جان تيومان
يوليو 28 2018

عامان من الطوارئ بتركيا: قليل من الديمقراطية يُعادل قليلاً من الخبز

 

وأخيرًا رفعت تركيا حالة الطوارئ التي أُعلنت في 20 يوليو من العام 2016 عقب المحاولة الانقلابية الغامضة التي وقعت في الخامس عشر من الشهر والعام ذاتهما.
فعلى مدار عامين كاملين استطاع حزب العدالة والتنمية من خلال حالة الطوارئ، تعليق القيم الإنسانية الأساسية كالديمقراطية، وحقوق الإنسان. وتمكن كذلك في تلك المرحلة من الوصول إلى هدفه الذي كان كثيرًا ما ينشده وهو التحول بنظام الحكم في البلاد من برلماني إلى رئاسي. هذه الرغبة كان تلح عليه كثيرًا قبل المحاولة الانقلابية المحفوفة بكثير من الأسرار التي لا يعرفها أحد.
وحتى نكون على بينة من الأمر، فإنه بعد رفع حالة الطوارئ مؤخرًا، وتحديدًا فجر الخميس الماضي 19 يوليو الجاري، فإن الأمر لن يتغير كثيرًا خلال الفترات المقبلة. وذلك لأن التشريعات والقوانين التي أقرها النظام الجديد في البلاد، لا تتيح للمواطنين الأتراك أية إمكانيات أو خيارات تختلف عن مثيلاتها التي كان معمولًا بها إبّان حالة الطوارئ بخصوص الديمقراطية وحقوق الإنسان. فلا جرم أن تركيا باتت واحدة من الدول التي تشتهر في العالم بالحكم المطلق، وليس الديمقراطية.
في البداية أُعلنت حالة الطوارئ لمدة ثلاث أشهر، وحينها سوّق لها كل من الرئيس رجب طيب أردوغان، ورئيس وزرائه بن علي يلدريم، مؤكدين أنه "لن يكون لها أي تأثير على المواطن". لكن النتائج لم تكن كما أكد الرجلان مرارًا وتكرارًا بمناسبة وغير مناسبة. إذ أن المعارك التي تزايدت خلال حالة الطوارئ مع الديمقراطيات الغربية، كانت كفيلة بدب الخوف في نفوس المستثمرين الأجانب، ناهيكم عن أصحاب رؤوس الأموال من المحليين.
ومن ثم كان لحالة الطوارئ آثارها الاقتصادية على المواطنيين العاديين، وتمثلت تلك الآثار في قلة الاستثمارات الخارجية القادمة للبلاد، فضلا عن هروب أصحاب رؤوس الأموال المحليين إلى الخارج خوفًا من الضغوط الداخلية. فرجال الأعمال الأغنياء في تركيا وجدوا في إخراج رؤوس أموالهم للخارج فرصة في تقليل خسائرهم التي تعرضوا لها في الداخل بسبب الطوارئ التي أعلنها الحزب الحاكم.
كما أن حالة الطوارئ كانت سببًا في ربط كافة مؤسسات الدولة، برئاسة الجمهورية وذلك من خلال سلسلة من المراسيم بقانون التي دأب رئيس البلاد على إصدارها بين الحين والآخر. والفترة ذاتها شهدت ما يمكن تسميته بالبروفه أو التجربة العملية للنظام الرئاسي الذي كان مدرجًا على أجندة أردوغان منذ سنوات طوال.
أما الآن فنحن نرى تطبيقًا شاملًا للنظام الرئاسي، أي انتقلنا من مرحلة التجربة إلى مرحلة التنفيذ الفعلي على أرض الواقع. وتم في هذا الإطار تطبيق سلسلة من التعديلات التي تخدم هذا النظام بشكل جعل نظام الحكم في البلاد الذي قدمه أردوغان وزمرته للمجتمع، وكذلك نظام الإدارة وسرعة اتخاذ القرارات بشكل منفرد، أشبه ما يكون بـ"إدارة شركة مساهمة" وليس دولة. غير أن النتائج المترتبة على كل ذلك أبعد ما يكون عن صالح المواطن في الشارع.
فالعامان الماضيان شهدا تراجعًا في معدل الدخل السنوي للفرد بمقدار 10 في المئة، رغم الأرقام الصادرة عن هيئة الإحصاء التركية (تويك). فكما تعلمون أن تلك الأرقام المتعلقة بمعدل النمو خلال العامين الماضيين مبالغ فيها من قبل عدد من خبراء الأسواق. ولا شك أن مثل هذه الأرقام تعتبر مؤشرًا على أنه ليس بالإمكان التغلب على الأضرار الاقتصادية التي تعرضت لها البلاد جرّاء سياسات فاشلة.
كما أن التضخم في تركيا وصل إلى معدل 7.64 في المئة عام 2016 الذي أُعلنت فيه حالة الطوارئ. أما الآن فقد بات معدل التضخم ضعف هذا الرقم. ووفق آخر معطيات فقد وصلت زيادات الأسعار  السنوية في العام 2018، إلى 15.39 في المئة، ولا زال ارتفاعها مستمرًا. كما أن ارتفاع معدلات التضخم بشكل كبير، يشكل حتمًا عبئًا على الأسواق التي تعتبر المعيار الدقيق والأصح لحالة الاقتصاد في أي بلد ما.
فعلى سبيل المثال كانت وزارة الخزانة تستدين قبل إعلان حالة الطوارئ بمعدل 9.4 في المئة على أساس سنوي، أما اليوم فتجاوزت معدلات التحويل نسبة العشرين في المئة، وهذ الرقم يعتبر الأعلى على مدار الـ15 عامًا الماضية. وكذلك انتعش الدولار في ظل وجود حالة الطوارئ، وارتفعت قيمته أمام الليرة التركية من 3 ليرات للدولار الواحد إلى 4.98 ليرة. كما حلت خسارة بقيمة 20 في المئة من حيث القيمة الدولارية في سوق الأسهم وتقييم الشركات. ناهيكم عن الارتفاع في أسعار العقارات التي تسير على مدار العامين الماضيين دون معدلات التضخم.  كل هذه الأمور تلحق بالتأكيد أضرارًا كبيرة بأسعار الأصول العامة أي تتسبب في انهيار تلك الأسعار، ناهيكم عن التراجع في المكاسب اليومية للمواطنين.
وعلى الجانب الآخر، فإنّ الأرقام التي برزت كسبب ونتيجة لكل هذه التطورات الاقتصادية، والمتعلقة بالتدفقات الرأسمالية باتت محبطة بشكل كبير. والاقتصاد التركي الذي بلغ عجز حسابه الجاري بين عامي 2003-2016 ما قيمته 468 مليار دولار، سنحت له فرصة تمويل 320 مليار دولار من قيمة هذا العجز، من خلال الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة للمستثمرين الدوليين. أي أن ما يقرب من 70 في المئة من عجز الحساب الجاري الذي تسببت فيه الأوضاع الاقتصادية في عهد حكومة العدالة والتنمية قبل حالة الطوارئ، تم تمويله من خلال مدخرات الدول الأخرى.
ولا شك أن أحد الأسباب الرئيسية لتدفق هذا الكم من رؤوس الأموال إلى تركيا، هو النقلات الكبيرة التي حققتها أنقرة في مجالي الديمقراطية وحقوق الإنسان إبّان فترة الإصلاحات التي طلبها الاتحاد الأوروبي خلال مسيرة انضمامها إليه. لكن بداية من العام 2013 بدأت حكومة ونظام أردوغان يميلان إلى التسلط والاستبداد.  كما تحولت البلاد للنقيض بنسبة 180 درجة في مجال الإصلاحات بشكل تسبب في أفول نجم تركيا أمام الأوروبيين والعالم أجمع. وبحسب معطيات البنك الدولي فإن نسبة تمويل عجز الحساب الجاري للاستمثارات الخارجية بعد العام 2017، قد تراجعت إلى 50 في المئة. ودأبت كافة البيانات التي أخذت تصدر عن ذات المؤسسة، على تأكيد تراجع هذه النسبة بشكل مستمر. 
ومن المؤشرات الملموسة التي لا يمكن إغفالها بخصوص وضع رأس المال الأجنبي في تركيا، العلامات التجارية (الماركات) العالمية التي تضررت كثيرًا من الوضع السياسي في البلاد، فاضطرت للهرب بعد ما لحق بها من أضرار كبيرة، وذلك بعد أن جاءت إلى البلاد وكلها آمال لتحقيق طفرة نوعية ما. هربت بعد أن تعرضت لخيبة أمل كبيرة. ليس هذا فحسب بل إن أكثر من 70 في المئة من تلك الماركات، قد انسحبت في الفترة التي فرضت فيها حالة الطوارئ.
ولا شك أن العلامات التجارية التي هربت من داخل تركيا، ليست ماركات أجنبية فحسب. فوفق دراسة أجرتها منظمة "نيو وورلد ويلث" الجنوب إفريقية، فإن حوالي 12 ألف مليونير محلي هربوا من تركيا خلال آخر عامين شهدا تطبيق حالة الطوارئ بالبلاد. وقد حصل هذا العدد من رجال الأعمال على جنسيات البلدان التي فروا إليها، بحسب ذات المصدر. أي أن تركيا بذلك احتلت المرتبة الثالثة بين بلدان العالم بعد الصين والهند من حيث تصدير رجال الأعمال للخارج.
ووفق معطيات البنك الدولي، فإن قيمة الاستثمارات التي خرجت من تركيا على خلفية حالة الطوارئ، كانت أكثر من 5 مليارات دولار. ولا شك أن هذا هو الجزء العلوي فقط الظاهر من جبل الجليد. كما أن بيانات وزارة المالية التركية، أكدت في أكثر من مرة ارتفاع مقدار رؤوس الأموال التي خرجت خلال السنوات الأخيرة من البلاد بصورة غير مسجلة رسميًا. وآخر بيان من نوعه صادر عن ذات الوزارة ذكر أن قيمة رؤوس الأموال التي خرجت خلال عدة سنوات بلغ 5 مليارات دولار، وأن تلك الأموال خرجت بواسطة شركة رهانات  تأسست في جمهورية شمال قبرص التركية.
ولا غرو أن هذه الأموال عبارة عن ثروات تم تهريبها بعيدًا عن سطوة الدولة التركية التي بدأت عهودًا من الاستبداد، وأخذت على عاتقها تطبيق نظم مصادرة الممتلكات من هذا وذاك تحت ذرائع مختلفها؛ لا سيما مكافحة الإرهاب. ففي إطار الممارسات الاقتصادية التي طبقت ضمن مكافحة الإرهاب خلال فترة الطوارئ، صادرت الدولة أصول وممتلكات 937 شركة. وتبلغ قيمة أصول هذه الشركات 50 مليار ليرة تركية، ويعمل بها نحو 48 ألف شخص. وفضلا عن هذه الشركات صادرت الدولة كذلك ممتلكات وأصول عشرات الآلاف من الأشخاص العاملين داخل الدولة، بموجب دعاوى قضائية لها علاقة بالإرهاب رفعت بحقهم.
وفضلا عن ذلك فإن هذه الممارسات باتت تتكرر كل يوم، وتطال أشخاصًا وجماعات جديدة، وهذا إن أكد شيئًا فإنما يؤكد أن سياسات المصادرة التي بات يمارسها نظام أردوغان باتت أمرًا مؤسساتيًا يتم بشكل ممنهج. ولعل من أبرز الأدلة على ذلك، "لجنة تجميد ومصادرة الأصول المالية" التي تم تأسيسها مؤخرًا بموجب سلسلة التغييرات التي شهدتها تركيا لترسيخ نظام الحكم الرئاسي بدلًا من البرلماني.

 

وخلاصة القول ومجمله، فإن حالة الطوارئ التي سوّق لها المسؤولون الأتراك على اختلاف مناصبهم مؤكدين أنه "لن يكون لها أي تأثير على المواطن"، كانت سببًا في حدوث حالة كبيرة من التدهور الاقتصادي. وإذا كانت الأرقام توضح بشكل جلي مدى تأثير حالة الطوارئ على المواطنين، قد يذهب المسؤولون عن البلاد إلى الحديث عن أن هذه الأرقام غير حقيقية. لكنهم تناسوا أن الواقع اليومي في حياة الناس يؤكد صحة تلك الأرقام. وخير دليل على ذلك أن 250 غرامًا من الخبر كان يباع قبل بداية الطوارئ، بليرة واحدة، أما الآن فإن 20 غرامًا فقط من الخبر يباع بليرة. وهذا يعني أن الأسعار شهدت زيادة تقدر بـ25 في المئة. وخلال الآونة الأخيرة دأبت وسائل الإعلام على القول إن هناك زيادة منتظرة يعتزم أصحاب المخابز إضافتها على أسعار الخبز.
ومن المؤكد أنّ هذا الاستنتاج، يوضح لنا بشكل جلي وقاطع أن العديد من المفاهيم مثل الديمقراطية، وسيادة القانون لها علاقة مباشرة بأسعار الخبز. والمحصلة التي خرجت بها البلاد من حالة الطوارئ تقول لنا إن القليل من الديمقراطية لا يمكنها شراء سوى القليل من الخبز.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: