكيك فيها بكل ما أؤتي من قوة؟

السبب في ذلك هو أن استمرار الطعون والاعتراضات على النتائج كان من الممكن أن يدفع المواطنين إلى نوع من المقاومة السلبية مع الحزب، وهذا أمر لا يقوى حزب قومي على تحمله بأي حال من الأحوال.

ومن ثم فإنه في هذه الأجواء التي شذبت فيها وبشكل كامل مؤسسات الرقابة المستقلة، يتبقى في يد حزب الشعب الجمهوري عنصر أخير من عناصر المقاومة السلبية، يتمثل في الاستقالة الجماعية من البرلمان. بهذه البساطة يحل الأمر والمشكلة. 

لكن ما حدث هو أن نواب الحزب وعددهم 147 جلسوا على مقاعدهم، ولم يتقدموا باستقالاتهم وهذا أسدى هدية لأردوغان مفادها أن "البلاد شهدت انتخابات ديمقراطية وتحقق التمثيل النيابي بشكل عادل". لتضاف بذلك آخر خدمة لصالح الشرعية التي يسعى النظام لتسويقها هنا وهناك. قد يزعم البعض أن حزب الشعوب الديمقراطي وقع في نفس الخطأ.) وبالتالي السؤال الذي يطرح نفسه الآن: من يهتم بالمراسيم بقانون التي تصدر بين الحين والآخر؟ ومن يعنيه كثيرًا أن يسّود حياة الناس بها؟

وهل نظام المراسيم بقانون الذي سيكون جزءًا من الحياة الطبيعية من الآن فصاعدًا، يمكن أن يكون نظامًا مكتوبًا له "الحياة والبقاء"؟

لا تلتفتوا إلى ترحيب وسعادة الحزب "الصالح" أو حزب "السعادة" حيال ما يجري، بل أيضًا حزب الشعب الجمهوري الذي يتزعمهم لديه ارتياح وأريحية خفية غير ظاهرة، ولما لا وكل شيء على ما يرام المناصب، والرواتب، والمميزات، والمخصصات.

نعم الأمر هكذا لا غير، فيا ترى أي نظام ذلك الذي حل بتركيا؟

وهذا النفق أي نفقٍ؟

ولماذا لا يظهر الضوء على الطرف الآخر من ذلك النفق المظلم ؟

ومن ثم أؤكد هنا أنه بدون فهم كل هذه الأمور، وإدراكها بشكل جيد لن تكون هناك أية إمكانية لتأسيس استيراتيجية معارضة قوية.

ولا أنفي أننا كبقية العالم أجمع نعيش حاليًا في فترة تميل الكفة فيها لليمين المتطرف، لكن ذلك على سرعات متفاوتة كل حسب ظروفه. فالتيار يسير في ذلك الاتجاه لا غير.

ومن الطبيعي جدًا أيضًا أن تكون "الفاشية" هي الوصف اللائق بالأنظمة الجديدة التي صعدت وتشكلت في تلك البلدان التي تكون فيها سرعة اليمين المتطرف كبيرة، وأدوات القمع فيها متعددة وكثيرة. وذلك لأن الفاشية مفهوم عام. ويمكننا أن نعتبر ذلك النظام نوعًا من الأساليب لتفتيح العقول يتم استخدامها لخلق تصور براق آخاذ لدى الجميع.

المهم في كل هذا هو معرفة كم أن مفهوم الفاشية الذي تحدثنا عنه مفهوم منتشر للغاية، وهام، علينا معرفة ذلك عندما نلتقي من تعرضوا للقمع والظلم .

على الجانب الآخر قد يأتي زعم مفاده أن هناك العديد من المخاطر التي تنطوي على استخدام مفهوم الفاشية من أجل تعريف ووصف كافة البيئات القمعية.

نعم هذا صحيح، لأن الانزلاق صوب اليمين  في أوروبا خلال فترة عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، لم يمهد الطريق أمام استقرار وانتشار الفاشية في كافة الدول التي كانت شاهدة على ذلك.  فهذا المفهوم قد قام في البلدان التي تأصل وانتشر فيها، قد أظهر اختلافات كبيرة بين الأنظمة القمعية المطلقة.

وفي هذا السياق يجب أن نتذكر المنظّرة السياسية والباحثة اليهودية من أصل ألماني، حنة آرنت: التي زعمت وهي تحاول من خلال فانوس فولاذي مضاد للمياه أن تفهم العوائق المغذية للأنظمة الشمولية، أن السمات القومية والمتحولة للفاشية الإيطالية تختلف عن السمات النازية الاستبدادية التي أسسها هتلر. 

وبحسب المنظرة السياسية المذكورة لم يكن في وضع العديد من المفاهيم كالفاشية والنازية في نفس السلة، خاليًا من خطر يعرقل فهم علم الوراثة للنظام الشمولي.

ومع ذلك، علينا أن نقبل في النقاش العام غير الأكاديمي وغير الضروري، أن الفاشية هي المفهوم الأكثر شيوعًا وفق بعض المعايير الأساسية لنظام وضع تحت المجهر.

بالطبع هدفنا كمثقفين مسؤولين ولديهم ضمير، هو أن نوضح للناس بشكل سلسل، الخطر الكبير المحدق بهم. وفي هذا السياق يمكننا من أجل هذا تسليط الضوء على مقال كتبه مؤخرًا المؤلف الأيرلندي، فينتان أوتول، في صحيفة "تايمز الأيرلندية". فهو في هذه المقالة الرائعة عبّر عن مخاوفه من خلال استخدم مصطلح الفاشية. 

الكاتب في مقاله لفت الانتباه إلى أن الفاشية موجودة في كثير من الدول، مثل تركيا، وفنزويلا، والمجر، وروسيا.

وفيما يلي يمكنني نقل جزء من مقاله:

"حتى يتسنى لنا فهم كل ما يدور ويحدث في العالم من حولنا، هناك موضوعان رئيسيان يجب أن نلتفت إليهما، أولهما أننا ما زلنا في مرحلة القيادة التجريبية. أما ثانيهما فهو أن هذا الشيء الذي يتم تجريبه هو الفاشية.  بالتأكيد هذه الكلمة يجب أن يتم استخدامها بعناية فائقة".

"يجب أن نعلم جيدًا أن الفاشية لا تظهر داخل الديمقراطية محدثة أي نوع من الضجيج أو الجلبة. وذلك لأن الحرية، والحضارة ليسا بالمفهومين اللذين يمكن الاستغناء عنهما بكل سهولة بالنسبة للبشر. لهذا السبب يجب أن تقوموا بقيادة تجريبية. وهذا لسببين، أولهما أن هذا سيؤدي إلى تعود الناس على أمور كانوا يفزعون منها، ثانيهما سيعطي ذلك قائد المركبة فرصة لتعديل وجهته بشكل أكثر دقة. وهذا هو ما يحدث الآن بشكل تام؛ وحتى لا نرى ذلك علينا أن نتصرف كالبلهاء".

"ومن الوسائل الرئيسية للفاشية التي نتحدث عنها، حيل الانتخابات وألاعيبها... أما الوسيلة الأخرى فهي العمل على إنتاج هويات قادرة على جعل المجتمع ينبذ بعضه البعض من خلال إقصاء كل طرف للآخر".

"والفاشية لا تقتضي بأي حال من الأحوال أي نوع من التعددية. فهي تصل للسلطة في الغالب بنسبة تصويت تصل إلى 40 في المئة تقريبًا. وفيما بعد تبدأ عملية تحصين نظام الحكم بسلسلة من التدابير الرادعة. وبالتالي فإنه لن يكون من المهم بالنسبة لكم أن ينفر منكم غالبية الشعب طالما كانت تقف خلفكم شرذمة من المناصرين يمثلون 40 في المئة من المجتمع".

"وبالتأكيد الفاشية ليست بحاجة إلى آلة دعائية سيكون لديها القدرة المؤثرة في إنتاج عالم من (البيانات البديلة) يمكنه إقصاء الحقيقة غير المرغوب فيها خارج الصف. لكن علينا أن نؤكد مجددًا أن هذا الأمر يتم تجريبه منذ فترة طويلة، وقطعت مسافة كبيرة في هذا الصدد".

"وعند إعدادكم كل هذه الأمور، تنتظركم خطوة أخرى غاية في الأهمية لا يمكن إغفالها، وهي أنكم ستضطرون لتدمير الحدود الأخلاقية من أجل تعويد الناس على الظلم المفرط، وجعلهم يألفونه. تمامًا مثل كلاب الصيد، يجب على الناس أن يتحسسوا بأنوفهم رائحة الدم، ويصلوا للذة الوحشية".

"والفاشية تقوم بكل هذا من خلال غرس مشاعر التهديد القادمة من جماعة غير مرغوب فيها، وتثبيتها بين المواطنين. وهذ أيضًا يؤدي إلى إخراج تلك الجماعة من ربقة الإنسانية. وعند الوصول إلى هذه النقطة يمكنكم أن تعتلوا الشرائح الخشبية خطوة خطوة. ثم يمكنكم فيما بعد البدء في كسر النوافذ والأبواب من أجل الانتقال إلى مرحلة التدمير."


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: