طائرات إف-35 تعقد العلاقات التركية الأميركية

مع زيادة التوترات بين الولايات المتحدة وتركيا يوما تلو الآخر، وإن كان من غير المرجح أن تصل تلك التوترات إلى مرحلة الغليان قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في الرابع والعشرين من يونيو، أصبح الجدل بشأن تسليم الولايات المتحدة طائرات من طراز إف-35 المقاتلة المتقدمة إلى تركيا معيارا لتقييم العلاقة بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي.
وكان كثيرون يأملون في أن تفرز زيارة وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو لواشنطن هذا الأسبوع علاقات أفضل بشكل أوضح بين الولايات المتحدة وتركيا. لكن يبدو أن الجانبين سيستمران في المعالجات المؤقتة للتوترات من دون حل جذري لأسباب تلك التوترات.
وقلة البيانات الرسمية المعلنة من الولايات المتحدة وتركيا تجعل هذا جليا. ومن مصلحة الجانبين إحراز تقدم في حل الخلافات، ولو أنهما حققا تقدما لكانا أعلناه على الملأ. من ثم يمكننا أن نستشف أنه لم يتم التوصل إلى حلول لمعظم أسباب التوتر. وفيما يتعلق بالتعليقات بشأن انسحاب القوات الكردية السورية من مدينة منبج، فإننا نحتاج لشهور قبل أن نتمكن من القول ما إذا كان شمال سوريا ما زال مصدر توتر بين الجانبين.
وتظل قضية تسليم فتح الله غولن قائمة. القليل أيضا قد قيل علنا بشأن كيفية رد تركيا على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني وإعادة فرض عقوبات على طهران وعلى من لديهم أنشطة تجارية مع الجمهورية الإسلامية. وبالمثل فإن القليل قيل فيما يتعلق باعتقال تركيا للقس الأميركي أندرو برونسون وقرار أنقرة شراء صواريخ دفاع جوي روسية من طراز إس-400. وقد دفعت القضيتان أعضاء الكونغرس إلى اقتراح ضرورة عدم تسلم تركيا أي طائرات من طراز إف-35 التي تعاقدت عليها.
والأكثر إثارة للقلق فيما يتعلق بقضية إف-35 والسوك الأميركي تجاه تركيا هو التعليقات التي أدلى بها في الآونة الأخيرة مساعد وزير الخارجية للشؤون الآوروبية والأوروآسيوية ويس ميتشل، والتي صرح بها خلال منتدى مؤسسة هيريتيدج فاونديشن بعد زيارة جاويش أوغلو.
ولدى أعضاء الكونغرس في الغالب عدة دوافع لطرح تشريع. وفي حالة حظر تسليم الطائرات إف-35 لتركيا، فإن هذا على الأرجح مزيج من الاستجابة لقلق الناخبين من إساءة معاملة برونسون ومخاوف خبراء الأمن القومي من اقتراب تركيا أكثر من روسيا.
ولا يريد أي عضو في الكونغرس أن يُنظر إليه على أنه يعطل برنامج إف-35 الذي تُعد تركيا شريكا أساسيا فيه، حيث تقدم شركات تركية كثيرة إسهامات مهمة، خشية أن يقع أثر عكسي على ناخبيه والشركات الأميركية جراء إقصاء تركيا. ويعرف أعضاء الكونغرس الآن أن تعليق تسليم الطائرات إف-35 التي تعاقدت تركيا عليها أو تأجيله سيحدث فوضى لبرنامج إف-35 وللشركات الأميركية المنخرطة فيه. والأهم من ذلك هو أن رفض تسليم الطائرات للبلد العضو في حلف شمال الأطلسي يضع تساؤلات حول عملية صناعة القرار بالتوافق المتأصلة داخل الحلف الأطلسي. من ثم فإن الأرجح أن يُبدي أعضاء الكونغرس استياءهم بشأن قضية برونسون وشراء نظام إس-400 الروسي، لكنهم لن يمرروا تشريعا يحظر تسليم الطائرات إف-35، أو أنهم سيمررونه مع وضع بند بمنح الرئيس سلطة رفع الحظر لأسباب تتعلق بالأمن القومي. وسيكون القرار النهائي بشأن المضي قدما أو عدم الاستمرار على الأرجح بيد الرئيس ترامب في نهاية الأمر.
يجعل هذا تعليقات ميتشل لهيريتيدج فاونديشن تستحق تناولها بالتحليل. وقال ميتشل إن تركيا على دراية بعواقب المضي قدما في شراء الصواريح إس-400 الروسية. وميتشل هو مؤسس مركز تحليل السياسة الأوروبية الذي ظل يرأسه لسنوات عدة. وينظر هذا المركز إلى روسيا على أنها تهديد للمجتمعات عبر المحيط الأطلسي. ويمكن لأي منا أن يتصور كيف أن ميتشل بحكم موقعه، الذي يشرف منه على العلاقات الأميركية مع روسيا وتركيا ضمن 50 دولة أخرى في وزارة الخارجية الأميركية، ظل ينظر إلى زيادة دفء العلاقات بين موسكو وأنقرة ببعض القلق.
وتكشف تعليقاته التي أدلى بها في الآونة الأخيرة في مؤسسة هيريتيدج فاونديشن عن قناعته بأن الدول التي تتعاون مع روسيا يشتبه في تقويضها لأمن حلف شمال الأطلسي والمجتمعات الأوسع نطاقا عبر المحيط بدلا من أن تعززه. وبحكم موقعه، فإن صوت ميتشل مسموع في المناقشات ووضع السياسات التي تتعلق بكل من روسيا وتركيا. وبينما قد يستنبط أحدنا أن دعوات أعضاء الكونغرس لإلغاء تسليم الطائرات إف-35 لتركيا ستخضع لحسابات تأخذ في الاعتبار المصالح المالية للكثير من الشركات الأميركية وموظفيها، فإن إشارة ميتشل إلى العواقب تشير إلى أسس أيديولوجية لتوقع أن يكون أعضاء الحلف يعملون بشكل متناغم ولا يتورطون مع دول مثل روسيا.
وإذا مرر الكونغرس تشريعا يحظر تسليم الطائرات إف-35 أو نقلها لتركيا من دون منح الرئيس سلطة رفع الحظر، فقد تجد تركيا نفسها تتعامل مع وزارة خارجية غير متحمسة لدعم مثل هذا الإعفاء من الحظر بناء على شراء أنقرة نظام إس-400.
ومن المرجح أن يتم أول تسليم لطائرات إف-35 في يوم 21 يونيو أو ما إلى ذلك، بغض النظر عن معارضة بعض أعضاء الكونغرس وبعض الأصوات داخل مجتمع السياسة الخارجية غير الرسمي. وستكون قضيتي برونسون وتسليم غولن أقل تأثيرا على قرارات تسليم المزيد من الطائرات مقارنة مع مسار السياسة الخارجية التركية فيما يتعلق بروسيا وإيران.
وإذا اقتنع كبار مستشاري السياسة الخارجية في الجناح التنفيذي بالولايات المتحدة بأن تركيا – وليس الرئيس الحالي وحزبه فحسب – أدارت ظهرها للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، فقد يُعتبر حينئذ تعطيل برنامج إف-35 ثمنا يستحق دفعه لإنقاذ الحلف من تقويض بلد عضو له بعلاقاتها بدولة مثل روسيا التي تخالف بشكل أساسي قيم ومعايير السلوك لدى الحلف.
وبالنظر إلى طبيعة عواقب تعليق عضوية دولة داخل الحلف من حيث كونها لا يمكن التنبؤ بها، من الواجب أن نرجو أن تتحلى الولايات المتحدة وتركيا بضبط النفس وأن تبتعدا عن العنتريات وتجددا جهودهما لحل خلافاتهما بعد انتخابات الرابع والعشرين من يونيو.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: