سزين اناي
ديسمبر 11 2017

صلاح الدين دميرطاش.. إيكاروس السياسة الكردية

يدين صلاح الدين صلاح الدين دميرطاش، أحد الزعيمين الشابين لأكبر حزب كردي في تركيا، بالكثير في نجاحه لقدرته على عبور أسوار الانقسام العرقي وللقبول الذي يتمتع به لدى العلمانيين من الأتراك بما انتابهم من خيبات أمل بسبب الحكومة الإسلامية والهزائم المتتالية المريرة التي منيت بها المعارضة في الانتخابات.

في انتخابات 2015 تجاوز حزب الشعوب الديمقراطي حاجز العشرة بالمئة من الأصوات في الانتخابات المطلوب للحصول على تمثيل في البرلمان التركي وأصبح ثالث أكبر حزب في المجلس النيابي. وكانت هذه أول مرة ينجح فيها حزب كردي في الحصول على النسبة اللازمة وتمكن، بما في ذلك من لفتة رمزية، من نيل أصوات أكثر مما حصل عليه حزب الحركة القومية المنتمي لأقصى اليمين.

لكن جاذبيته كانت وبالا عليه فيما يبدو. فالرجل الآن يقبع في السجن لأكثر من 400 يوم يواجه اتهامات بالإرهاب بسبب صلات مزعومة بحزب العمال الكردستاني، الجماعة الانفصالية المسلحة التي تخوض معارك ضد الدولة التركية منذ 1984.

صلاح الدين دميرطاش

اعتقل صلاح الدين دميرطاش في الرابع من نوفمبر 2016 إلى جانب عدد من النواب البرلمانيين عن حزب الشعوب الديمقراطي وشريكته في قيادة الحزب فيجن يوكسيكداج.  والاتهامات الموجهة لصلاح الدين دميرطاش قد تتسبب في الحكم عليه بالسجن لمدد تصل إلى 142 عاما.

في سن الرابعة والأربعين يعد صلاح الدين دميرطاش أصغر زعيم حزب في تركيا حيث متوسط أعمار القادة الحزبيين 67 عاما. وهو في الواقع واحد من أصغر زعماء الأحزاب سنا في تاريخ الجمهورية التركية.

المثال الآخر الذي يمكن مقارنته به هو بولنت أجاويد الذي أصبح زعيما لحزب الشعب الجمهوري، وهو حزب يساري، حين كان عمره 41 عاما. وكان هذا عام 1972.

وهناك أوجه شبه أخرى بين صلاح الدين دميرطاش وأجاويد؛ فكلاهما نجح في ضخ الحماس في العملية الانتخابية بأجندة يسارية. يشترك الاثنان أيضا في حب الأشعار بعملهما في الكتابة. ونجح كل منهما في الترويج لنفسه كيساري اجتماعي ديمقراطي دون التبرأ من الجذور اليسارية.

صلاح الدين دميرطاش

لكن هناك حدودا تقف عندها المقارنة بين أجاويد وصلاح الدين دميرطاش؛ فالأول أصبح أيقونة في أعين القوميين الأتراك حين أمر الجش التركي بغزو شمال قبرص عام 1974. لكن بالنسبة لدوائر القوميين الأتراك فإن صلاح الدين دميرطاش ليس سوى وغد يرون فيه داعية قومي كردي انفصالي وحسب.

قبل الانتخابات العامة في يونيو 2015 رد صلاح الدين دميرطاش في مقابلة مصورة مع صحيفة خبر ترك عن السؤال المحوري: هل حزب الشعوب الديمقراطي حزب كردي؟

قال "عند هذه النقطة.. لا نصنف حزب الشعوب الديمقراطي كحزب سياسي كردي فقط. كل الألوان المتنوعة في تركيا، ما نطلق عليه واقع تركيا بما فيها من أتراك وأكراد وقوميين يساريين وديمقراطيين وإسلاميين مؤيدين لليبرالية وعلويين وحركات تدافع عن حقوق المرأة وعن حقوق الشباب. لأول مرة قامت حركة تتبنى مفاهيم مناصرة للوحدة وللتعايش بطريقة حرة بتأسيس حزبها.. وهذا الحزب هو حزب الشعوب الديمقراطي".

صلاح الدين دميرطاش

رسالة الوحدة هذه كان لها من الصدى الكثير في النصف الأول من عام 2015. كانت العملية السلمية بين حزب العمال الكردستاني وحزب العدالة والتنمية الحاكم التي بدأت في 2009 قد أتاحت المجال لمثل هذه المفاهيم.

غير أن انتخابات يونيو 2015 أفرزت برلمانا بغير أغلبية واضحة وسرعان ما دعى حزب العدالة والتنمية لانتخابات أخرى في محاولة لاستعادة الأغلبية. وفي يوليو، وبعد هدنة دامت لأكثر من عامين، عاد القتال مستعرا بين الجيش وحزب العمال الكردستاني.

وخلال الفترة التي سبقت الانتخابات الثانية في نوفمبر طغت المخاوف الأمنية وواجه صلاح الدين دميرطاش مرارا السؤال إن كان يؤيد حزب العمال الكردستاني.

قال الزعيم الشاب إن حلم ممارسة المحاماة راوده بعد إدانة شقيقه الأكبر بالانتماء لحزب العمال الكردستاني حيث قضى بسبب ذلك 12 عاما في السجن. وكانت الأسرة وقتها في فقر أعجزها عن توكيل محام.

صلاح الدين دميرطاش

قال أيضا إن سنواته الأولى تغلفها ذكريات الفقر. ينحدر صلاح الدين دميرطاش أساسا من إقليم بولا الريفي بمحافظة إيلازيج بشرق البلاد حيث انتقلت الأسرة من مدينة دياربكر وهي كبرى مدن الجنوب الشرقي الذي تسكنه أغلبية كردية.

نشأ صلاح الدين دميرطاش في دياربكر الضيقة. كانت مناطق فقيرة لدرجة أن شراء حبات بلي الرخام الصغيرة اعتبر رفاهية لذا مارس هو ورفاقه من صغار الحي اللعبة بقشور الجوز. حلم صلاح الدين دميرطاش الصغير بأن يصبح جنديا في الجيش التركي، مثلما قال. "كان الجنود يبدون من طبقة أعلى".

ورغم وعيه المتزايد بالخلاف العرقي في تركيا الذي ازاداد عمقا وتشعبا منذ اندلاع المعارك التي بدأها حزب العمال الكردستاني في ثمانينات القرن العشرين فإن صلاح الدين دميرطاش أحجم عن خوض العمل السياسي في سني عمره الأولى وعكف على مساعدة أبيه الذي كان يمتهن السباكة.

صلاح الدين دميرطاش

لكنه وحين بلغ من العمر 18 عاما أصبح ناشطا سياسيا. اختطف فيدات آيدين زعيم أحد الأحزاب الكردية المحلية وقتل على يد العناصر الأمنية وقوات مكافحة الإرهاب في يوليو 1991.

وحين خرجت حشود للشوارع احتجاجا على مقتله أطلقت قوات الأمن الرصاص عليهم فقتل نحو 20 شخصا. يذكر صلاح الدين دميرطاش تلك الفترة بأنها "الأيام التي غيرت حياتي بأكملها".

كانت سنوات دراسته الجامعية في تسعينات القرن العشرين من بين الأكثر دموية في المنطقة الكردية من تركيا في ظل اندلاع اشتباكات أكثر حدة وعمليات قتل واسعة خارج نطاق القانون.

وبينما انكب صلاح الدين دميرطاش على دراسته لجأ أقرانه إلى الجبال للانضمام لحزب العمال الكردستاني. فكر صلاح الدين دميرطاش في الأمر هو أيضا وحاول أصدقاء له اصطحابه إلى هناك لكنه اختار إتمام دراسته.

وبعد التخرج، بدأ صلاح الدين دميرطاش في العمل كمحام متخصص في قضايا حقوق الإنسان وسرعان ما أصبح رئيسا لفرع دياربكر من رابطة حقوق الإنسان ذائعة الصيت. في الوقت نفسه اقترن صلاح الدين دميرطاش بحبيبة صباه باشاك التي أصبحت مدرسة في المرحلة الابتدائية حيث عاشا على راتبها المتواضع حين كان صلاح الدين دميرطاش يتولى الدفاع عن سجناء متهمين في قضايا سياسية.

وحين كان عمره 33 عاما طرحت على صلاح الدين دميرطاش فكرة الترشح لعضوية البرلمان عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي المؤيد للأكراد. وبفضل خفة ظله وقدراته المميزة في الخطابة تقدم صلاح الدين دميرطاش ليصبح نجما صاعدا في سماء السياسة.

وحين تبين بوضوح أن القضاء التركي سيحكم بحل الحزب الديمقراطي الاجتمتاعي تأسس حزب السلام والديمقراطية ليحل محله وأصبح صلاح الدين دميرطاش شريكا في زعامته عام 2010.

لكن بعد مرور عامين على ذلك تحول صلاح الدين دميرطاش إلى حزب الشعوب الديمقراطي حديث التكوين حيث سعى للحصول على دعم يتجاوز الناخبين الأكراد. وجاءت اللحظة التي انتظرها عام 2014 حين ترشح للرئاسة في مواجهة الرئيس رجب طيب إردوغان في أول انتخابات مباشرة تشهدها تركيا على منصب الرئيس.

وحصل صلاح الدين دميرطاش على نسبة 9.76 بالمئة من أصوات الناخبين لكن انتماءه اليساري وطريقته الحماسية ضمنت له أن يتحول لنجم سياسي في أوساط الليبراليين من الأتراك ذوي الميول الغربية.

لكن هذه الشهرة والشعبية جلبت على صلاح الدين دميرطاش خصومة من أولئك المهمينين على الطبقات العليا. وانتهى الأمر باعتقاله في 2016.

مسيرة ربما يمكن من خلالها تشبيه صلاح الدين دميرطاش بشخصية إيكاروس الاسطورية كبطل حلق عاليا في السماء.

لكن بالنظر لصغر سنه فإن صلاح الدين دميرطاش قد ينجح في الوصول للسماء مرة أخرى.

يمكن قراءة هذا المقال باللغة الانكليزية أيضا: