يحيى مدرا
مارس 28 2018

ظهور المذهب التجاري الحديث وتعريفات الصلب في تركيا

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه علاوة على كندا والمكسيك، فإن الولايات المتحدة سوف تعفي الاتحاد الأوروبي وأربعة حلفاء آخرين هم –استراليا والأرجنتين والبرازيل وكوريا الجنوبية – من تعريفات الصلب والألومونيوم التي بدأ سريانها يوم الجمعة. وكان من الملاحظ غياب اليابان وتركيا من قائمة الدول المعفاة.
وبينما بدت تركيا هادئة بشكل أو بآخر، ظهر على اليابان أنها أخذت الأنباء بجدية كبيرة. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز عن محللين قولهم إن قرار ترامب ترك اليابان "خارج قائمة الدول المعفاة هو وسيلة للتفاوض لإجبارها على الدخول في محادثات ثنائية للتجارة الحرة".
واليابان، التي سجلت 1.6 مليار دولار من الصلب في عام 2017، هي أكبر دولة مصدرة للصلب للولايات المتحدة خارج قائمة البلدان المعفاة.
لكن وبالنظر إلى أن الإعفاءات تشمل أكبر خمس دول مصدرة للصلب للولايات المتحدة، فإن الإجراءات الحمائية سيكون لها تأثير محدود على الاقتصاد الأميركي. وإن لم يكن لهذه التعريفات تأثير اقتصادي فوري فما هو الغرض الفعلي منها؟
يقول معلقون إن ترامب سعى لسن هذه التعريفات لكي يثبت علنا أنه يفي بوعوده التي أطلقها في الحملة الانتخابية. وربما يكون هذا صحيحا. لكن يعرف عنه أنه محاط بعصابة من الاقتصاديين القوميين الذين يرغبون في معاقبة الصين على ما يرونها سياسات من منطلق المذهب التجاري الحديث أو ما تسمى "المركنتلية الحديثة".
في أغسطس 2017، أجرى ستيف بانون قبل فترة وجيزة من إجباره على الاستقالة من منصبه الاستشاري بالبيت الأبيض مقابلة غير متوقعة مع روبرت كوتنر الصحفي في مجلة "أميركان بروسبكت" المعروف بتوجهاته التقدمية المؤيدة للعمال والمعروف عنه أيضا انتقاده للعولمة والليبرالية الجديدة.
قال بانون لكوتنر "أنا وأنت في مركب واحد عندما يتعلق الأمر بالصين" وأعلن بأسلوبه الجريء الذي يشتهر به "إننا في حرب اقتصادية مع الصين".
هذا يدل على أن إدارة ترامب مهتمة بتوجيه الاقتصاد الأميركي في اتجاه المذهب التجاري الحديث. ويشير الاقتصاديون في الغالب إلى هذا المذهب حين يتحدثون عما تقوم به الصين منذ عقود وبالتحديد السياسة التجارية التي تهدف إلى تحقيق فائض تجاري.
تقوم الحكومة الصينية بهذه السياسة التجارية الحديثة داخل منظومة تعتمد على رأس مال الدولة. ومن خلال القطاع المالي الذي تقوده الدولة، تضخ الحكومة أموالا في شركات رأسمالية مفضلة لها وتقدم دعما لقطاعات تهتم بالتصدير وتحمي في نفس الوقت الشركات الأخرى المتخصصة في السوق المحلي.
ويبدو أن الإدارة الأميركية التي لا تزال تتبع خطة العمل الذي وضعها بانون في مقابلته مع كوتنر تقوم بهجوم مباغت في حرب اقتصادية مع الصين. وعلاوة على التعريفات التي قيل إنها طبقت ردا على سياسة الإغراق الصينية في قطاعي الصلب والألومونيوم، أعلنت الولايات المتحدة أنها ستتخذ إجراء في منظمة التجارة العالمية ضد "تصرفات الصين وسياساتها وممارساتها المرتبطة بنقل التكنولوجيا والملكية الفكرية والابتكارات".
لذلك، يبدو أن هذا كله موجه للصين. لكن، ومرة أخرى، ليس الصين وحدها. فلم تشمل قائمة الدول المعفاة اليابان والصين وتركيا ودول أخرى مصدرة للصلب والألومونيوم أقل حجما. وبينما تبدو اليابان مستعدة للدخول في مزيد من المفاوضات، فما هو موقف تركيا؟
قبل أسبوعين، وفي مقال رأي عن أزمة العولمة الليبرالية الجديدة، قال جميل أرتيم كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن "أنقرة ستتخذ إجراءاتها الخاصة ضد الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي، وضد سياسات حمائية أخرى بالولايات المتحدة.
ولم يعرف حتى الآن ما هي الإجراءات الملموسة التي ستتخذها تركيا. وفي مقابلة جرت مؤخرا، وأيضا قبل إعلان قائمة الإعفاءات الأميركية، قال ناميك أكينجي رئيس رابطة مصدري الصلب في تركيا إنه إذا فرضت التعريفات فإنه لن يكون لها تأثير شديد على صادرات الصلب التركية الموجهة إلى الولايات المتحدة.
لكن وبعد إعلانها، فإن الدول المعفاة من التعريفات ستملك ميزة تنافسية على الدول غير المعفاة.
وردا على ذلك، إذا رغب مصدرو الصلب الأتراك في الاحتفاظ بحصتهم في السوق الأميركية فعليهم تخفيض السعر.
وهذا ممكن فقط إذا كانوا مستعدين لقبول أرباح أقل أو إذا تمكنوا من توزيع تأثير تخفض الأسعار على العمال (مثل تقليل الأجور وتقليل الإنفاق على تأمين مواقع العمل أو زيادة إنتاجية العامل) أو مجموعة من هذه الإجراءات، وهذا في حال لم تقرر الحكومة التركية تقديم دعم للمصدرين لتعويض الآثار الشديدة للتعريفات الجديدة.  وهذه هي الطريقة التي تبدأ بها الحروب التجارية.
وفي بيان وجهه مؤخرا لإحدى لجان مجلس النواب الأميركي، قال الممثل التجاري الأميركي روبرت لايتهايزر آسفا إن "الكثير جدا من أعضاء منظمة التجارية العالمية يرون المنظمة منتدى للتقاضي وليس منتدى للحوار".
وفي ترديد لمشاعر المستشارين الاقتصاديين القوميين لترامب عبر أرتيم عن اعتقاده في أن منظمة التجارة العالمية والاتحاد الأوروبي لا يصلحان لمهمة بناء "نظام تجاري عالمي جديد".
ويجادل أرتيم بأن هذا النظام التجاري الجديد ينبغي أن يضع نهاية "للنفاق التاريخي" للاقتصادات المتقدمة التي "تريد الليبرالية فقط لدولها" وأنه ينبغي لها أن تدرج في إطارها التنظيمي "المصالح الاقتصادية والتجارية للدول النامية أيضا".
كل ذلك يبدو جيدا، لكن حديث أرتيم ينقصه شيء: إن ارتيم يرغب في تكرار تحول الصين من سياسة تحقيق فائض تجاري بالاعتماد على إنتاجية العمال والتحويلات من قطاع الزراعة إلى سياسة تعتمد على تصدير السلع عالية التقنية، لكن هذه السياسة ممكنة بسبب سياسة الحكومة الأميركية على مدار عقود التي شهدت ردودا فاترة على السياسات الصينية العدائية في إطار النظام التجاري الحديث (مثل العملة وانتقال التكنولوجيا وإهمال الملكية الفكرية ومعايير العمل والبيئة الضعيفة).
وفي عالم أصبحت فيه كل الجهات الفاعلة خاصة المراكز الرأسمالية المتقدمة تتبنى المذهب التجاري الحديث بشكل متزايد، فإن احتمالات التقدم من خلال هذه النظرية محدودة بشدة.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/rise-neo-mercantilism-and-steel-tariffs-turkey