سزين اناي
نوفمبر 29 2017

طاهر إلتشي.. حصن في مواجهة الفوضى في أرض الانفلات

قبل عامين بالتمام والكمال اغتيل طاهر إلتشي، أحد أبرز المحامين المتصدرين للدفاع عن حقوق الإنسان في تركيا. قتل برصاصات في رأسه في دياربكر كبرى مدن الجنوب الشرقي الذي يغلب على سكانه الأكراد.

كان يقف متحدثا في مؤتمر صحفي بشوارع وسط المدينة التاريخي في حي سور حين دوت طلقات رصاص إثر اشتباك بين مسلح وقوات الأمن.

اختفى المسلح، الذي قيل إنه من حزب العمال الكردستاني المسلح الساعي للانفصال، في الأزقة الضيقة وأشارت البيانات الحكومية إلى أنه منفذ الجريمة التي قتل فيها أيضا شرطي.

حينها أعلن الرئيس رجب طيب إردوغان حزنه لوفاة إلتشي وتعهد رئيس وزرائه آنذاك أحمد داود أوغلو بالبحث عن المسلحين وحل لغز القضية.

لكن ملابسات جريمة الاغتيال لا تزال غير واضحة والتحقيق توقف بعد قليل من انطلاقه.

قال أحمد إلتشي شقيق المحامي الراحل بعد وفاة أخيه إن "الشيء الواضح الوحيد هو أن الدولة استهدفته وقتلته".

خلال الأيام التي سبقت مقتله جهر إلتشي في الإعلام بمعارضته لحظر التجول في مدن الجنوب الشرقي وللعمليات الأمنية التي اشتبكت فيها الشرطة مع عناصر شابة من حزب العمال الكردستاني. وقتل العديد من المدنيين في القتال الذي دار بعد ذلك في المدن.

كان إلتشي منتقدا للحواجز والخنادق التي أقامها حزب العمال الكردستاني داخل المدن وكذلك للعمليات الأمنية التي نفذتها السلطات في مناطق كثيفة السكان.

ودعا الرجل كذلك للعودة فورا للحوار والمفاوضات السلمية التي بدأت عام 2009 واستمرت حتى يوليو 2015.

طاهر إلتشي

وقبل نحو 40 يوما من وفاته شارك إلتشي في برنامج حواري شهير على قناة (سي.إن.إن ترك) التلفزيونية.

وتحت إلحاح مقدم البرنامج لمعرفة رأي إلتشي من اعتبار حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية قال الرجل إنها حركة سياسية مسلحة ارتكبت في بعض الأوقات أعمالا إرهابية.

وتحول إلتشي إلى هدف لحملة إعلامية واتهم "بالدعاية للإرهاب" في خطاباته. وفي أيامه الأخيرة وصلته تهديدات بالقتل وتعرض لضغوط قانونية وحملة إعلامية لتشويه اسمه.

آخر كلماته وهو يقف متحدثا في ذلك المؤتمر الصحفي الذي عقده أمام "مئذنة تعود للقرن 16 قال فيها "لا نريد اشتباكات ولا أسلحة ولا عمليات في هذا الموقع القديم".

وبعد وفاته هدم ثلاثة أرباع حي سور القديم مع استخدام قوات الجيش الدبابات والمدفعية لمواجهة مسلحي حزب العمال الكردستاني.

ومن عجائب القدر أن ذهب إلتشي ضحية جريمة اغتيال لم تحل أسرارها وهو الذي قضى القسم الأكبر من حياته يتابع قضايا حقوق الإنسان منذ أوائل تسعينات القرن العشرين.

ولد إلتشي في قرية صغيرة في محافظة الجزيرة بالجنوب الشرقي عام 1966 حيث نشأ يتحدث اللغة الكردية، وككثيرين غيره في المنطقة لم يتحدث إلتشي اللغة التركية إلا حين بدأ الدراسة الابتدائية. لكنه ذهب لدراسة القانون في جامعة دجلة في دياربكر ومنها تخرج عام 1991.

ولعب شقيقا إلتشي دورا في اختيار مسيرته المهنية وهما اللذان كانا بالفعل نشطين سياسيين في اليسار الكردي.

لكن إلتشي اعتقل وهو لا يزال طالبا وقال إنه تعرض للتعذيب لكنه التجربة زادته صلابة على ما يبدو ودفعته ليكون مدافعا عن حقوق الإنسان.

اعتقل المخابرات وجهات مكافحة الإرهاب إلتشي مرة أخرى عام 1993 وقال مرة ثانية إنه تعرض للتعذيب أثناء احتجازه لثلاثة أشهر في القضية التي اشتهرت باسم "قضية المحامين".

كان إلتشي ضمن مجموعة من المحامين اعتقلتهم المخابرات واتهموا بدعم منظمة إرهابية. وقال نشطاء إن القضية كانت محاولة لتقويض حق الدفاع في قضايا حقوق الإنسان.

وبعد إطلاق سراحه واصل إلتشي عمله في تمثيل عائلات في قضايا رفعت بسبب انتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان بينها التعذيب والاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون.

كان إلتشي كذلك من أوائل المحامين من تركيا الذين رفعوا قضايا أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ولهذا الغرض تعلّم بنفسه اللغة الإنجليزية. واضطرت تركيا لدفع تعويضات مالية كبيرة نتيجة لتلك القضايا التي فصلت فيها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. ويقول البعض إن هذه القضايا لعبت دورا مهما إذ بدأت قوات الأمن في ضبط النفس بعد عام 2000.

حضر نقباء المحامين من عموم تركيا جنازة إلتشي بينهم حتى أن ميتين فايز أوغلو رئيس نقابة المحامين الأتراك والقومي اليميني كان ممن حملوا النعش.

 رحل إلتشي تاركا ابنا هو آرين وابنة هي نازينين. وقالت أرملته توركان إلتشي إنه كان "توأم روحها". والآن تدرس نازينين وأمها توركان القانون رغم قولهما إن إيمانهما بالقانون والعدالة قد تزعزع.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية: