ديسمبر 20 2018

طيّ ملفات الفساد بتدبير حكومة أردوغان

 لقد مضت 5 سنوات كاملة على التحقيقات المتعلقة بملفات الفساد التي أعلن عنها خلال الفترة من 17 إلى 25 ديسمبر من العام 2013. وطالت التهم في هذه التحقيقات عددًا من الوزراء، ورجال الأعمال المحسوبين على رئيس الدولة، رجب طيب أردوغان (كان حينها رئيسًا للوزراء). إذ وجهت لهم تهم بـ"الرشوة، وإساءة استخدام السلطات، والاختلاس في المناقصات العامة، والتهريب وتبييض الأموال". غير أن ملفات الفساد هذه تم التستر عليها بشكل كامل بطريقة لا يوجد لها مثيل في تاريخ الجمهورية التركية، رغم صحة الادعاءات التي طرحت في هذا السياق من قبل النيابة العامة آنذاك التي كان لها الدور الأكبر في كشف النقاب عن هذه الملفات وكان بيدها العديد من الأدلة التي تضمنت مكالمات هاتفية، ووثائق رسمية تدين المتهمين.

هناك مزاعم تؤكد أن جزءًا كبيرًا من الأدلة تم تدميرها بالكامل. وأحزاب المعارضة التركية تعرف جيدًا الخلفية الحقيقة لهذه القضية التي هزّت قبل 5 أعوام تركيا، ولا سيما حكومة أردوغان. هذه الأحزاب تعرف ذلك لأنه تم إفشال كافة مساعيها لكشف الحقيقة الكاملة للرأي العام التركي. وعلى ما يبدو أن تلك الأحزاب استسلمت للأمر ولم تعد تبحث عن هذه الحقيقة مرة ثانية.

وهل كان ينتظر أحد من المعارضة أمرًا غير هذا في دولة باتت خلال السنوات الخمس الأخيرة خاضعة لسيادة وسيطرة مزاجية تعسفية يمليها القصر الرئاسي على السلطة القضائية بشكل مباشر دون أي رقيب أو حسيب.

ولعل الخاسر الأكبر والأهم في هذه القضية خلال السنوات الخمس التي انقضت منذ تلك الأحداث، هو إعلام تركيا وصحافتها. وأكبر مؤشر على ذلك في وقتنا الحالي، هو أن إعلام القصر الرئاسي الذي بات يسيطر على 92 في المئة من قطاع الإعلام والصحافة، يختزل الذكرى السنوية الخامسة لتلك الأحداث التي استمرت أسبوعًا، في كلمة "انقلاب" وهي الكلمة التي دأبت السلطات الحاكمة على ترديدها بعد كشف ملفات الفساد لإيهام الناس بأن هذه الأمور لا أساس لها من الصحة. وسائل الإعلام التي يوجهها القصر لخدمته ما زالت مستمرة في تضليل الرأي العام رغم كل هذه السنوات التي مضت.

وكأنّ آلة الإعلام لدى النظام الحاكم في تركيا قد استهوتها مقولة جوزيف غوبلز (1897 - 1945) وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر وألمانيا النازية، تلك المقولة الشهيرة التي قال فيها:

"اكذب ثم اكذب بما فيه الكفاية حتى يصدقك الناس في النهاية".

ومقابل آلة الإعلام هذه، نجد على الجانب الآخر وسائل الإعلام المصنفة على أنها معارضة، وهي أقل من 10 في المئة، لم تتطرق من قريب أو من بعيد خلال هذه الذكرى السنوية، لتلك القضية، ولا تتبنى أي إشارة لتذكير الناس بها. ولعل هذا هو الأمر المأساوي في الحدث بأكمله.

وإذا كان الرأي العام التركي قد وصل هذه الأيام لمرحلة جعلته يرى أن التستر على ملفّي الفساد اللذين كان ينبغي تقديمهما للقضاء لتقييمهما، أمر طبيعي، فالفضل في ذلك يرجع إلى عدم تجرُّؤ الإعلام التركي على تناول التطورات التي تحمل قيمة خبرية قبل 5 أعوام.

فمع الأسف كان المنطق معوجًا في تلك الأيام التي كانت تتسم بالتوتر. وردود الفعل الصحفية تمت هزيمتها، واختزالها في بعض الهواجس الإيديولوجية، والأحكام المسبقة، وحسابات الأولوية السياسية، وتكتيكات وسائل الإعلام الرخيصة.

ومع دخول العام 2014،تم التّستر على قضايا الفساد بنجاح بالغ لأن رئيس الوزراء (أردوغان)، وحكومته المتهمون بالفساد قرؤوا جيدًا ذلك الموقف المنحرف الذي صدر عن الإعلام، وطريقة تعامله مع القضية. وحينها أيضًا أُضيفت صفحات جديدة وممتلئة لثقافة "الإعفاء من العقاب" الشهيرة في تركيا.

ومن ثم فإن عملية 17-25 ديسمبر، تعتبر التاريخ الذي استسلم فيه الإعلام التركي وأعلن هزيمته أمام كيانات السلطة المعقدة التي تهيمن على العاصمة أنقرة. لكن كان هذا تاريخ للهزيمة، وليس ميلادها. إذ أن الميلاد كان قبل ذلك بكثير، لا سيما خلال مجزرة روبوسكي عام 2011 التي راح ضحيتها عدد كبير من الأكراد، وحينها وُضع هذا الإعلام تحت الرقابة لمدة 17 ساعة كاملة، أثناء تغطيته للأحداث، والتزمت وسائل الإعلام بما أُمليَ عليها.

فالحملة التي يشنها أردوغان لتأديب الإعلام؛ استمدت الإلهام مما ارتكبه إعلام حركة غولن، وغيره من الإعلام الموالي، من تشويه وشيطنة لاحتجاجات متنزّه غيزي عام 2013، وتجريم كل من شاركوا فيها، بل ومن اتفاقهم بشكل جماعي على ذلك.

وبالتالي يمكننا القول إن ميلاد هزيمة الإعلام كان بالتزامن مع احتجاجات متنزّه غيزي، أما أسبوع قضايا الفساد 17-25 ديسمبر، هو الذي انكسر فيه العمود الفقر لذلك الإعلام.

ومن المؤكد أن لتكشُّف ملفات الفساد وظهورها جانباً يرجع إلى خلاف المصالح الذي دبّ بين حزب العدالة والتنمية الحاكم، وجماعة غولن. وهذه حقيقة واضحة وضوح الشمس.

وثمة حقيقة أخرى مفادها أن هذه التحقيقات القضائية بحاجة إلى إعادة تقييم ونظر أمام قضاء مستقل على أن يعاد التحقيق فيها من قبل مكتب التحقيقات الأميركي، وليس أتباع غولن في القضاء والنيابة.

لكن رغم كافة الجهود التي تبذلها المعارضة التركية والكردية، فإن هذه الخطورة، والتجاوزات التي نتحدث عنها اليوم، قد باتت نسيًا منسيًا.

ويمكن القول إنه في 17-25 ديسمبر 2013، تمّ التخلص من أهم مستلزمات تلك الرحلة التي تقود إلى نظام الرجل الواحد برفقة صحافة أساسها قذر، وتمر من محطات 15 يوليو 2016، و14 ابريل 2017  (تاريخ التصويت على التعديلات الدستورية).

وها نحن الآن نرى تركيا تعيش بإعلام مفرّغ من الداخل. وبات الجميع ينظرون إلى هوية من يسأل عن معرفة الحقيقة، ولا يعنيهم سؤاله، ومن هنا تبدأ القدرات الخارقة في قراءة النوايا، والنظر بغضب حيال كل شخص ينشد معرفة الحقيقة. كما أن النظام الحاكم نجح في إيقاع الصحفيين ببعضهم البعض. وبتنا دولة تتنفس كذبًا، وأصبحنا مضطرين لقبول الجرائم على أنها أمور طبيعية.

لكن علينا ألا ننسى أن للحقيقة جانباً وطبعاً سيّئاً وهو أنها بكل تأكيد ستأتي لتقرع الباب.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
 

https://ahvalnews.com/tr/17-25-aralik/17-25-aralik-cok-basarili-bir-ortbas-etme-hikayesi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.