أمره قورال
ديسمبر 14 2018

ضحايا القرارات التعسّفية بتركيا في السجون والقبور

كان تاريخ الأول من سبتمبر عام 2016 يوما مشهودا؛ إذا ارتجفت أفئدة مئات الآلاف من المعلمين، وهم يبحثون عن أسمائهم في قائمة المُبعدين عن وظائفهم، لا يشغل ذهن أي منهم سوى سؤال واحد "هل أنا من بين الذين وردت أسماؤهم في تلك القائمة أم لا؟".

صدر في ذلك اليوم مرسوم قرار (قرار بصلاحية قانون) رقم 762 جرى على إثره عزل 28 ألفا و163 مُعلمًا من وظائفهم تحت ذريعة صلتهم بجماعة فتح الله غولن.

حمل اسم خديجة جيفَليك رقم 14 ألف و73 في تلك القائمة، ولم يحل وقت الظهيرة حتى كانت إدارة مدرسة ابن سينا الابتدائية في سنجاق تبه، حيث تعمل خديجة، إلا واتصلت بها إدارة المدرسة لتبلغها بهذا القرار.

وفي حين اقتصر تأثير هذا القرار على حياة الذين شملتهم هذه القائمة فحسب، كانت عائلة جيفليك بأكملها على موعد مع شدائد جديدة. 

تخرجت خديجة جيفليك في جامعة "زونغولداق قره ألماس" لتعمل بعد ذلك في مجال التدريس. أما زوجها أنيس أفرين جيفليك، فتخرَّج في جامعة غازي، وعمل بتدريس اللغة التركية.   

أنهى أفرين كذلك دراسته في كلية الإلهيات بجامعة الأناضول، وتنقَّل للعمل بين عددٍ من الوظائف في القطاع الخاص. 

كانت المصاعب الاقتصادية أول تحدٍ واجه عائلة خديجة بعد صدور مرسوم قرار 15 يوليو. وفي عام 2017 تقدَّم أفرين جيفليك بطلب للعمل مدرسًا بعقد في مديرية التعليم.

لم يكن هناك ما يقلقه بهذا الشأن؛ فقد اجتاز مرحلة التحريات الأمنية، وتعاقد بالفعل بعدها ليعمل معلما لدى مديرية التعليم.

وفي يوم من شهر يونيو عام 2017، ومع ساعات الصباح الأولى، دقَّت الشرطة أبواب بيته. كان بحوزتها قرار اعتقال مُذيَّل بتوقيع المُدعي العام بأنقرة. كان القرار يحمل عبارة "عمل المذكور في عام 2005 نائبا لمدير إحدى مساكن الطلاب التابع لجماعة فتح الله غولن". كان هذا هو السبب وراء إلقاء القبض عليه في ذلك اليوم.

لم تُوجَّه إلى أفرين أي من الاتهامات التي تنظر إليها سلطات التحقيق بوصفها دليل إدانة لأفراد جماعة غولن؛ كأن يكون الشخص من بين الذين يستخدمون تطبيق "بايلوك" للتواصل مع الآخرين، أو أن يكون لديه أموال في بنك آسيا. ذكر أفرين في إفادته بأن سكن الطلاب الذي عمل به لمدة عامين كان يتبع وزارة التعليم التركية بشكل مباشر، وأنه من غير المعقول أن تُوجَّه إليه الاتهامات الآن، وقد مر على عمله به عدة سنوات. وعلى الرغم من هذا جاء قرار المُدّعي العام بتقديمه إلى المحاكمة.

وُجِّهت إلى أفرين تهمة الانضمام إلى منظمة فتح الله غولن، وكانت المؤسسة التي عمل بها قبل 12 عاما هي الذريعة الوحيدة التي سيق بسببها إلى سجن "قيريق قلعه كسكين".

ومع القبض على أفرين بدأ الوضع الاقتصادي لأسرته في التأزُّم؛ فقامت زوجته على إثر ذلك باصطحاب ابنتيهما ناعمة (ثماني سنوات) وبتول (ثلاث سنوات) إلى منزل أبيها في  دوزجه.

عائلة جفليك

لم يعد أفرين جيفليك بعد ذلك التاريخ يرى عائلته إلا في الزيارات العامة. كان يوم الجمعة الموافق السابع من ديسمبر 2018 هو أحد الأيام المقررة لتلك الزيارة. وبالفعل اصطحبت خديجة ابنتيها وانطلقت على الطريق المؤدي إلى سجن كسكسين برفقة والدها أمين باليقجي ووالدة أفرين السيدة حواء جيفليك، التي قدِمت من مدينة ريزا للسبب نفسه. انطلق الجميع مع منتصف الليل، ونجحوا بالفعل في الوصول إلى بوابة السجن في السابعة صباحا وهو الموعد المقرر للزيارة حسب تعليمات إدارة السجن. 

كانت هذه الزيارة، التي يعُدُّها السجناء "عيدا"، أو بلغة إدارة السجن "زيارة مفتوحة لمدة ساعة"، هي آخر زيارة يرى فيها أفرين جيفليك أفراد عائلته؛ إذ انقلبت السيارة التي كانت تُقلُّهم جميعا على طريق عودتها إلى المنزل البالغ 350 كم عند منطقة مامق التابعة لأنقرة، ولم ينج من هذا الحادث سوى خديجة.

فقدت خديجة ابنتيها وأبيها وحماتها. أما هي، فتم نقلها إلى مستشفى نومونه في أنقرة وقد أُصيبت بكسور في أماكن متفرقة من جسدها. كان أول ما نطقت به أمام الشرطي، الذي حضر لأخذ إفادتها، عندما استردت وعيها، هو سؤالها "من مات منهم؟"

رد الشرطي عليها قائلا "لن تتحملي الحديث في هذا الأمر الآن"، فعاجلته بردها قائلة "لقد وصموني بخيانة الوطن من قبل على الرغم من حبي الشديد له، وتحمَّلت هذا؛ لذا ستجدني قادرةً على التحمل اليوم أيضًا".

كانت خديجة جيفليك تصرخ من بين أنينها وتنادي على المسؤولين من خلال شريط فيديو سجَّلته لها إحدى صديقاتها من غرفتها بالمستشفى وتقول "أريد أن أعرف ما الذي يصير هنا، لماذا لا تطلقون سراح زوجي بعد كل هذا، لا تتركوه وحيدا في ذلك السجن. أعاني من كسور في الظهر والصدر وفي ذراعي أيضا. أنا بحاجة شديدة لوقوفه إلى جواري اليوم، وهو أيضا بحاجة إليَّ. من فضلكم أطلقوا سراحه".

في تلك اللحظة كان أفرين جيفليك في مقابر مدينة دوزجه يقوم بدفن ابنتيه بعد أن وافق المُدعي العام على منحه تصريحا خاصا للقيام بهذا الأمر.

توابيت

ومن جهة أخرى، ألجمت الفاجعة لسان أفرين جيفليك ولم يعد يتحدث إلا بكلمتين فقط "رحلت ملكتاي"، وعقب انتهاء مراسم تشيع الجنازة اصطحبته الشرطة إلى أنقرة لرؤية زوجته في المستشفى. كان المدعي العام قد منحه أيضا حق زيارتها لمدة عشر دقائق.

وبعد انتهاء الدقائق العشر التي لاذ خلالها الزوجان بالصمت، وقد أمسك كل منهما بيد الآخر، اقتادت الشرطة أفرين جيفليك إلى ريزا، في هذه المرة ذهب الأب، الذي وارى ابنتيه الثرى قبل ساعات، كي يدفن أمه كذلك.  

مقابر

يعتزم المحامي الخاص بأفرين التقدم بطلب جديد لإطلاق سراح أفرين بعد ما حدث لعائلته عقب وقوع الحادث. ومن المقرر أن تنعقد جلسة إجرائية يوم 14 ديسمبر الجاري لتبدأ المحاكمة بعد ذلك في 28 يناير 2019 المقبل.

وفي السياق نفسه شدَّدَ النائب عن حزب الشعوب الديمقراطي عمر فاروق جرجرلي أوغلو على أن تعمُّد السلطات التركية الإبقاء على المعتقلين والمحتجزين في سجون بعيدة عن أماكن إقامة ذويهم، وعدم السماح بنقلهم إلى سجون أخرى قريبة من محل إقامتهم، يُعد انتهاكا للحقوق ونوعًا من أنواع العقاب المُمنهج من جانب الدولة التركية.

تتبع الدولة بالفعل هذا النهج مع السجناء من المعارضة؛ ليس مع أتباع جماعة غولن فحسب بل مع السجناء الأكراد كذلك.

تشييع

تُضطر العائلات إلى قضاء الليل في الطريق حتى يمكنهم بلوغ أبواب السجن في السابعة صباحًا كما تقتضي قوانين الزيارة الصارمة، وهو ما يجعلهم أكثر عُرضة لحوادث كالتي وقعت لخديجة.

ولم تكن عائلة جيفيلك هي الحالة الوحيدة التي تعرضت لحادث؛ إذ تعرَّض العديد من أقارب المسجونين بتهمة الانضمام لجماعة غولن كذلك إلى حوادث مماثلة عند عودتهم لمقر إقامتهم الذي يبعد كثيرا عن السجن؛ من بين هؤلاء المُعلمة بوراك أيدن، وهي أيضا واحدة من بين الذين أُدرجت أسماؤهم على قائمة المستبعدين من وظائفهم بموجب مرسوم قرار مماثل.  

انتقلت أسرة أيدن من مقر إقامتها في غيرسون لزيارة ابنتها في محبسها في ماردين على خلفية اتهامها بالانضمام إلى جماعة فتح الله غولن. وفي طريق عودتها إلى غيرسون (28 فبراير 2018) وقعت حادثة راح ضحيتها أربعة من أفراد العائلة.

وعلى النقيض مما حدث مع عائلة جيفليك، لم تسمح السلطات لأيدن بحضور جنازتهم، ولكن ما لبثوا أن سمحوا بزيارتها للمقابر في اليوم التالي للحادث بعد ما أثاره هذا السلوك من ردود أفعال غاضبه. كانت الصورة التي التقطت لها، وهي واقفة بين مقابر ذويها، تجسيدًا لواحدٍ من مظاهر الألم التي خلَّفتها مراسيم القرارات التي استصدرتها الحكومة التركية.  

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/khk-magdurlari/civelek-ailesinden-geriye-kalanlar &nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.