طريقة اختيار نواب البرلمان التركي تكشف كل تعقيدات النظام السياسي

يشتد النشاط السياسي في تركيا قبل الانتخابات المقررة في 24 يونيو المقبل واشتكى كثير من السياسيين البارزين من عدم الدفع بهم كمرشحين.
في هذا المقال يطرح الكاتب تجربة شخصية تبين أسباب غياب مرشحين مؤهلين تماما عن القوائم الانتخابية.
من أجل عرض أوضح لتعقيدات عملية اختيار المرشحين، سأشارككم في هذا المقال تجربتي كعضو في لجنة اختيار المرشحين في أول انتخابات برلمانية شهدت انتصارا لحزب العدالة والتنمية الحاكم حتى الآن وذلك عام 2002.
كنا أعضاء في لجنة من ستة رجال مسؤولين عن مقابلة المرشحين وإعداد قائمة لتقديمها لرئيس الحزب رجب طيب أردوغان.
كان كثيرون قد اعتادوا التقدم كمرشحين، وذلك من خلال دفع مبالغ كبيرة للحزب، دون توقعات بانتصارهم في الانتخابات.
وإن حدثت معجزة وفازوا، يكون هذا رائعا، لكن حتى لو لم يحققوا الفوز، يكون كل منهم قادرا على الذهاب وطباعة بطاقة عمل يذكر فيها أنه كان مرشحا، ويمكنه استخدامها للحصول على امتيازات، في حالة وصول الحزب إلى السلطة.
يجدر بالذكر هنا أن هناك فئة أقل طموحا؛ هم من لا يتوقعون إدراجهم في قوائم الترشحيات، لكنهم يذهبون أيضا ويطبعون بطاقات عمل يذكرون فيها أنهم كانوا مرشحين للإدراج في القوائم.
فريق واحد كان مسؤولا عن ست دوائر انتخابية في شرق تركيا؛ كانت إحداها مكونة من ثلاثة كيانات مختلفة هي الأكراد والشيعة ثم الآذريين والآذريين السنة.
كانت لدينا سيرة ذاتية مفصلة لكل مرشح، وكذلك نتائج استطلاعات الرأي التي يجريها الحزب للوقوف على شعبية المرشحين في تلك دائرة بعينها.
في أكثر تلك المناطق سكانا، تبين أن أكثر المرشحين ملاءمة كان كرديا ووضعنا اسمه في صدارة القائمة. وفي ثاني أكثر المناطق سكانا، كان أكثر المرشحين ملاءمة كرديا أيضا.
لكن نظرا لوجود كردي في القائمة بالفعل، لم نفكر في وضع أفضل المرشحين لتلك الدائرة وبحثنا عن أفضل مرشح غير كردي.
كان الشخص الملائم هنا آذريا شيعيا، ووضعنا اسمه في المركز الثاني بالقائمة.
وحين علم المرشح الكردي أن الاختيار تجاوزه بسبب وجود كردي آخر على رأس المنطقة الأخرى من الدائرة الانتخابية، احتج بقوة.
وفي ثالث أكثر المناطق سكانا بذات الدائرة الانتخابية، كان أفضل مرشح آذريا شيعيا ومَن وراءه كردي.
وبالتالي، لم يقع اختيارنا على اثنين هما أكثر المرشحين شعبية في المنطقة، وبحثنا عن آذري سني ليكون رقم ثلاثة، لأن القائمة كانت تضم بالفعل كرديا وآذريا شيعيا.
 وكما كان متوقعا، احتج المرشحان الآذري الشيعي والكردي بشدة حين علما بالنتيجة.
وفي غمرة انشغالنا بإعداد قوائم متوازنة، وصلنا تنبيه من أردوغان مفاده ما يلي:
"يبدو أننا سنفوز بالانتخابات وسنحصل على عدد كاف من المقاعد في البرلمان لتشكيل حكومة. سنحتاج لنواب قادرين على شغل مناصب لوزير المالية، ولوزير التكنولوجيا، ورئيس اللجنة البرلمانية للشؤون الدستورية، ولرئيس للوفد التركي في مجلس أوروبا، وغير ذلك. بالتالي ينبغي أن تنظروا بعين الاعتبار لهذا الجانب أيضا."
هذا التنبيه تسبب في تغيير كامل لحساباتنا بخصوص من يتم ضمهم لقوائم المرشحين.
بعد أن تصدر اللجنة القوائم، يتم إرسالها إلى لجنة مركزية في الحزب تقوم بإعادة ضبطها في محاولة لتحقيق قدر أكبر من التوازن على المستوى الوطني.
يغلق أعضاء هذه اللجنة المركزية هواتفهم عادة لتجنب أي محاولات للضغط عليهم.
ويبذل المرشحون كل ما في وسعهم لإحداث تغييرات لصالحهم في هذه المرحلة. وفي النهاية تُرسل القوائم إلى رئيس الحزب الذي يضع عليها بصمته الأخيرة.
أعضاء لجان الاختيار ورئيس الحزب ليسوا سوى بشر يصيبون ويخطئون.
وأما من يستبعدون من قوائم الترشيحات فعليهم الإقرار بذلك، في وضع أشبه بالمقولة الشهيرة للعالم والكاتب الفرنسي بليز باسكال "إن للقلب منطقا لا يعلم المنطق عنه شيئا."

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/2018-elections/vertical-mp-nomination-system-hub-problems-turkish-political-culture
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.