صفقات بيع منابر الإعلام التركي في خدمة العدالة والتنمية

من يملك الإعلام فقد حاز قوة كبيرة. هذه هي حقيقة الوضع في تركيا على امتداد فترات طويلة؛ فلم تُبعد سياسات الليبرالية الجديدة، التي بدأت تتمدَّد في كل المجالات في تركيا منذ عام 1980، الإعلام عن اهتمامها. وأصبح أصحاب رؤوس الأموال، الذين يشتغلون - في الأساس- في مجالات بعيدة تماماً عن الصحافة والإعلام، أصحاب صحف وقنوات تليفزيونية. 
وهناك واقعتان توثقان نقاط التحول في هذا الموضوع برمته؛ الأولى عندما وضع صندوق تأمين ودائع الادخار يده على صحيفة "صباح" وقناة ATV التليفزيونية المملوكتين لمجموعة "جينَر"، وقام ببيعهما بعد ذلك في مناقصة علنية لمجموعة "جاليق" في عام 2007، والثانية عندما قامت مجموعة "دميروران" المعروفة بقربها من السلطة الحاكمة في تركيا بشراء مجموعة "دوغان ميديا غروب" في عام 2018. ولأهمية هاتين الواقعتين تناول كتَّاب اليوم بالنقد عملية بيع جريدة "صباح" وقناة ATV التليفزيونية في عام 2007.
كانت صفقة بيع مجموعة "دوغان ميديا غروب" لمجموعة "دميروران" المعروفة بقربها من السلطة الحاكمة في الشهور الماضية من الموضوعات الأكثر إثارة للجدل؛ سواء من ناحية ملابسات عملية البيع نفسها، أو من ناحية حرية الإعلام، أو من ناحية المبلغ المدفوع لإتمام الصفقة. وتتشابه هذه الواقعة مع واقعة شراء مجموعة "جاليق" لجريدة "صباح" وقناة ATV قبل 11 عاماً، وكأن التاريخ يكرر نفسه. الفارق الوحيد بين الحالتين هو أن الذين كانوا ينتقدون علاقة مجموعة "جاليق" بحزب العدالة والتنمية في ذلك الوقت، لم يعترضوا على بيع مجموعة "دوغان غروب"، واستمروا في عملهم غير عابئين بما يحدث حولهم.
لفت محمد بارلاس، الذي عمل في جريدة "صباح" بعد ذلك، الانتباه إلى المناقصة، التي جرت في 5 ديسمبر 2007 في معرض حديثه عن هذه المرحلة في مقال له نُشِرَ في 22 نوفمبر 2007 تحت عنوان "لا ينبغي أن تظل "صباح" وقناة ATV ملكاً للحكومة إلى الأبد". تعرَّض بارلاس في مقاله - بالإضافة إلى هذا - لمفهوم الإعلام والديمقراطية على النحو التالي:
"إعلاء مبدأ التعددية والاستقلال في الإعلام هو الضمانة الحقيقية للديمقراطية في البلاد. أعتقد أنه من الصعب أن تستمر هذه المجموعة تحت إدارة الحكومة إلى الأبد".
أما أحمد هاكان، الذي استمر في الكتابة في صحيفة "حرييت" حتى يومنا هذا، فأكَّد في مقاله المنشور بتاريخ 25 نوفمبر 2007 أن المناقصة يمكن أن تنحصر بين ثلاث مجموعات هي اتحاد سانجاق-إيباك-RTL، ومجموعة "جاليق"، ومجموعة "نورول".
وتساءل هاكان في ختام مقاله، بعد أن أحصى المؤسسات الإعلامية المقربة من أردوغان قائلاً "هل أردوغان بحاجة إلى قوة الإعلام بشكل حقيقي؟" مؤكداً على حالة الجدل، التي سيخلقها وجود عدد من رجال الأعمال المقربين من أردوغان بين المتقدمين لشراء جريدة "صباح" وقناة ATV التليفزيونية، وأنهى مقاله بتوجيه التحذير التالي:
"وجه رئيس الوزراء رسالة تحذير إلى أحزاب المعارضة في حديثه  قائلا "لا تلعبوا بالنار!" وأنا أريد أن أوجه له الرسالة نفسها في هذا المرحلة".
أما وهاب مونيار فتحدث في مقال له بعنوان "قولوا لصاحب القناة أن يمنع رئيس الجامعة من الظهور على شاشتها مرة أخرى!" عن واقعة؛ أكَّد من خلالها أن مجموعة "جاليق" هي أحد الشركاء المؤسسين لقناة ER التليفزيونية المحلية في ملاطيا.
يحكي مونيار عن توجه عدد من رجال الأعمال إلى جاليق أثناء مراسم افتتاح؛ حضرها نائب رئيس حزب العدالة والتنمية في هذه الفترة، حياتي يازيجي، ومطالبتهم إياه بمنع رئيس جامعة إينونو البروفيسور فاتح حلمي أوغلو من الظهور على شاشة قناة ER التليفزيونية، عقب انتقاد الأخير عدم منح الكادر للجامعات، فما كان من جاليق إلا أن ضحك قائلاً "لا أعرف صاحب القناة، ولكني سأرسل إليه شكواكم".
ولفت الانتباه في ختام مقاله إلى تولي صهر أردوغان منصبا كبيرا في إدارة مجموعة "جاليق" بقوله:
"إذا كانت مجموعة "جاليق" قد وصلت إلى النتيجة التي تريدها، فهل بإمكانها تكوين "نموذج إدارة" في مجموعة صباح-ATV يشبه النموذج الموجود في قناة ER TV؟ هل يمكن أن نجد "إعلاماً موضوعياً" في ظل وجود صهر رئيس الوزراء خلف عجلة القيادة؟ سنرى ما سيحدث في الأيام المقبلة".
وفي الإطار نفسه، أثار وهاب مونيار نقاشاً حامياً في مقال له نُشر بعد أسبوع واحد من المناقصة تحت عنوان "من أين أتت مجموعة "جاليق" بهذا القدر من الأموال؟".
لم يتوقف الحديث عن المناقصة وعن ظروف عقدها لبضعة أشهر. كان محمد يلماز أحد الذين تحدثوا عن هذا الموضوع في مقالٍ له نشر في 18 إبريل 2008 تحت عنوان "قطر تمد رئيس الوزراء بالأموال". تحدث يلماز في المقال عن حصول مجموعة جاليق على قروض من بنك "وَقِفْ" وبنك "خلق" بقيمة 750 مليون دولار؛ لتمويل شراء جريدة "صباح" وقناة "ATV" التليفزيونية، وعبّر يلماز عن قناعته بأن القطريين هم الذين سيسددون المبلغ المتبقي من قيمة الصفقة البالغ 350 مليون دولار، لافتاً النظر إلى أن هذا الموضوع هو الذي جعل أردوغان، الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء في ذلك الوقت، يقوم بزيارة قطر، أو على حد قوله:
"لا تقلقوا، فستفوح رائحة الموضوع عما قريب، وسنصل إلى المعلومات، التي نعجز عن معرفتها اليوم أثناء جلسات محاكمة الديوان العالي في المستقبل. ما دمنا نعيش في تركيا، فلن نضطر إلى الانتظار طويلاً حتى يُفشى السر على الملأ!". 
وفي 24 إبريل نشر أرطغرل أوزكوك مقالاً بعنوان "مرحباً بالسيد جاليق"؛ عبر فيه عن مخاوفه بشأن ظروف عقد المناقصة.
كان ذهن أوزكوك مشتتاً بين عدد من الأسئلة؛ تدور في مجملها حول المصدر، الذي حصل منه جاليق على مبلغ بقيمة 1.1 مليار دولار لتمويل هذه الصفقة، وكتب حينها قائلاً:
"ما هي الشروط وما هو حجم الفائدة وما هي الضمانات التي طلبها بنك "وَقِفْ" وبنك "خلق" لمنح هذه الأموال لمجموعة "جاليق"؟ كيف حصلت مجموعة "جاليق" على الأموال القادمة من قطر؟ من هو المالك الحقيقي لهذه الشركة؟ ومن يقفون وراءها؟ هل مجموعة "جاليق" مجرد مجموعة تعمل في مجال الإعلام، أم أن هناك شركة أخرى تقوم بتمويلها من الظل؟ 
كم يبلغ حجم رأس مال الشركة كما أعلنه السيد جاليق؟ وما هو مصدر أمواله؟  هذه الأسئلة وغيرها ينبغي أن يسألها المجلس الأعلى للإذاعة والتليفزيون، وليس على مستوى الأفراد العاديين فحسب. أما شروط المناقصة فهذا أمر من اختصاص صندوق تأمين ودائع الادخار وحده..."
وكتب أردال صاغلام في 24 إبريل مقالاً عقب شراء مجموعة "جاليق" جريدة "صباح" وقناة "ATV" التليفزيونية، وإيداع الأموال الخاصة بالصفقة؛ تحدث فيه عن النظام المصرفي في تركيا، وعن القروض التي منحها بنك "وَقِفْ" وبنك "خلق" لمجموعة "جاليق"؛ حيث قال:
"سيقولون إن البنك سيجني أرباحاً من وراء هذا القرض. وإذا سألتهم وقلت "هل تعرضتم لأي ضغوط من جانب الحكومة؟" سيكون ردهم هو "كلا، لم يحدث أمر كهذا".
استمر محمد يلماظ في كتابة مقالاته قرابة عام، بعد إتمام عملية البيع؛ انتقد من خلالها سعي أردوغان للسيطرة على مفاصل الإعلام في تركيا، ورصد في مقاله المنشور في 8 سبتمبر 2008 حالة الغضب، التي شعر بها رئيس الوزراء -في تلك الفترة -أردوغان؛ بسبب إخفاقه في السيطرة على جميع أطياف الصحافة في تركيا، ودافع عن العمل الصحفي في ذلك الوقت بقوله:
"يريد منا أن نتراجع عن أداء واجبنا مقابل ثلاثة قروش؛ نحصل عليها من صحفٍ تعمل تحت اسم "جاليق"... أقول إننا لن نتراجع عن أداء واجبنا تحت أي ضغوط".
وفي 18 نوفمبر 2008 كتب يلماز مقالاً آخر تحت عنوان "تيقنت من طريقي بسبب جملة واحدة!"؛ أكَّد فيه أن رئيس الوزراء أردوغان شعر بالغضب بسبب الثمن المرتفع الذي حددته المناقصة، ودلَّل على ذلك بحالة الغضب، التي انتابت نائب رئيس حزب العدالة والتنمية عن هذه الفترة، بولنت جاديكلي، عند رده على قول رئيس صندوق تأمين ودائع الادخار "أنا قادم من مؤسسة يُوجَّه لها اللوم؛ لأنها استطاعت الحصول على أعلى سعر"، أثناء استضافته في إحدى البرامج.  
وختم مقاله بقوله " إن هذه الواقعة ستكون أولى لبنات الطريق، الذي سيسير عليه أردوغان إلى الديوان العالي (ديوان المحاكمات)"، أو على حد قوله:
"سيأتي يومٌ يخرج فيه من يستترون وراء الأبواب؛ ليقفوا أمام الملأ. سترون كيف ستتطاير ملفات الفساد التي ارتكبتها هذه الحكومة".
مرَّ الآن على بيع جريدة "صباح" وقناة ATV التليفزيونية ما يزيد عن عشر سنوات؛ تنقَّل أردوغان خلالها بين مناصب رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية، ثم رئيس الجمهورية بصلاحيات مطلقة. أما الإعلام فظل يراوح مكانه، وحُكِمَ عليه بعد كل هذه الفترة أن يكون إعلام الصوت الواحد.
ولا يزال الذين أكَّدوا قبل عشرة أعوام أن أردوغان سيتم تقديمه للمحاكمة أمام الديوان العالي بسبب هذه المناقصة مستمرون في عملهم، غير عابئين بما يحدث حولهم اليوم، على الرغم من وجه التشابه الكبير بين الحالتين؛ بدرجة يمكننا القول معها إن التاريخ يعيد نفسه بالنسبة للإعلام في تركيا.
لقراءة المقال باللغة التركية

https://ahvalnews6.com/tr/medya/hurriyet-yazarlari-dogan-donemi-baska-demiroren-donemi-baska
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.