صدمة بين الأكراد بعد سيطرة تركيا وفصائل إسلامية على عفرين

يعيش الأكراد اليوم حالة من الصدمة والإحباط بعد استيلاء فصائل إسلامية مدعومة من تركيا على عفرين يوم الأحد ووقوع عمليات سلب ونهب في المدينة على أيدي أفرادها، وما تسبب في تزايد الشعور بالاستياء بين العديد من الأكراد بشكل خاص هو تعمد مسلحي هذه الفصائل تدمير تمثال كاوا الحداد، الذي يعد إحدى معالم الثقافة الكردية ورمزا لاحتفالات عيد النوروز أو رأس السنة الكردية الجديدة التي تحل في 21 مارس.
وقالت بيرفين، وهي امرأة من عفرين كانت قد فرت إلى حلب: "أشعر بحزن بالغ.. انفطر قلبي لسقوط عفرين، هذا أقل ما يمكن قوله عن هذا الأمر، فأنا ما زلت غير قادرة على استيعاب الخبر.. لدينا ارتباط عاطفي ووجداني بأرضنا وبكل الناس هناك.. كبار السن من الرجال والنساء، وحتى أشجار الزيتون وبحيرة ميدانكي..  إنه شيء لا يمكن تحمله."
كانت وحدات حماية الشعب السورية الكردية قد اتخذت قرارا قبل ساعات من سيطرة الفصائل المدعومة من تركيا على المدينة بإجلاء معظم الناس منها ونقل الإدارة المحلية إلى منطقة الشهباء في الشمال من حلب، إذ رأى المقاتلون الأكراد أنه من الأفضل إخلاء المنطقة والانسحاب منها بدلا من حصارها وتدميرها على أيدي المسلحين المدعومين من تركيا وتجنبا لمقتل مئات المدنيين.
وأطلقت تركيا عملية "غصن الزيتون" في 20 يناير بهدف طرد وحدات حماية الشعب من مدينة عفرين المتاخمة للحدود مع تركيا التي تنظر إلى حزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه العسكرية، وحدات حماية الشعب التي تسيطر على عفرين، باعتبارهما امتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمردا داخل تركيا منذ أكثر من 30 عاما.
وبالتالي، قالت أنقرة إن العملية ضرورية لإبعاد المقاتلين التابعين لوحدات حماية الشعب عن أراضيها، نظرا لأنها تشكل تهديدا للأمن القومي التركي. كما تعهد الرئيس رجب طيب أردوغان بأن القوات التركية ستتقدم إلى المدن الأخرى التي يسيطر عليها الأكراد في شمال سوريا، بما فيها الحسكة والقامشلي ومنبج.
ووفقاً للأمم المتحدة، تسببت العملية العسكرية في تشريد ما لا يقل عن 98 ألف شخص من عفرين، فيما قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن 200 ألف شخص على الأقل نزحوا من عفرين إلى مناطق قريبة من المدينة.
وقال مصطفى شان، الذي كان يشغل منصبا إداريا في عفرين، لـ "أحوال تركية" قبل يوم من سقوط المدينة: "لست في حالة جيدة، نحن مشردون في منطقة الشهباء بشمال حلب."
ومع ذلك، لا يزال هناك العديد من المدنيين الذين فضلوا البقاء في عفرين والقرى المحيطة بها، ومنهم بعض السوريين الذين نزحوا إلى عفرين من بلدات أخرى بسبب الجولات السابقة من القتال بين الحكومة السورية والمتمردين. وقال شان: "هناك الآلاف من الناس في عفرين، وهم يخضعون لسيطرة تركيا الآن."
وأضاف "المدنيون يفرون من جميع المناطق من الجيش السوري الحر والجيش التركي ومن القصف.. المباني في عفرين تحولت إلى أكوام من الركام جراء ضربات المدفعية، وهناك مدنيون يفرون من هناك إلى منطقة الشهباء".
وتابع شان قائلا "شاهدت على التلفزيون الأعلام التركية وهي ترفع في عفرين، وليس علم الجيش السوري الحر. إنها إشارة على بدء احتلال تركي لروج آفا (الاسم الكردي لشمال سوريا)".
وفي مؤتمر صحفي عقد في منطقة لا تزال تحت سيطرة وحدات حماية الشعب على بعد بضعة كيلومترات من عفرين، قالت الإدارة المحلية إنها انسحبت من عفرين لإنقاذ المدنيين. وقالت هيفي مصطفى، الرئيسة المشتركة للمجلس التنفيذي في عفرين، لقناة روناهي التلفزيونية الكردية يوم الأحد: "سنعود يوما ما لنبقى".
وأضافت: "حتى لو نمنا على الطريق، لن نفقد الأمل.. وسنعود إلى عفرين مرة أخرى. لكننا في هذه اللحظة نطلب المساعدة من المنظمات لإعداد المخيمات وتلبية احتياجات الناس.. ونقول للشعب السوري: هذه مؤامرة تهدف لتقسيم سوريا واحتلالها، ونحن ندعوهم إلى الوقوف ضد هذه المؤامرة".
بينما قال بروسك حسكة، الناطق الرسمي باسم وحدات حماية الشعب في عفرين، إنهم لن يتخلوا أبدا عن المدينة، وأضاف: "حتى لو تمكنوا من دخول المدينة ورفعوا أعلامهم، لن يستطيعون كسر إرادة الشعب، وسوف نقاومهم حتى النهاية ولن ندع الأعداء ينعمون بالراحة في بلادنا ولن نقبل هذا الاحتلال".
وواصل حسكة خطابه الحماسي بالقول: "سنحارب حتى النهاية.. سنقاتل في جنديرس وراجو وبلبل، ومن الآن فصاعدا سيكون القتال عنيفا وأشد قسوة. تقول تركيا إنها دخلت عفرين، لندعها ترى الآن كيف ستتصاعد حدة القتال دون هوادة حتى تشهد هزيمتها مع جماعاتها المسلحة، وهذا وعد منا.. لقد ضحينا بـ 700 شهيد ولن يضيع دمهم هباء."
وأردف حسكة: "إن الدول التي اعتادت على القول بأن وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة هي القوات التي تمثلنا في محاربة الإرهاب تقف اليوم دون حراك فيما تساعد روسيا القوات التركية على ارتكاب مجازر بحق شعبنا.. لكننا نتعهد لمواطنينا بأن الطبيعة الديموغرافية لعفرين لن تتغير وأننا سنحرق أي مجموعات سكنية تدخل قرى عفرين، أكرر.. سنحرقهم. ونعلنها واضحة للمجتمع الدولي: أي شخص يفكر في أخذ منازل الأكراد، سيهدر دمه."
واختتم حديثه قائلا: "لن نترك عفرين وسندافع عنها. لن تنتهي الحرب في عفرين طالما بقي فيها مقاتل يذود عنها من وحدات حماية الشعب."
وفي يوم الأحد، أعلنت وحدات حماية الشعب مسؤوليتها عن تفجير في مدينة عفرين قالت إنه أسفر عن مقتل العشرات من المقاتلين، كما نشرت مقطع فيديو يصور استهداف موقع لفصائل المعارضة بصاروخ أطلق من منطقة بلبل.
جاء ذلك فيما أصدر مجلس سوريا الديمقراطية المدعوم من وحدات حماية الشعب بيانا دعا فيه أكراد عفرين إلى العودة إلى قراهم ومنازلهم خشية حدوث تغيرات ديموغرافية في حالة إقدام تركيا على إعادة توطين اللاجئين السوريين لديها في عفرين.
كان أردوغان قد قال في بداية الهجوم إن 55 في المئة من سكان عفرين عرب والباقي (35 في المئة) هم من الأكراد الذين وصلوا لاستيطان المنطقة لاحقا، فيما يرد الأكراد على هذه المزاعم بالتأكيد أن 90 في المئة من سكان عفرين هم أكراد في الأصل.
ويتملك الأكراد في عفرين الآن الخوف بعد أن أحرق المقاتلون الإسلاميون المدعومون من تركيا الأعلام الكردية وسألوا المدنيين هناك عما إذا كانوا يعرفون كيف يصلون وفقا للشريعة الإسلامية. وكان الكثير من الشباب الأكراد في عفرين يدعمون في بادئ الأمر مبادئ الثورة السورية التي اندلعت عام 2011، لكنهم يجاهرون الآن بمعارضتهم للمتمردين وببغضهم لتشدد هذه الجماعات في تفسير التعاليم الإسلامية.
تقول بيرفين "يمكنهم أن ينهبوا ويأخذوا ما يريدون، لكن ما يرعبنا حقا هو ممارستهم لعمليات القتل بكل سهولة.. لقد فعلوا ذلك من قبل وسيواصلون فعله.. ليس بدافع الانتقام، وإنما بدافع الكراهية التي يكنونها لنا منذ فترة طويلة، وقد تصاعد حجم هذه الكراهية خلال السنوات السبع الماضية".
وأضافت أنه لا يزال هناك بعض الأشخاص الذين يريدون العودة إلى قراهم، ومن بينهم والدها، لكنها قالت: "أنا خائفة للغاية، لقد حاولنا جاهدين أن نثنيه عن قراره لكننا لم نتمكن من ذلك. في الوقت نفسه، هو لا يطيق فكرة الابتعاد عن القرية لأنه لا يعلم ما إذا كنا سنعود يوما ما، لكن الفتيات والنساء لن يقدمن على هذه المخاطرة."
أما زردشت، وهو كردي من عفرين يبلغ من العمر 27 عاما وانتقل إلى هولندا منذ سنوات، فيقول إن والده يريد العودة على أمل أن يقبله المتمردون المدعومون من تركيا على اعتبار أنه يدعم في الأصل الخصم الكردي الرئيسي لوحدات حماية الشعب، ألا وهو المجلس الوطني الكردي.
لكن زردشت يقول إنه لا يثق في المتمردين ويخشى، مثله مثل العديد من أكراد عفرين، أن يشن الجيش التركي وحلفاؤه حملة انتقامية ضد الأكراد بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية.
وقال "لا أعتقد أن الجميع سيعودون، فكل بيت له شهيد قتل وهو يحارب في صفوف وحدات حماية الشعب. سيكون الأمر صعباً للغاية.. وهم يملكون كل الحق في أن يشعروا بالخوف، فحتى مقاتلي الجيش السوري الحر اعترفوا أن هناك العديد من أعمال السلب والنهب التي وقعت في عفرين.. لقد نهبوا حتى المناطق التي يسيطرون عليها في شرق حلب قبل سنوات".
وأضاف "حتى تركيا أساءت معاملة شعبها وعذبت جنودها وسجنت مواطنيها بعد الانقلاب العسكري. ماذا تظن أنهم فاعلون بأهل عفرين؟ إنهم ينظرون إليهم جميعا في الأساس باعتبارهم العدو."


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/afrin/kurds-devastated-after-turkish-backed-islamists-take-afrin