ضاع شرفنا في كعك وخضروات رخيصة، لا حين الحديث بالكردية

"كعك مجاني" و"خضار رخيص"...

لقد أخطأنا خطأ كبيرًا في أمرٍ ما.

لسنوات طويلة وعديدة ظللنا نبحث عن الشرف واحترام الذات في المكان الخطأ تمامًا.

أدخلنا الأمر حيز التنفيذ في أوقات خاطئة، وتجاه أحداث خاطئة.

الحقيقة أنه استحال تعليم ولو حتى المبادئ الأساسية لما هو صواب، وما هو خطأ.

سقطنا في هوة عميقة من اللاوعي لدرجة إننا لم نستطع إدراك أن كرامة المجتمع أو الفرد دِيستْ وجرحت؛ ليس عندما تم الحديث باللغة الكردية أو تم ترديد شعارات أو أنشودة بها، وإنما حين يدافع عن حزب العدالة والتنمية في طوابير الخضروات الرخيصة ويُصوّت لصالحه مقابل كعك مجاني.

الأسوأ من ذلك أننا فقدنا حتى القدرة على التمييز بين ما هو في صالحنا، وما هو ضده. بل إن مَلَكَة إقامة علاقة بين السبب والنتيجة عند مواجهة أية مشكلة، والتي هي إحدى القدرات العقلية الأساسية، لم يتسنَّ تنميتها قط أو أنها أُهمِلت وهُمّشت.

لقد تخلينا عن ميزان العقل والمنطق.

وعلى الرغم من أن هذا ليس دليلًا صحيحًا بالنسبة للمجتمع بأسره، إلا أن حالة العجز عن الوعي والإدراك هذه تكفي لأن يُربط بنمط وسياقٍ معينٍ "غيابُ العقل المشترك" الذي أدى إلى الحفاظ على سلطة حزب العدالة والتنمية.

الشتاء يحكم قبضته تمامًا. والجو بارد لدرجة أن حيوانات الشوارع لن تستطيع تحمل برودته. إنه الوقت الذي تلجأ فيه إلى مأوى، إلى أعتاب الأبواب أملًا في الحصول على الدفء.

إنه البرد القارس.

ومع ذلك فإنه لا نهاية لتلك الطوابير التي وقف بها مئات الأشخاص شبابًا وشيوخًا. يشعرون بالبرد، ولكن الفقر يصيبهم بالبرد أكثر. الجيوب خاوية، وارتفاع الأسعار انطلق، ولما يتوقف.

لقد تم طردهم أولًا بقرار السلطة فرض شراء الأكياس النايلون من محلات البقالة، ثم بأسعار المواد الغذائية باهظة الثمن.

فقدوا "رفاهية" التسوق، وحكم عليهم بالسجن في أسواق السلع الرخيصة التي تنامت وكثرت في عهد حزب العدالة والتنمية.

الخلاصة أن "حدودهم وأوضاعهم" قد انكشفت وبانت.

لم يكفِ هذا أيضًا، فعجزهم عن شراء اللحوم الذي اعتادوا عليه وملُّوا منه منذ سنوات قد ظهر واستفحل هذه المرة في العجز عن شراء الخضروات والفاكهة.

فحتى البطاطس والبصل والسبانخ والفلفل والباذنجان أيضًا أكثر شيء ألفته أواني الطهي والبطون ارتقى فجأة إلى الطبقة "الفاخرة".

منذ تحذيرات "الزراعة آخذة في الانقراض أيها الشعب، يا جماعة المسلمين"، ومنذ صدرت إجابة "يا لكم من إرهابيين..." أصبح من غير المعروف إن كانت الهموم أم الطعام هو الذي يغلي في أواني الطهي! ...

واحسرتاه على العقل! إذ سيطرت عليه غشاوة العجز عن تحليل وفهم سبب الغلاء، ولو قليلًا، حتى عند الانتظار في الطوابير مع من يقولون "إنهم اشتاقوا لشراء الخضروات الرخيصة" ومن يمدحون منافذ البلدية لبيع السلع.

أحد الأشخاص الذين كانوا ينتظرون في الصف للحصول على خضرواتهم التي حُدِّدت كمياتها كان يقول "إنه لمن الجميل عمل هذا في كل مكان. إنه عمل لصالح المواطن. لو أنني أشتري البصل من مكان غير هذا اليوم أشتريه بــ 5 ليرات. في هذا العمل خير للمواطن."

ومع ذلك فإن لسان السلطة كان يُذكّر بطوابير غاز الطبخ والزيت والدقيق والسكر في سبعينيات القرن الماضي، ويقول "انظروا! كم تقدمنا".

وبصرف النظر عن السلطة التي تفعل كل ما كانت تنتقده، وتزداد تعثرًا بحالها البائس، فإننا نشاهد كرامة المجتمع والفرد فُقدت مع من يعودون إلى منازلهم وكأنهم مطمئنين ولسان حالهم "الدولة الأب تهتم بنا وتراعينا"، وذلك بعد أن انغرسوا في الطوابير لساعات ينتظرون مرتجفين بردًا الحصول على الكعك المجاني المحددة حصته.

ولكنه شرف يتمرد ويخرج عن صمته حين تأتي فاتورة الكهرباء منتفخة، ويُدفع 25 قرشًا ثمنًا للكيس النايلون الواحد...

جزء من أصحاب ذلك الشرف ينزعج حين يسمع أنه تم الحديث باللغة الكردية. وتتأذى "عزّته التركية" فجأة، فيضطرب ويظن أنه أُهين، وأن أراضيه ووطنه قد تشرذم وتقوضت وحدته.

الأسوأ من ذلك أن أولئك الأشخاص يكونون على أهبة الاستعداد للتأذي والانزعاج حتى عند ذكر لفظ الأرمن، دون حاجة ولو حتى للقاء مباشر مع شخص أرمني.

"إنه شرف يرغب في أن يمرح ويرتع في سوريا كما يحلو له، بينما يتهم الأكراد "بالطمع في الوطن".  شرف يتأذى للغاية "من أنشطة الأكراد السوريين في بلادهم أنفسهم."

"شرف" تدفع حتى أحمد كايا إلى الموت، أو "وضاعة"...

قديمًا كانت الأمهات تنصح أولادهن بالابتعاد عن كل أنواع الهدايا والمساعدات والمنح التي تُقدم مجانًا.

كان يُتحرّزُ من ثقافة الخير والصدقة.

حتى طبق الطعام الوارد من الجار ما كان يُردُّ إليه فارغًا.

انظروا من أين وإلى أين وصلنا؟!

شرف وأمة منتهكة في كيس نايلون بـــ 25 قرشًا، وفي طوابير 2 كيلو جرام باذنجان وبطاطس، في الحدائق العامة حيث يُقدم الكعك مجانًا.

لم أستطع أن أعرف ماذا يُقال لمهندسي هذا الانحطاط من ناحية، ومن يباركون هذه المهانة من ناحية أخرى.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/tanzim-satislari/onurumuz-bedava-kekte-ucuz-sebzede-yitip-gitti-kurtce-konusuldugunda-degil
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.