محرم أربي
نوفمبر 30 2017

طاهر إلتشي .. إنك تكبر وتهرم حين يموت من أحببت

" بلبل غريب كان يغرد عند النبع، كم من الورود تشتعل وتحترق... لم أر عشقا كهذا، ولا جرحا كهذا، لونسيت اسمك سيحترق دجله"

بمعاناة من يكتب مقالا في أعقاب الراحلين، أترك يداي تنساب على لوحة مفاتيح الحاسوب،  في تناسق مع موسيقى مقطوعة " فليحترق" التي لحنها وغناها حسني آركان من أجل الحبيب طاهر، والتي عزفها آركا أوغور، وأطلق العنان لأفكاري.

غالبا ما نتغنى بالحزن، إن المرض لا يولد بتكرار المعاناة، إن مقطوعة " تكبر وتهرم حين يموت من أحببت" تكبر أيضا ويكبر الفراغ، ويكبر الصمت،  ويكبر العجز البادي في مقلتي عينيك...

 يكبر الألم، وتكبر الدنيا التي أصبحت جزءا متمما لأحزاننا...

وتكبر فجأة كل أنواع الألم الذي تعاني منه الكائنات، وتهب الرياح عاصفة فتملأ تجاويف الجبال الشاهقة، ويكبر زئيرها الذي راحت تلف به المدن، وتكبر الآلام الدفينة التي تقطع نياط القلوب ويكبر الفراغ الذي خلفه رحيلك...

Tahir Elci, the head of Diyarbakir Bar Association, speaks to the media shortly before being killed in Diyarbakir, Turkey, Saturday, Nov. 28, 2015. He was shot while he was making a press statement in front of a historical mosques damaged during fightings between Kurdish rebels and security forces. (IHA agency via AP)

أوصلتنا لمرحلة الإشباع،  برحيلك أصبحنا عرايا في العراء.

كل موت يأتي مبكرا، نعم تألمنا لموتك ولكن ليس لأنك تركتنا وحيدين في هذه الدنيا، ولكن لأنك غادرت القيم التي كنت تؤمن بها، ولأنك خلفت وراءك المبادئ التي لم تتخل عنها.

تألمنا لأنك تركت ابنك الحبيب آرين، وابنتك نازانين، وزوجتك توركان وحيدين. لم نتألم لموتك بل لهرولتك بسرعة إلى الموت. وكما قالت زوجتك في التصريح الصحفي "كم كان خفيفا وهو يهرول إلى الموت"

فلتجف مياه دجله لو نسينا كلامك وردودك التي كنت تلقيها  في وجوه المتنفذين الذي كانوا يخافونك دائما...

فلتنقطع أنفاسنا مع دجله أيضا لو نسينا عمرك الذي أفنيته في سبيل السلام.

واأسفاه لقد تركتنا أيتاما يا طاهر...                                 

لقد كنت عيوننا التي نرى بها، ونافذتنا التي نرى التسامح من خلالها، وكنت حقنا في السلام...

 أواه يا طاهر لقد كنت آفاقنا المفتوحة على المجهول...

لقد كنت مثالا لبراءتنا، وكنت نموذجا للحب. كنت المدخل لكل أمثالنا، برحيلك تركت (فاصلة) فكتبت في دفترنا جملة ناقصة لم تكملها بعد

كنت بابنا المفتوح على الأمل، كنت وردتنا التي تجود بالثمار طوال العام، كنت الصحبة الحلوة التي تحي أمسياتنا وتؤجل الصباحات...

ماتت الأم ومات الأب ولكن موتهما لم يترك فينا مثل هذا الحزن على موتك يا طاهر...

A woman mourns in front of a portrait of late Kurdish lawyer Tahir Elci, at the cemetery in Diyarbakir, on November 28, 2016 during a ceremony in tribute to the lawyer who was shot dead the previous year. AFP / ILYAS AKENGIN

لقد تركت في أرواحنا فراغا لا نستطيع ملأه...

كنت اللطف والرقة الذي يزين حياتنا، كنت حكاية خرافية غامضة ومجهولة النهاية...

لقد أصبحنا ناقصين بموتك...

كنت الشاي الساخن للقهوة التي نعرج إليها أحيانا...

كنت المقطع الناقص في جملتنا التي نكررها دائما...

لقد كان العزيز طاهر إلتشي، رئيس مكتب نقابة المحامين بديار بكر، شخصية نادرة المثال ليس بين المحامين فقط بل بين الناس جميعا، بشخصيته الخلوقة، وبثقافته، وباجتهاده العميق، وبدقته في العمل. كان نموذجا للسلام.

حينما التقيت بمن كانوا معه في لحظاته الأخيرة ، التقيت بالأمين العام لمكتب نقابة المحامين في ديار بكر، وبالمحاسب، وعضو مجلس الإدارة و وبالمحامين أعضاء المكتب استمعت منهم تليفونيا، لارائهم عنه.)

عند كتابتي هذه الآرأء كنت أرى من خلالها أن الأصدقاء  مازالوا يعتقدون أنه لم ينزل من القطار بعد. ومازالوا غير مصدقين أنه رحل. بل ويعتقدون أن الرئيس طاهر سوف يدفع الباب ويدخل عليهم.

قال المحامي عبد الله تشاغر:

كان أحد المسنين يتحدث مع الرئيس طاهر بعد بيانه الصحفي. وفي تلك اللحظة سُمع دوي طلقات الرصاص. واستولى الفزع عل كل الناس وولى كل شخص هاربا. فهرعنا نختبئ في مطعم الإفطار بديار بكر. لم يكن في الحسبان أصوات الطلقات آنذاك، فحينما لم نر الرئيس طاهر،  بدأنا نتصل بالمحمول الخاص به. كان تليفونه لدى حسن الموظف المسئول بالمكتب الذي قال أنه لم يره هو أيضا.

اتصل بي أحمد قراداشلي رئيس قلم الكتبة بالمكتب، وقال أنه يرى أحد الأشخاص راقدا على الأرض ويرتدي سترة (جاكيت) تشبه سترة الريس طاهر، فاتصلت بالنائب العام على الفور. فقال لي النائب العام "لقد استشهد اثنان من الشرطة، وهناك شخص مدني مصاب" فقلت للنائب العام"  ربما يكون الشخص المدني هو رئيس مكتبنا".

كانت أصوات طلقات الرصاص قد سكتت في تلك الآونة. لم نكن نستطيع الخروج من فرط خوفنا، كنا قابعين في المخزن. فاتصل بي المحامي سراب أركوش، عضو مجلس الإدارة، الذي كان موجودا في أحد محلات الناحية الأمامية، وكان يبكي قائلا أن الشخص المصاب هو الريس طاهر.

اتصل بي النائب العام آنذاك وقال لي "( أعزيكم) البقاء لله" لقد مكثنا في مخزن البيت- ذي الأحجار البازلتية- من الساعة الحادية عشرة إلى الساعة الثانية عشرة والنصف. عندئذ ربطنا ثلاثة من أغطية الرأس الخاصة بالنساء الموجودين معنا بعصا ( ولوحنا بها)  وخرجنا.

وقال المحامي ولات آلان محاسب المكتب:

ذهبت أنا وزوجتي المحامية جول آي وطفلينا لحضور البيان الصحفي، وكانت بجانب الريس طاهر. فزعنا حين سمعنا صوت طلقتي رصاص، فأخذت ابني باران واحتمينا في محل الحداد الموجود على الرصيف المقابل، ولم أر ابنتي حيث كان المحامون الآخرون قد حملوها

حينئذ كانت أصوات الطلقات تتوالى بلا انقطاع. وقبعنا محصورين في دكان الحداد لمدة خمسين دقيقة.  واستولى علي آنذاك شعور بأنني سأموت مقتولا. كانت المحامية سراب أركوش قد خرجت قبلنا وذهبت إلى المشرحة، ثم اتصلت بنا تليفونيا وأخبرتنا بوفاة الريس طاهر. عندما خرجنا كانت قوات الأمن الخاص تسبنا وتلعننا جميعا بسباب ( الأم) لم نكن ندرك ماذا يحدث، فآثرنا الصمت.

وقالت المحامية سراب أركوش:

لقد اتصل بي قبل البيان الصحفي. وقال " فلتأت، لو لم تأت ستكون كارثة" وكان الريس طاهر يتبادل الحديث مع شيخ مسن بعد البيان الصحفي. وكنا نودع ما معنا من (عملة صعبة)  ناحية المئذنة ذات الأربعة أرجل. حينئذ دوت أصوات طلقات الرصاص. فاستولى علينا الفزع. فقال لنا الحداد الموجود على الجانب المقابل تعالوا هنا. فجرينا واحتمينا بدكانه. وكان الريس طاهر وراءنا. بعدها لم نره  لقد كان هذا الدكان مغلقا منذ ثلاثة أشهر بسبب حظر التجوال. بالصدفة جاء صاحبه وفتحه في ذلك اليوم وإلا كنا سنبقى كلنا في الشارع. لم يتوقف صوت إطلاق النار ومكثنا في الدكان طيلة ثلاثين دقيقة. بعدها خرجنا عندئذ صب أفراد الأمن الخاص علينا أفحش وأغلظ أنواع السباب. وبعضهم مد  يديه علينا بقصد الاعتداء علينا.

وشرعنا نجري تجاه (الممر الياباني) ونحن نصرخ هلعا دون أن ننظر خلفنا. أخذت تاكسي وذهبت إلى المشرحة. ورأيت الريس طاهر وهو مسجى في المشرحة مضرجا بدمائه. فبكيت صارخة وجاء النئب العلم فقلت له " لقد قتلتوه" فالتفت إلي قائلا "  مهما كان القاتل سنجده حتما" فجثوت في مكاني وانهرت باكية.

وقالت المحامية جولآي تشاي:

في يوم 28- 11-2015 كان أخي طاهر يتحدث قائلا " لقد كانت هذه البلاد موطنا للعديد من الحضارات، لقد استضافت الكثير منها..." كنت أتابع حديثه بدقة واهتمام شديدين. كان آنذاك  يفخر، ويبدو على وجهه الثبات كما لم يحدث من قبل، كان يفخر بشعبه وتاريخه وحضارته. كانت الكلمات تترى من فمه واحدة تلو الأخرى. كان تعبيره باللغة الكردية عن أفكاره ومشاعره وبأسلوبه الخاص يكسبه قيمة إضافية.  

على الرغم من أني وصلت إلى مكان البيان الصحفي متأخرة، كان إفراده مكانا لي وإشارته إلي وتحيته، حتى لو كان ذلك بطرف عينه ومجاملته إياي، كل ذلك كان دليلا على أنه شخصية سامية وأنه يعلي من قدر المرأة.

على أية حال بعد دقائق انطلق الرصاص ووجدنا أنفسنا جميعا في حالة هرج ومرج. وبينما بدأ الجري وسط الغبار والتراب وأصوات طلقات النار، ولم يخطر على بالي ، آنذاك، أن أخي طاهر مازال واقفا في مكانه، عشنا لحظات كارثية وكأننا في الجحيم لدرجة أن ابنتي ذات العاشرة من عمرها ضاعت في تلك الحالة المضطربة من الهرج والمرج.

وفي لحظة وجدت نفسي داخل دكان النجار الذي يبعد عشرة أمتار عن المئذنة ذات الأربعة أرجل. وللم تسكت أصوات الرصاص لمدة خمس واربعين دقيقة تقريبا. بعد خمس وأربعين دقيقة أخرجونا من المكان الذي اختبأنا فيه وقد صوبوا علينا الأسلحة ولاحقونا بالشتائم والسباب. كان هدفي الوحيد هو أن أجد ابنتي وابتعد فورا عن هذا المكان اللعين لم نعلم ولم نكن لنعرف أنهم سيقتلون رئيسنا هنا.

Tahir Elçi

وقال المحامي ثروت أوزن ، عضو مجلس الإدارة بمكتب النقابة:

هذا الشارع الذي أمضيت فيه طفولتي وتلك المئذنة، بالنسبة لي، يعنيان الجغرافية الخاصة بمدينة ومجتمع. و " المئذنة المكسورة أرجلها" على حد تعبير الريس طاهر، تعني ألا تطول قامتي أكثر من ذلك. كان ذلك الصباح، صباح الانفعال بإحساسنا، الذي يتجاوز كل شئ، بالمسئولية تجاه الغد أو القابل من الأيام. ذلك الإحساس الذي دفع بنا إلى هناك وراء شخص الرئيس.

كان مهموما بالعودة للمسالمة ( انعدام الاقتتال)، وألا تكون أماكن المدنيين ميدانا للاقتتال وعدم الإضرار بالسلم واللحمة الاجتماعية. كل من عمل معه وكل من يعرفه يعلمون أن الريس طاهر لم يكن ينفذ قرارا لم يعتقد به أو يؤمن به قط. أما عن مقتله فهو شئ لا يصدق حتى الآن، حتى هذه اللحظة مازلت أعتقد أنني نائم.

عندما سمعنا أصوات طلقات النار في أول الشارع، اختبأنا في الدكان أنا والمرحوم المحامي أوندر والمحامي شيخموص، والمحامي سليما قايا. وصلنا لكل الزملاء ولم نستطع الوصل للريس طاهر وعرفنا من مكالمة هاتفية من المستشفى أن الريس طاهر قد قتل. فجرينا إلى المستشفى وهناك احتضنت المحامي جيهان أيدين وقلت " دفاعنا كان ثقيلا عليهم فلم يحتملوه"

وقال جاره وصديقه المقرب، المحامي باقي دميرخان:

ذات مرة قال لي طاهر" لو قل عدد حوادث القتل التي في (سيلفان) فالفضل يرجع إلي" ولم يقدم أية تفصيلات بعد. إني أرى أن البيان الصحفي الذي قدمه في ( صُور) كان موجها لمنع هذه الأحداث. لو لم يمت كان في إمكانه وقف حوادث القتل التي في ( صٌور) لقد ذهب طاهر واخذ معه ( صور) التي حاول أن يحميها.

لقد أصبحت الغطاء الذي نتدثر به، كنا بلا حماية فأصبحت سببا في تكاتفنا وصمودنا. لقد كنت أشجع رجل رأته هذه الأرض التي  كنت تصول عليها وتجول كنت رجلا لانظير له يا طاهر.

كنت متفوقا علينا، أضفت لونا مميزا في حياتنا، كانت الدنيا جميلة بك، وبدونك تجمدت الحياة، رحلت في وقت غير مناسب، كنت تمنحنا الشعور بالكمال...كنت المنظار الذي نرى به الأشياء البعيدة...وكنت  مبعث الدفء لنا يا لك من رجل يا طاهر كنت سترا وستارا يستر عيوبنا

دائما ما كنت تجدد  فينا الإصرار على العمل وعلى ألا ننتقص من قيمنا أو نفقد الذاكرة، كنت ترسم لنا .... ما عشناه...كنت الرسام الذي نقش لنا الطريق إلى التاريخ...كنت الرجل الذي يمتص آلامنا ويبتلع أحزاننا...كنت داءنا ودواءنا ...أخذوك من بين أحلامنا وذهبوا... كنا غرقى في مياه عميقة فأخذت بأيدينا وأنقذتنا.

أيها الموت لماذا أنت دائما أعمى تجاه الأكراد فقط. لماذا تقف متربصا بهم بلا مناسبة... حذار أن تقول أن الحياة الأبدية ستكون من نصيبنا، تلك الحياة التي يشبع فيها الإنسان إذا أكل عنقودا من العنب، حذار أن تقول لنا اصبروا، لا تقل لنا أن العقاب ينتظر الظالمين في الحياة الأخرى...لقد كنت معارضا كبيرا يا طاهر...كنت تمثل ملايين المعارضين، كنت تمثل العواء الساخن (الدخان) المتصاعد من نيران تمردنا على الظلم، كنت البلسم ( النعناع بالسكر) الذي يداوي صوتنا المبحوح.

كفى يا طاهر تعال، عُد إلينا...لقد كنت تمزح، نعم كانت مزحة...تعال فلنلعب في حديقتك مع (شيرو) ونحتسي القهوة...لقد هرمنا بموتك يا طاهر. تعال لنعود إلى طفولتنا ولنجمع حلوى العيد.

يمكن قراءة المقال باللغة التركية: