أكرم أوناران
يونيو 10 2018

ضمان اجتماعي ووعود انتخابية، سباق بلا حدود بين الأحزاب التركية

 

لا شك أن الوعود الانتخابية تعتبر أحد الأشياء التي لا غنى عنها في سباق الصناديق الانتخابية بتركيا على مدار تاريخها؛ لا سيما خلال الحملات التي تقوم بها كافة الأحزاب السياسية في الوقت الراهن استعدادًا للانتخابات النيابية والرئاسية المزمعة في 24 يونيو الجاري. وإذا أردنا أن نستشهد على هذه الوعود الانتخابية في السابق، فلن نجد خيرًا مما قاله الرئيس التاسع للجمهورية التركية، سليمان دميرال حينما كان يتحدث عما يمكن أن يقدمه كوعود انتخابية، إذ قال "سأعطي 5 أضعاف ما يعطيه الآخرون".
وأكثر الأشياء التي تبرز في الوعود الانتخابية للأحزاب السياسية في تركيا، الضمان الاجتماعي، وحياة العمل، والتوظيف. ونظرًا لأن أية تعديلات تجري على هذه المجالات المذكورة، تمس حياة المواطن اليومية، وتؤثر عليها بشكل كبير، فإن الأحزاب المختلفة تفرد لها مكانًا واسعًا ضمن ما تقدمه من وعود للناخبين. لا سيما أن أعداد المتقاعدين التي تجاوزت الـ12 مليونًا، تفتح شهية تلك الأحزاب.
وعلى رأس أهم المشكلات في مجال الضمان الاجتماعي بالنسبة للناخب التركي، تأتي باستمرار المعاشات التي يتم تخصيصها للمتقاعدين الجدد. وكما تعلمون فإن معدلات معاشات المتقاعدين انخفضت بموجب قانون إصلاح الضمان الاجتماعي الذي فعّله حزب العدالة والتنمية في العام 2008.
وبالتالي فإن المعاشات المخصصة للمتقاعدين الجدد، منخفضة بنسبة تتراوح بين 50 إلى 60 في المئة مقارنة بتلك التي كانت تخصص في الأعوام السابق للمتقاعدين بنفس شروط التقاعد المعمول بها في الوقت الراهن. ومن أهم الوعود الانتخابية التي تبناها حزب الشعب الجمهوري، زعيم المعارضة التركية، هو إجراء تعديلات بهذا الخصوص، بينما وعد الحزب "الصالح" بإجراء تعديلات من أجل من يصطدمون بمسألة السن عن تقاعدهم.
وإذا أردنا أن نوضح إجمالًا أبرز الوعود الانتخابية التي تقدمها الأحزاب السياسية على اختلاف مشاربها، يمكننا القول إنها تتمثل في: زيادة معاشات المتقاعدين، وإعطاء المتقاعدين إكراميات بمعدلات متفاوتة، وتحسين الحد الأدنى للأجور، وإعادة تعديل شروط التقاعد، ودعم العمالة والتوظيف بالنسبة للشباب والسيدات.

 

أكبر ورقة رابحة يقدمها حزب العدالة والتنمية كوعد انتخابي، إكرامية للمتقاعد الواحد تبلغ ألفي ليرة تركية: 
ونحن على مقربة من الاستحقاق الانتخابي المقبل، نجد أن حزب العدالة والتنمية الحاكم، يستخدم ورقة رابحة لديه في مجال الضمان الاجتماعي يغازل بها الناخبين المتقاعدين، والتي تتمثل في منحهم ألفي ليرة مقسمة على مرتين في عيدي الفطر، والأضحى. ولعل الحزب الحاكم لم ينتظر الانتخابات، بل قام بالفعل بتنفيذ هذا الوعد، وشدد على أن أول إكرامية في هذا الشأن ستقدم للمتقاعدين قبل عيد الفطر المقبل. وهذا الإجراء الذي يقوم به الحزب، كان أحد أهم الوعود الانتخابية لحزب الشعب الجمهوري.
أما بخصوص الوعود الانتخابية الأخرى لحزب العدالة والتنمية في مجال الضمان الاجتماعي، فتتمثل في تكفل الدولة ولمدة عام بأقساط نظام الضمان الاجتماعي للعاملين لحسابهم الخاص (Bağ-kur) بالنسبة للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18-29 عامًا، وذلك في حالة قيامهم بتأسيس عملهم كمستثمرين، هذا إلى جانب إسقاط الدولة لأقساط دعم الضمان الاجتماعي بالنسبة للمتقاعدين الذين يزاولون نشاطًا تجاريًا بعد تقاعدهم.
حزب العدالة والتنمية يَعِد كذلك بأكثر من 5 ملايين وظيفة إضافية في المجموع خلال السنوات الخمس المقبلة مع ما لا يقل عن مليون وظيفة سنويًا. وهناك أشياء أخرى تندرج ضمن هذا الوعد، مثل تدريب مليوني و250 ألف شخص تدريبًا مهنيًا، وزيادة حافز التوظيف بالنسبة للسيدات والمعاقين إلى 18 شهرًا، والعمل على استفادة مزيد من الأشخاص من ضمان البطالة.
 كما أعلن الحزب الحاكم عن نيته رفع عروض التقاعد الإضافية إلى 3600 ليرة، بالنسبة لرجال الشرطة، والمدرسين، والممرضين، ورجال الدين الذين يقترب عددهم من 1.5 مليون شخص.  ولا جرم أن تنفيذ هذا الوعد سيحقق زيادة تقدر بـ500 ليرة تقريبًا على معاشات التقاعد بالنسبة للموظفين العموميين، و20 ألف ليرة في إكراميات التقاعد.  وبعد هذا الوعد الذي قدمه الحزب، توقفت طلبات التقاعد بشكل كبير في الوظائف العمومية. والموظفون الذين يستعدون للتقاعد ينتظرون تنفيذ هذا التعديل.

 

حزب الشعب الجمهوري سيخصص معاشات لثمانية ملايين أسرة من خلال تأمينات الأسر:
تجدر الإشارة أن حزب الشعب الجمهوري لفت الانتباه بما تبناه من سياسات الحماية الاجتماعية، وخرج أمام الناخبين قبل انتخابات 24 يونيو بسلسلة من العناوين التي يتحدى من خلالها المنافسين الآخرين. ويأتي تفعيل ما يسمى بالتأمين الأُسري على رأس أهم الوعود الانتخابية للحزب. فمن خلال تفعيل هذا الوعد سيتم إيداع ألف ليرة شهريًا في حساب السيدات صاحبات ما يسمى بالكارت الأخضر.
كما ستقدم للعائلات التي تتحص على معاش في إطار البرنامج المذكور، مساعدات تلبي الحد الأدنى من احتياجاتها للمياه، والوقود، والكهرباء. وبحسب وعد الشعب الجمهوري فإن المرحلة الأولى ستشهد تخصيص معاشات لثماني ملايين أسرة. كما أن التطبيق الكامل لنظام تأمينات الأسر سيحقق دعمًا اقتصاديًا لـ16 مليون أسرة.
كما أن وعد الشعب الجمهوري للمتقاعدين بمعاشين إكرامية في العام مستمر أيضًا ضمن وعوده الانتخابية التي أعلن عنها. كما أن إكرامية التقاعد التي بدأ حزب العدالة والتنمية تطبيقها بواقع ألف ليرة لكل شخص، سيدفعها حزب الشعب الجمهوري كمعاش شهري. وأيضًا سيقوم الحزب المعارض برفع الحد الأدنى لرواتب المتقاعدين إلى 1500 ليرة، وسيعيد ترتيب وتعديل نظام وشروط التقاعد. وبالتالي سيتم من خلال هذه التعديلات الحيلولة دون تخصيص معاشات منخفضة للمتقاعدين الجدد. ومن بين وعود الشعب الجمهوري أيضًا، إلغاء الضرائب المفروضة على الحد الأدنى للأجور، ورفع ذلك الحد إلى 2200 ليرة.
وبحسب البيان الانتخابي لحزب الشعب الجمهوري، فإن الإجازات السنوية سترتفع، وبالتالي سيكون من حق من أدى خدمة في مكان عمله لمدة تتراوح بين 6 أشهر و3 سنوات، الحصول على أجازة سنوية 16 يومًا، و22 يومًا لمن عملوا مدة تتراوح بين 3 سنوات و10 سنواا، و28 يومًا لمن عملوا أكثر من 10 سنوات. وهذه المدد وفق قانون العمل المعمول به حاليًا، 14 يومًا لمن عمل مدة تتراوح بين عام و5 أعوام، و20 يومًا لمن عملوا من 5 سنوات لـ15، و 26 يومًا لمن عمل أكثر من 15 عامًا.
حزب الشعب الجمهوري سيعمل كذلك على زيادة مقدار ونطاق معاش البطالة، وهذا ما ذكره في بيانه الانتخابي. ووفق هذا فإن المقدار الذي سيدفع من معاش البطالة سيزداد بنسبة 50 في المئة، كما أن مدة هذه المعاش ستمتد بنفس القيمة. الحزب المذكور سيعمل كذلك وبشكل كبير على تخفيف شروط الحصول على الحقوق، وسيؤدي ذلك إلى استفادة كثير من الأشخاص من معاش البطالة. كما أنه سيدفع معاش شهري ولمدة عام بمقدار الحد الأدنى من الأجور لمن يشاركون في دورات تعليم مهني.
ومن بين أهداف حزب الشعب الجمهوري أيضًا رفع معدل التشكيلات النقابية في الحياة العملية من خلال زيادة الحقوق النقابية. وسيعمل كذلك على جعل العضويات في النقابات، والحق في الإضرابات، متوائمة مع اتفاقيات منظمة العمل الدولية. كما سيتم وضع مناهج في المدارس الثانوية متعلقة بحياة العمل، وبالحقوق النقابية. وسيتم تأسيس مدارس نقابية بهدف زيادة اهتمام الشباب بالحياة النقابية. سيتم الاعتراف بحق الموظفين في الإضرابات. سيتم إدراج كافة العمال والموظفين المؤقتين والعاملين بعقود ضمن الكوادر الرسمية بالأماكن التي يعملون بها. وسيتم وضع خطوات من شأنها تعزيز عمالة المرأة.

 

حزب الشعوب الديمقراطي سيخصص معاشًا شهريًا بقيمة ألف ليرة لكل مسن، وعاطل، وسيدة، ومعاق:
يهدف حزب الشعوب الديمقراطي الكردي المعارض لزيادة الحد الأدنى للأجور في تركيا إلى 3 آلاف ليرة تركية، وتخصيص راتب شهري بقيمة 1000 ليرة لكل مسن غير متقاعد، وللعاطلين، والمعاقين، وللسيدات الموجودات في الملاجئ. أما وعد الحزب الذي قدمه للمتقاعدين، فهو أن أقل معاش تقاعدي سيكون 3 آلاف ليرة تركية. وسيضيف زيادة قدرها ألف ليرة للموظفين العموميين ممن لا تتعدى دخولهم خط الفقر.
ووفق البيان الختامي لحزب الشعوب الديمقراطي لن يتم تحصيل أية ضرائب من أصحاب الحد الأدنى من الأجور، وسيتم تخفيض عدد ساعات العمل الأسبوعية إلى 35 ساعة. وخفض الحد الأدنى لسن التقاعد، وسيتم توظيف 50 ألف معوق في الوظائف العمومية.

 

النساء والشباب في مرمى أهداف الحزب "الصالح":
الحزب "الصالح" الذي يخوض الانتخابات التركية للمرة الأولى وعد الناخبين بأنه في حالة فوزه في الاستحقاق الانتخابي المقبل، سيقوم باتخاذ خطوات هامة بخصوص التأمين الاجتماعي، والعمالة والتوظيف، وحياة العمل بشكل عام.
وبحسب البيان الانتخابي لهذا الحزب، فإنه لن يتم تحصيل أية ضرائب على الحد الأدنى من الأجور، وأن صندوق البطالة سيتم استخدامه، وبحسب هدفه من أجل توفير معاشات، وتعليم بالمجان للعاطلين عن العمل.
الأسر التي لا يوجد لها دخل منتظم، ستحصل على معاش دائم، فضلًا عن مساعدات بخصوص المواصلات والغذاء. وهذا المعاش سيكون نصف قيمة الحد الأدنى للأجور. كما سيمنح الحزب المتقاعدين إكراميتين في عيدي الفطر والأضحى، بواقع 1500 ليرة في كل عيد.
وبالنسبة للشباب العاطلين ممن يعانون خطر الفقر، سيتم تخصيص راتب لهم بقيمة 500 ليرة شهريًا حتى حصولهم على عمل، وهذ المبلغ سيصرف تحت بند "معاش المواطنة". كما سيتم رفع حصص التوظيف الإجباري للمحكومين السابقين، وضحايا الإرهاب، والمحاربين وأسر الشهداء، من 3 إلى 4.
ومن اللافت للنظر أن الحزب "الصالح" في وعوده الانتخابية أهتم بالمرأة، وأعلن الحزب في هذا الصدد أن الضمان الاجتماعي سيشمل السيدات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 18 و40 عامًا من العاملات بدون ضمان، وأن أقساط هذا الضمان ستدفع من قبل الدولة خلال أو 5 سنوات.
كما أن الحزب المذكور يعتزم اتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل إحداث توازن في معاشات المتقاعدين، وزيادتها بشكل يتوائم مع معدلات التضخم. كما أن الحزب "الصالح" سيجري تعديلًا خاصًا من أجل من لم تخصص لهم معاشات لعدد من الأسباب الإدارية التي حالت دون ذلك.

 

حزب السعادة سيمسح نظام التقاعد المعمول به ويغيره بشكل جذري:
من بين الوعود الانتخابية التي قدمها حزب السعادة للمواطنين في بيانه الانتخابي، عدم تحصيل أية رسوم ضريبية على الحد الأدنى من الأجور، ورفع هذا الحد لمستوى أعلى من خط الفقر. كما يهدف الحزب المذكور إلى إزالة كافة العقبات والمعوقات التي تقف في وجه السيدات في حياتهن العملية، ويسعى لإعطاء النساء اللاتي وضعن حديثًا أجازة سنوية تقدر بثلاث سنوات.
ووفق البيان الانتخابي للحزب سيتم منح المتقاعدين سنويًا زيادة على المرتب تحت بند "زيادة رفاهية"، أما بالنسبة للموظفين والعمال فسيتم منحهم إكرامية في العيدين الفطر والمبارك. كما أن الحزب يفكر كما قلنا في مسح نظام التقاعد المعمول به حاليًا، وتغييره بشكل جذري. ووفق اقتراح تغيير هذا النظام الذي قدمه الحزب، فإنه لن يتم الاهتمام بشرط السن عند الرغبة في التقاعد. وأن العاملات من السيدات يمكنهن التقاعد في سن الـ25، والشباب عند سن الـ30. الحزب ذاته وعد كذلك بإجراء التعديلات اللازمة من أجل الحيلولة دون حديث مزيد من حوادث العمل المختلفة.
أما حزب الحركة القومية الشريك الأصغير في "اتفاق الجمهور" المبرم مع حزب العدالة والتنمية الحاكم، قدم من ضمن وعوده الانتخابية مقترحًا بعدم تحصيل أية ضرائب ممن يتقاضون الحد الأدنى من الأجور. ورفع المؤشر الإضافي للمعلمين وخريجي الجامعات إلى 3600 ، وتعيين العمال المشتغلين من الباطن وغيرهم من عمال الوضع المؤقت، وتوفير الدعم الأسري بحيث يصل إلى نصف الحد الأدنى للأجور للعاطلين عن العمل، والقضاء على ضحايا إجراء التقاعد بالنسبة لكبار السن.

 

العجز في الضمان الاجتماعي يتزايد بشكل كبير:
 بما أن اللوائح في مجال الضمان الاجتماعي تهم الملايين من المواطنين، فإن التكاليف التي ستتكبدها الميزانية بسبب التعديلات التي سيتم إجرائها في هذا السياق ستكون مرتفعة للغاية أيضًا. فعلى سبيل المثال نجد أن تكلفة الإكراميتين اللتين ستمنحان لكل متقاعد عند العيدين الفطر والأضحى، بواقع 1000 ليرة في كل إكرامية، ستكلف الميزانية ما يقدر بـ24 مليار ليرة تركية. وإذا وضعنا عين الاعتبار العجز المستمر والمتزايد في ميزانية مؤسسة الضمان الاجتماعي، فإنه يمكننا أن نرى أن كل خطوة شعبوية تحمل هذه الميزانية أعباءً إضافية، أوتزيد من عجزها عجزًا.
وبحسب المعطيات الصادرة عن مؤسسة الضمان الاجتماعي التركية، فإت عجز هذه المؤسسة بلغ 24 مليار ليرة في العام 2017، رغم مساهمة الدولة في أقساط تقدر بـ51 مليار. وإذا ما حسبنا ما أسهمت به الدولة، فإن هذا يعني أن إجمالي العجز يصل إلى 75 مليار ليرة تقريبًا. وثمة توقعات تشير إلى أن عجز هذه الميزانية سيصل في 2018 إلى 89 مليار ليرة منها 55 مليار مساهمة أقساط من الدولة، و34 مليار عجز بالموازنة.  أي أن العجز سيلامس الـ90 مليار دولار وفق أكثر الاحتمالات تفاؤلًا.
وعندما نضيف أرقامًا أخرى كدعم الحد الأدنى للأجور الذي يدفع لأرباب العمل، وتحفيزات التوظيف، فإن المبالغ المقدمة من خزينة الدولة لصالح برامج الضمان الاجتماعي تصبح 128 مليار دولار. ونسبة هذا الرقم مقارنة بالناتج الإجمالي المحلي، تبلغ 4.22 في المئة.
وعندما نضع في عين الاعتبار الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تركيا، وعجز الموازنة المضطرد، نجد أن عجز الضمان الاجتماعي بات يشكل عنصر ضغط وخطورة كبيرة على الميزانية المركزية، وخزينة الدولة.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: