ضباط أتراك فُصلوا بعد الانقلاب: أصبحنا خونة في بلدنا

مع انقشاع الدخان غداة محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي شهدتها تركيا ضد حكم الرئيس رجب طيب أردوغان وحكومته من الإسلاميين في يوليو عام 2016، كانت حملة القمع ضد القوات المسلحة أمرا قادما لا محالة.
لكن وإلى جانب الضباط الذين اتهموا بالتخطيط لمحاولة الانقلاب وتنفيذها، هناك أكثر من عشرة آلاف طالب فقدوا أماكنهم أيضا في الكليات العسكرية في إطار عملية التطهير، بل إن مئات منهم حُكم عليهم بالسجن مدى الحياة بتهمة "محاولة الإطاحة بالنظام الدستوري من خلال القوة والعنف."
المشكلة هنا أن مأساة هؤلاء الطلبة العسكريين قد غابت عن الرأي العام فتُركت عائلاتهم والمقربون منهم بمفردهم يواصلون تنظيم حملات من أجلهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن بالإضافة لمن واجهوا أحكام السجن مدى الحياة، هناك آلاف آخرون دُمرت حياتهم.
فقرارات فصلهم لم تعصف فقط بأحلام تخرجهم في الكليات العسكرية، بل خلّفت علامة سوداء لا تمحى وضعت في سجلاتهم تجعل منهم موضع شبهة من المواطنين وتعجزهم عن العثور على فرص للعمل.
يقول أحدهم واسمه محمد وكان قد بدأ تدريبا ليصبح ضابط صف في قوات الدرك التركية في حديث لموقع أحوال تركية "كنت في إجازة أنا وزملائي في المدرسة، وبالتالي لم تكن لي أي علاقة من أي نوع بمحاولة الانقلاب."
وأضاف "لكن في يوم 31 يوليو عام 2016، تم فصل 16 ألف طالب عسكري من مدارسهم وأرسلوا إلى الجامعات بينما صدر مرسوم يقضي بإغلاق أكاديميات عسكرية.
"لم يكن لديهم أي دليل ضدنا ولم يتم فتح أي تحقيق جديد، لكننا حرمنا من شرف ارتداء أزيائنا العسكرية."
كان لهذا المرسوم تبعات خطيرة على حياة محمد، إذ حرمه من الحصول على فرصة عمل في المؤسسات التابعة للدولة، وبينها قوات الشرطة، بل وحتى من التقدم مرة أخرى في محاولة لأن يصبح ضابطا.
وبسبب عجزه عن مواصلة مسيرة مهنية عسكرية، أجبر محمد على قبول وظيفة عامل في شركة شحن.
وقال طالب آخر اسمه جاهيك كان يدرس للانضمام إلى قوات الدرك إن العلامة السوداء التي وضعت في سجله لدى استبعاده من التدريب جعلت من المستحيل تقريبا بالنسبة له أن يعثر على عمل رغم تخرجه في كلية للحقوق.
وقال جاهيك "لا يمكنني أن أصبح ضابطا في السجن، أو أن أعمل في محكمة ولا يمكنني أن أصبح موظفا حكوميا أو ضابط شرطة أو ضابطا محترفا.
"وبخلاف المؤسسات التابعة للدولة، فإنني أيضا عاجز عن العمل في القطاع الخاص كذلك."
وأضاف الشاب التركي إن الحقيقة التي أدركها حين فُصل من الأكاديمية بموجب هذا المرسوم هي أن سجله بات يحمل وصمة تجعله مثار شبهة حيثما حلّ.
كانت الحكومة قد قالت إن آلاف الضباط والطلبة وغيرهم من الآلاف الذين قامت بفصلهم منذ عام 2016 يرتبطون بصلات مع حركة فتح الله غولن، وهو داعية إسلامي سابق كان حليفا للحكومة قبل أن تنقلب عليه وتتهمه بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة.
وتساءل جاهيك قائلا "حتى حين أذهب لشراء دواء من الصيدلية أجدهم يسألونني عن سبب فصلي. أريد أن أتزوج لكن وضعي يسبب لي مشكلة حتى في هذا الأمر."
وأضاف "من يمكن أن يزوج ابنته لشخص تم استبعاده في إطار حملة ضد أعضاء حركة فتح الله غولن؟"
هناك أيضا أحمد الذي كان على بعد شهر واحد من التخرج حين صدر قرار بفصله من الأكاديمية العسكرية.
وحصل أحمد وزملاؤه على شهادات توثق إغلاق الأكاديميات التي كانوا يدرسون بها مع إضافة علامة سوداء إلى سجلاتهم.
وقال أحمد "بعد إغلاق الكلية التي كنت أدرس بها، أصابني الاكتئاب ولم أبرح منزلي لثلاثة أشهر. انهارت علاقاتي ببقية أفراد عائلتي."
وأضاف "تركت تلك الإشارة إلى المرسوم في الشهادة التي حصلت عليها حرمني من العثور على فرصة عمل."
وتابع "كان علي أن أبدأ الدراسة الجامعية، وأنا الآن أدرس الهندسة الميكانيكية من البداية. بسبب هذا المرسوم ضاعت ثلاث سنوات من حياتي."
بدوره التحق بكير بجامعة أخرى بعد قرار فصل مماثل، لكنه وجد نفسه موضع شبهة، ويعاني بالفعل من آثار نفسية جراء انهيار أحلامه وطموحاته.
تقدم بكير مرتين لخوض امتحانات القبول بقوات الشرطة، لكنه أُقصي في كل مرة بسبب وضعه كطالب عسكري مستبعد، وهو الآن يدرس في جامعة ويبحث عن عمل.
وقال بكير "لقد حاولت الانتحار. لكني لم أكن أبدا عضوا في أي منظمة إرهابية أو أي حركة دينية. سجلي نظيف تماما أمام القانون."
واحتجز الطالب العسكري السابق أومير وأمضى 20 شهرا في السجن في أعقاب محاولة الانقلاب، لكنه لم يحصل على أي تعويض عن فصله.
وتساءل قائلا "لقد أصبحنا خونة في بلدنا. هل تعرف ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لشخص على أتم استعداد للموت من أجل بلده.. أن يتم وصمه بالخيانة؟"
ووصف أمين، الذي كان ابنه يدرس في كلية عسكرية قبل محاولة الانقلاب، ما جرى حين فصل وتأثير ما جرى على العائلة بأسرها.
وقال أمين "بدأت أجد صعوبة في النوم وبدأت أعاني من مشاكل في المعدة. وصف لي الطبيب أدوية مضادة للاكتئاب."
وأضاف "أصيبت أمه بارتفاع في ضغط الدم، وابتعدت أخته عن كل ما يخصها وتركت دراستها الثانوية لتقف بجواره، كانت تخشى أن يقدم على قتل نفسه."
تناول الضابط التركي السابق والمحلل العسكري متين جورجان هذه القضية العام الماضي ووجد في الأمر صعوبات جمّة.
وكتب جورجان في صحيفة المونيتور "إصدار أحكام بالسجن مدى الحياة على مثل هؤلاء الشبان صغار السن بجرة قلم في ليلة صاخبة، وفي وقت سيطر فيه الغموض على جميع من في الجيش، هو شيء يسبب أذى حقيقيا للضمير العام."


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/coup-attempt/traitors-our-own-country-turkish-cadets-dismissed-after-coup-attempt
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.