مارك بنتلي
يوليو 04 2018

صلاحيات أردوغان الواسعة تنذر بخطر على الاقتصاد

تثير أولى المؤشرات الملموسة عن تباطؤ الاقتصاد التركي تساؤلات جادة بشأن السياسة الاقتصادية في ظل رئاسة رجب طيب أردوغان ذات الصلاحيات الموسعة.
أظهرت بيانات مبدئية عن الميزان التجاري في يونيو تراجعا في الواردات والصادرات، وهو ما ينذر ببداية اختلال توازن النمو الجامح للاقتصاد التركي.
لكن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت في 24 يونيو الماضي تؤذن بعهد جديد في تركيا.
وأردوغان الآن، الذي يدعم أجندة تفضل النمو على حساب التضخم والعجز الحالي في الحساب الجاري، حر لا تعرقله أي قيود. وقد تولى زمام رئاسة تنفيذية جديدة ذات صلاحيات موسعة عطلت منصب رئيس الوزراء، وأضعفت بشدة صلاحيات الوزارات.
وسيصبح البرلمان، الذي يناقش ويوافق على معظم السياسات الاقتصادية في البلاد، مجرد هيئة تختم على القرارات دون نقاش.
وحسب قول جميل أرتيم كبير المستشارين الاقتصاديين لأردوغان في الأسبوع الماضي، فإن وزراء الحكومة سيضطلعون بأدوار كبار مسؤولي الحكومة عندما يختار الرئيس أعضاء لجان رئاسية جديدة غير منتخبة تتولى مهمة تقديم المشورة له في السياسة الاقتصادية.
وخسرت الليرة التركية نحو 20 بالمئة من قيمتها أمام الدولار هذا العام، وهوت بوتيرة أسرع من أي عملة أخرى بكل الأسواق الناشئة تقريبا وذلك في ظل مخاوف من أن التحفيزات الحكومية الهادفة لتحقيق توسع اقتصادي قد تفضي إلى "ركود حاد". وسجل متوسط النمو السنوي 8.7 في المئة خلال تسعة أشهر حتى مارس. 
ومما زاد من غضب أردوغان اضطرار البنك المركزي لرفع الفائدة 425 نقطة أساس في مايو ويونيو إلى 17.75 بالمئة نتيجة عمليات البيع الكبيرة لليرة التي زادت المخاوف من أزمة في العملة.
ويأمل المستثمرون أن تتولى شخصيات مثل محمد شيمشيك نائب رئيس الوزراء في الحكومة السابقة، وكذلك خديجة كاراهان المستشارة الاقتصادية لأردوغان، أدوارا بارزة في الحكومة الجديدة. 
ويعتبر الاثنان من صناع السياسة المؤيدين لاقتصاد السوق، وتوجد حاجة لوجودهما لمواجهة شخصيات أكثر تشددا في القصر الرئاسي مثل أرتيم ويغيت بولت المذيع التلفزيوني السابق الذي يشتهر بتأييد نظرية المؤامرة.
وفي الوقت الراهن يدرس مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) تشديد السياسة النقدية، وأي رفع للفائدة سيؤدي إلى عمليات بيع كبيرة في الأسواق الناشئة.
لذلك يحتاج أردوغان للمسارعة بتشكيل فريقه الاقتصادي وإقناع المستثمرين بأنه سيلتزم بسياسات اقتصادية حذرة بدلا من النهج الشعبوي الذي اتسم به حكمه منذ بدأ الاحتياطي الاتحادي والبنك المركزي الأوروبي سياسة التيسير النقدي في عامي 2008 و2009 على الترتيب.
وينحصر الآن فيض الأموال السهلة التي دخلت الأسواق الناشئة.
وكانت الليرة واحدة من أبرز عملات الأسواق الناشئة المتراجعة يوم الاثنين إذ انخفضت 0.7 بالمئة إلى 4.62 أمام الدولار. وكانت العملة التركية هوت في مايو إلى أدنى مستوى عند 4.92 دولار.
ويعتقد الكثير من الاقتصاديين أن أردوغان لن يسعى إلى كبح أو ترويض التباطؤ الاقتصادي الوشيك بمزيد من الإجراءات الشعبوية، وأن حكومته ستتخذ خطوات جادة لكبح التضخم الذي سجل 12.2 بالمئة في مايو. ومن المتوقع أن يشهد الاقتصاد انكماشا في الربع الثالث من العام الجاري.
ومن المتوقع أن يرتفع التضخم في يونيو ويوليو وربما يصل إلى 15 بالمئة مع انعكاس تأثير التراجع في الليرة على الأسعار.
التوقعات المتفائلة لهؤلاء الاقتصاديين، ومنهم شخصيات بارزة مثل تيم آش الخبير الاقتصادي بشركة بلو باي لإدارة الأصول، تستند على تصريحات شيمشيك وخديجة كاراهان وربما تكون غير صحيحة. 
وقال جميل أرتيم وهو أيضا بروفيسور سابق في الاقتصاد، في مقال مطول بصحيفة ديلي صباح الأسبوع الماضي إن المشكلات الاقتصادية التركية سيجري التعامل معها وفقا لنموذج النمو الذي يطبقه أردوغان دون غيره.
وقال أرتيم إن الوزراء الذين تمتعوا في السابق بصلاحيات تنفيذية كنواب برلمان منتخبين سيتحركون حاليا بشكل مباشر وفقا للأهداف السياسية لأردوغان كمسؤولين معينين.
وقال أرتيم "أعتقد أن إعلان أعضاء الحكومة الجديدة المقرر في الأيام المقبلة أشبه  بفضول مجلة أكثر منه شأن سياسي" في دلالة على أن أردوغان وأعضاء دائرته الداخلية هم من سيتحكمون في زمام الأمور عندما يتعلق الأمر بالسياسية الاقتصادية.
وقال "من هذا المنطلق فإن خريطة الطريق واضحة ولن تتوقف الاستثمارات، وستستمر عجلات الاقتصاد في الدوران، عبر معالجة المشكلات الهيكلية مثل التضخم والعجز في الحساب الجاري في إطار رؤية شاملة للنمو".
وفي الماضي القريب، كان المستثمرون يتجاهلون تصريحات أرتيم على مسؤوليتهم الخاصة، ويرتاحون لبيانات شيمشيك وكاراهان ووزير المالية ناجي إقبال وهو سياسي آخر مؤيد لاقتصاد السوق لا يزال موقفه في الحكومة الجديدة غير واضح.
لكن التاريخ والنغمة الحالية في القصر الرئاسي بأنقرة تشيران إلى أن أردوغان وأعضاء فريقه الجديد لا يعتزمون اتخاذ إجراءات مؤلمة لكبح جماح التضخم وإعادته إلى رقم واحد في خانة الآحاد.
وليس من المتوقع أيضا اتخاذ إجراءات جادة لخفض عجز الميزانية المتزايد نظرا لاستعداد أردوغان وحزبه العدالة والتنمية الحاكم لانتخابات محلية في مارس. 
وأفضل سيناريو متوقع الآن هو مجرد خدعة إذ سيتم اتخاذ بعض الإجراءات لتهدئة المستثمرين بينما ستواصل الحكومة مسعاها نحو زيادة النمو.
 وبعد الانتخابات، كان مورجان ستانلي أول بنك استثماري توقع ضعفا جديدا في الليرة، وقد أوصى عملاءه ببيع الليرة وشراء الروبل.
وقال مورجان ستانلي إنه يتوقع تراجع العملة التركية إلى 5.05 للدولار في نهاية الربع الرابع.
 لكن التوقع يتسم بالإفراط الزائد في التفاؤل. فأردوغان الآن بلا قيود ومن المتوقع أن يستعرض عضلاته على الاقتصاد التركي، وعلى ما تبقى من الديمقراطية، وينبغي على المستثمرين أخذ الحيطة والحذر.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: