اومت اوزكرملو
مايو 24 2018

صناعة "خبراء الشأن التركي".. والعزف على أوتار بطولات اليسار الزائفة!

في السنوات الأولى من الألفية الثالثة، كانت تركيا موضع إشادة العديد من المحللين والمراقبين السياسيين باعتبارها نموذجا ناجحا لإمكانية التوافق بين الإسلام والديمقراطية (الليبرالية) والاقتصاد القائم على قواعد السوق ومتطلباته. وعندما تحول هذا "النموذج" في فترة ما بعد الربيع العربي في منطقة الشرق الأوسط إلى نظام استبدادي وسلطوي بخطى متسارعة، ازداد اهتمام الغرب بالسياسة التركية أكثر وأكثر. وفي الوقت الذي عملت فيه وسائل الإعلام الغربية على نقل كل ما يحدث من تطورات في تركيا لقرائها، بدأت مراكز الأبحاث بدورها في نشر تقارير تحاول فيها تفسير التغييرات في تركيا.

لكن هذه التحليلات، التي انتشرت انتشار النار في الهشيم بين شرائح واسعة من الجمهور وصانعي القرار السياسي بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، اتسمت فيما بينها ببعض السمات المشتركة.

فأولا وقبل كل شيء، يمكن بسهولة ملاحظة استخدام معظم التقارير، إن لم يكن كلها تقريبا، لنفس المصطلحات والتعبيرات اللغوية بشكل أو بآخر، حتى مع اختلاف الميول الإيديولوجية لكتاب هذه التقارير أو مراكز البحث التي تنشرها. وبالكاد يمكنك أن تجد تقريرا عن تركيا هذه الأيام يخلو من العبارات التالية: تركيا "تتحول إلى الاستبداد"، أو "الإسلام" كان له دور كبير أو "جمهورية أتاتورك العلمانية آخذة في التلاشي".

ثانيا، ظهر الحديث عن تركيا في وسائل الإعلام الغربية وكأنه أصبح صناعة لها أقطابها ونجومها، وبات "خبراء الشأن التركي" الآن معروفين بالاسم، وتتهافت عليهم وسائل الإعلام لمعرفة آرائهم وتفسيرهم لما يحدث في تركيا هذه الأيام، ووصل الأمر إلى أن أصبح هناك ما يشبه المنافسة بينهم، كحال أي صناعة، ودبت الخلافات بين بعضهم بعضاً، واندلعت حروب كلامية كانت شرارتها الاختلاف في وجهات النظر في تحليل الوضع في بلاد الأناضول.

ثالثا، لا يتردد هؤلاء "الخبراء"، شأنهم شأن نظرائهم في تركيا، في الإدلاء بدلوهم في أي موضوع يطرح عليهم، حتى لو يكن لديهم معرفة كافية بأبعاده، والأنكى أنهم يستخدمون في ذلك لهجة متعجرفة، بل وفوقية أيضا، في معظم الأحيان.

وبالنسبة لهؤلاء غير الملمين بمجال خبرتي، دعوني آخذ بعض الوقت لأؤكد أنني لست "خبيراً في الشأن التركي". أنا ببساطة عالم سياسي متخصص في دراسة القومية والأصول العرقية والهوية والحركات الاجتماعية. أنا لست بصحفي ولا كاتب عمود، لكن ظروفي المهنية ووضعي الدراسي يقتضيان مني متابعة الوضع في تركيا، إلى جانب موضوعات أخرى. وأنا أسعى جاهدا إلى الامتناع عن التعليق إلا على القضايا التي أعرفها حق المعرفة مع الحرص على الالتزام بالمبادئ والقواعد الأكاديمية، بما في ذلك ذكر وجهات النظر التي تعارض آرائي الشخصية على سبيل المثال، وتوضيح موقفي السياسي بكل صراحة.
وبالعودة إلى السمات الثلاث المذكورة أعلاه، أريد أن أؤكد أنني لا أرى ما يعيب في زيادة عدد الأشخاص الذين يقومون بالتعليق على الشأن التركي، أو أن هؤلاء "المعلقين" يستخدمون نفس المصطلحات والأُطر الفكرية بشكل متكرر. ففي نهاية المطاف، إذا كان لديك ما يكفي من المؤهلات، فأنت مرحب بك لإبداء وجهات نظرك، ونقد اللغة والأفكار التي يطرحها الآخرون.

ومع ذلك، فإن السمة الثالثة بالتحديد لها أضرارها، إذ يصعب صياغة نقد موضوعي خلال أي مناقشة في مواجهة شخص يستخدم نبرة متغطرسة وفوقية، وخاصة عندما تفتقر هذه النبرة إلى المعرفة الأساسية الكافية بجوانب الموضوع. وسيكون وقتها من الأسهل الوقوع في فخ شخصنة الخلاف، والتركيز أكثر على مهاجمة الشخص صاحب وجهة النظر المخالفة بدلا من التركيز على نقد وجهة نظره نفسها، وهو ما من شأنه كذلك أن يزيد من صعوبة الإبقاء على الخلاف في حدود وجهات النظر السياسية فقط.

ولعل ذكر مثال ملموس يمكن أن يساعد القارئ على توضيح الأمر بشكل أفضل. دعنا نفترض أن لديك زميلا ما تكمن خبرته في الدراسات الاستراتيجية والأمنية ويكتب بين الحين والآخر لصالح موقع "وور أون ذا روكس"، وهو موقع ينتمي إلى تيار يمين الوسط في الولايات المتحدة، وينشر في الأساس مقالات لجنود سابقين وخبراء أمنيين يعتزون فيها بالدفاع عن القيم الأميركية والروح الوطنية. وفي بعض الأحيان، أنت تتفق مع تحليلات هذا الزميل. لكن ماذا إذا قام هذا الزميل بنشر تغريدة ساخرة مثل التغريدة التالية، ثم حاول أن يدافع عن التغريدة باستخدام تغريدة أخرى تحمل نفس القدر من السخرية؟ كيف سترد وقتها؟
"يسألونني ماذا تفكر في فكرة تحالف المعارضة الكبير؟ كما ذكرت على مدى سنوات، لا يمكن إحداث توازن في مواجهة حزب العدالة والتنمية إلا في ظل نظام سياسي قائم على حزبين رئيسين. الحل بالفعل هو تشكيل تحالف، لكن المشكلة هي التأخر في تشكيل هذا التحالف. والكرة الآن في ملعب حزب الشعوب الديمقراطي. لذلك، ماذا سيختار؟ تشكيل تحالف؟ أم اختيار القومية العرقية والبطولات اليسارية الزائفة؟"
"كونوا صادقين مع أنفسكم، الكرة الآن في ملعب صلاح الدين دميرطاش. الفرصة الوحيدة لتشكيل تحالف المعارضة الكبير هو انضمام حزب الشعوب الديمقراطي. هل سيختار دميرطاش عزف البانجو (آلة موسيقية وترية) والانغماس في الترويج للبطولات اليسارية والقومية العرقية، أم سيختار تركيا؟ إذا كان خياره هو الخيار الأول، سيكون هو المسؤول عن فوز حزب العدالة والتنمية."

حسنا، الخيار السهل بالنسبة لي، وهو ما يتماشى بالمناسبة مع الخط التحريري الذي أحاول الحفاظ عليه في "أحوال تركية"، هو تجاهل هذه التغريدات. ولمَ لا؟ فعلى كل حال، لا أحد يجبرني على قراءة كتابات أي شخص. يمكنني اعتبارها كأنها لم تكن وإلغاء متابعة هذا الشخص والمضي قدما في حياتي. لكن للأسف عندما يكون الزميل المعني يحظى بنفوذ وتأثير بالغين في "صناعة خبراء الشأن التركي"، مثلما يتمتع بعض الجمهوريين في عملية صنع السياسة الخارجية الأميركية، فمن الصعب علي التزام الصمت.

المسؤولية قائمة

دعونا نفترض أنك أنت عزيزي القارئ من تريد الرد على هذه التغريدات. من أين تبدأ مواجهة هذه النغمة؟ ماذا تفعل إذا كان المتحدث أمامك يدافع عن هذه النبرة المتعالية بعدم الاكتراث إزاء وجهة نظرك، سواء على الصعيد السياسي أو حتى الأخلاقي؟

ماذا لو رددت بأن لهجة هذه التغريدات نفسها تحمل وجهة نظر سياسية معيبة؟ وأنه بغض النظر عن كونه غير مبالٍ بوجهة نظرك، فإن اتهاماته لحزب الشعوب الديمقراطي "بالترويج لبطولة يسارية زائفة" لا تستند إلا على حكمه التقديري الأخلاقي والسياسي. ماذا سيكون الغرض من كتابة هذه الكلمات، إن لم يكن الاستهانة والسخرية من آرائه؟ أليست تلك الآراء تعكس نظرة نيوليبرالية، بل وأيضا نظرة المحافظين الجدد؟
أما فيما يتعلق بالمحتوى، تضمنت هذه التغريدات كل النقائص التي يمكن أن يرتكبها محلل سياسي: عدم الفهم والميل إلى تشويه الآخر واجتزاء الوضع السياسي من سياقه المناسب. لأنه ببساطة الأحزاب التي تشكل "التحالف الكبير" لن تهتم بالتقارب مع حزب الشعوب الديمقراطي، وهو أول حزب كردي يدخل البرلمان التركي، وستغض الطرف عن استمرار سجن صلاح الدين دميرطاش، وهو مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية، بعد عام ونصف من بقائه خلف القضبان دون حكم قضائي نهائي، وسيوافق أحد هذه الأحزاب على تشريعات تطلق يد السلطات الحكومية في الزج بأعضاء حزب الشعوب الديمقراطي في السجن، كما لن يقدم أي حزب توصية محددة من شأنها حل القضية الكردية.

وبعد كل هذا، تظل المسؤولية قائمة على عاتق حزب الشعوب الديمقراطي لتشكيل التحالف؟ حتى بعد أن أعلن هذا التحالف للعالم كله أن هذا الحزب غير مرحب به في موقف أجبر حزب الشعوب على رفض التوسل من أجل تشكيل ائتلاف لدخول البرلمان؟ يا له من عالم غريب!

هل سيختار حزب الشعوب الديمقراطي القومية العرقية والبطولات اليسارية الزائفة أم التحالف؟ لسبب ما، يميل زميلي الكريم إلى إسباغ الكثير من الصفات على حزب الشعوب وتجنب فعل الشيء نفسه مع التحالف. وربما يكون من الأدق وضع هذه المفارقة الثنائية على النحو التالي: "هل سيختار حزب الشعوب الديمقراطي القومية العرقية والبطولات اليسارية الزائفة، أم الائتلاف اليميني القومي التركي ذا الطابع المحافظ والنزعة العسكرية؟". 

دعونا نقبل، على سبيل الجدل، فكرة أن حزب الشعوب الديمقراطي هو حزب قومي عرقي. هنا سيفرض السؤال نفسه: إذا كان على الحزب أن يختار بين قوميتين، فلماذا سيختار القومية التركية على حساب الأكراد الذين يمثلهم؟ فالأكراد في نهاية الأمر جماعة اضطهدها معظم الأتراك، ورزحت تحت وطأة هيمنة حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه الولايات المتحدة منظمة إرهابية بسبب أنشطته المسلحة منذ الثمانينات من القرن الماضي..

لماذا سيدعم الناخبون المؤيدون للحزب الانضمام لائتلاف يرفض حزبهم علانية؟ لماذا سيتعاون الشعب الكردي مع أحزاب أيدت، وما زالت تؤيد السياسات الأمنية التي تتسبب في تدمير المدن الكردية، وتجبر الأكراد على ترك أحيائهم، وتقتل أبنائهم بالقناصة المدربين، وتحرقهم أحياء في أقبية منازلهم؟ لماذا سيصوتون لصالح مرشحين يدافعون باستماتة عن جهاز حكومي يأمر بغزو أراضي دولة أخرى مدفوعا بالعداء للأكراد؟

سيطرح زميلنا الواقعي بالطبع اسم حزب العمال الكردستاني (وقد فعل ذلك بالفعل). فحزب العمال الكردستاني على الأقل مسؤول مثله مثل الحكومة التركية عن الانهيار الأخير للعلاقة بين الحكومة والأكراد. 

لكن: أولا، حزب العمال الكردستاني غير مشارك في الانتخابات. 
ثانيا، علاقة حزب العمال الكردستاني مع السكان المحليين يشوبها التوتر بالفعل منذ فترة. 
ثالثا، حزب العمال الكردستاني هو نتيجة وليس سببا، إذ أنه تشكل كنتيجة طبيعية لـ90 عاما من القمع الحكومي للأكراد، ولا سيما في أعقاب انقلاب 1980. 
رابعا، لماذا يدعم الشعب الكردي، الذي يرفض ممارسات حزب العمال الكردستاني ويريد إيجاد حل سلمي، نفس القومية التي خلقت هذه المجموعة في المقام الأول؟

وبغض النظر عن مدى صعوبة الموقف، يجب بلا شك أن يختار حزب الشعوب الديمقراطي تركيا. لكن ألم يتلق الحزب انتقادات من الحركة الكردية بالفعل لمحاولته إظهار الكثير من الانتماء لتركيا، وانتخابه عضوا تركيا لرئاسته المشتركة؟

ألم يجتمع ممثلون من الحزب مع وفد من حزب المعارضة الرئيسي، بعد الانتخابات البرلمانية لعام 2015، لبناء ائتلاف قبل أن يعود خالي الوفاض بسبب تحفظات المعارضة؟ ألم يقف دميرطاش مصفقا في لحظة تنصيب الرئيس رجب طيب أردوغان في الحفل الذي أقيم بهذه المناسبة؟ ما الذي يمكن أن يفعله أكثر من ذلك لدعم تركيا؟

صحيح أن دميرطاش والنواب الآخرين للحزب لم يدلوا بتصريحات مفادها أن "حزب العمال الكردستاني هو مجموعة إرهابية وأيديها مضرجة بالدماء". لكن حتى هذه اللحظة، لم يجرؤ أي سياسي كردي على انتقاد حزب العمال الكردستاني بشكل علني ومباشر مثلما فعل دميرطاش في السابق. كما أنه من المعروف على نطاق واسع أن حزب العمال الكردستاني لا يحب دميرطاش ولا يتفق مع آرائه. لكن إذا اضطر أبناء أنصار دميرطاش إلى الفرار إلى الجبال والانضمام إلى المقاومة الكردية المسلحة، ماذا عليه أن يفعل؟

يقول البعض إنه ربما عليه أن يحاول اتخاذ بعض الإجراءات لإعادتهم من الجبال. لكن هل منحه الشعب التركي هذه الفرصة؟ بغض النظر عن أي شيء آخر، بأي حق يوجه المجتمع التركي الغارق في القومية العرقية وحب النزعة العسكرية، وحتى العنصرية، اتهامات للأكراد بأنهم قوميون عرقيون؟

أما عن ما قام به الزميل من ربط بين الدفاع عن الفكر والتضامن اليساري والترويج الصاخب "للبطولات الزائفة"، فأنا لا أستطيع أن أجد التعبير المناسب للرد على هذه الكلمات. لكن اقتراحي الوحيد للزميل هو التوقف قليلا عن الاستعانة بالأدبيات والكتابات ذات الطابع الأمني التي دفن رأسه فيها، وأن يفكر في قضاء بعض الوقت في القراءة حول ما يعنيه اليسار حقا.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkey/industry-turkey-experts-and-saz-playing-peddler
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.