يحيى مدرا
ديسمبر 31 2017

عام 2017 في تركيا.. عام الفراغ

يطرح بكير أجيردير مدير شركة كوندا لاستطلاعات الرأي ومقرها اسطنبول مفهومه عن العالم الآن. يقول إنه بينما العالم يواجه تناقضات العولمة الرأسمالية فإنه يرتد إلى حدود الدولة القومية كحاضنة بهدف حماية النسيج الاجتماعي من التفكك.

وفي حوار مع وكالة موزيوبوتاميا للأنباء يصف أجيردير  هذا بأنه "العصر الثلجي العالمي"، لكنه يعتبرها مرحلة مؤقتة.

 ما لم يقله أجيردير  صراحة عن هذه الفترة لكنه فُهم من كلامه هو أن الارتداد إلى الدولة القومية يعد رد فعل على الصدمة التي خلفها "مجتمع المعلومات في حقبة ما بعد الحداثة" والتطورات التكنولوجية التي مثلت الأساس بالنسبة لهذه المرحلة.

ولأنها ظاهرة تحمل رد فعل فلا يمكن إلا أن تكون سوى مرحلة انتقالية.

يقول إن النماذج الحالية من الدول تعكس البناء على أساس "مجتمعات اقتصادية". وبما أنها غير قادرة على التفاعل مع تناقضات "مجتمع المعلومات" فإنهم، إن آجلا أو عاجلا، سيحتاجون لاختراع نموذج جديد. ويبيّن أجيردير  الضرورة لصياغة شكل جديد للمدينة الفاضلة أو طريقة جديدة للعيش أو نمطا جديدا للسياسة أو أسلوبا جديدا للحكم – وهو أمر يتوافق ليس فقط مع حقائق مجتمع المعلومات بل أيضا يشكل أحد مكونات التصدي لمهمة هائلة كمواجهة التبعات الحتمية لأزمة بيئية عالمية وشيكة.

صحيح أننا نعيش مرحلة انتقالية، سواء في تركيا أو في العالم بشكل عام. لكننا سنكون مخطئين إن فكرنا في هذه المرحلة بطريقة نمطية، حيث يعد الرجوع إلى الدولة القومية والحكم السلطوي رِدة عن تعامل تقدمي في الإنتاج والتنمية التكنولوجية. لا شك في أهمية الفكرة التي طرحها أجيردير  حيث يبقي التساؤل قائما عن شكل مجتمع المستقبل، ويقر بعدم ملاءمة المفهومين العولمة النيوليبرالية والقومية التجارية.

لكن الفرضية التي يتعين علينا القبول بها اليوم هي فرضية أكثر قتامة. ماذا لو انحرف المذهب التجاري الجديد إلى السلطوية والقومية الاقتصادية وعقلية القلاع والشوفينية واليمينية وغير ذلك. لا يوجد في هذا ما يمثل رد فعل للنيوليبرالية بل هو تحول عن هذه المفاهيم كنتيجة لعدم ملاءمتها لمواجهة تناقضاتها هي ذاتها؟ ماذا لو لم تكن ما نطلق عليها لفظ "جديد" عودة لظاهرة الكيانات الاجتماعية مثلما كان في الماضي بل تحولا في النيوليبرالية نفسها نحو مزيد من السلطوية.

والدلالات أمامنا بالفعل. لكن لنتمكن من رؤيتها يجب علينا فهم تعريف أضيق للنيوليبرالية كحكم أبدي (وليس فقط كمعاملات اقتصادية) من خلال محفزات اقتصادية. على مستوى صغير أو على الأقل في مستوى المواطنين الذين يتحدثون عن تفاصيل حياتهم اليومية.

أكثر من ذلك فإن في سعي الليبرالية الجديدة من خلال الحكم السلطوي إلى وضع جميع نواحي الحياة الاجتماعية في قالب اقتصادي ممارسة سلطوية عميقة. إن الليبرالية الجديدة تتطلب من كل مواطن أن يعلم ويجيد ويعرف الإجابة وبالتالي ينسجم مع التدخلات أو على الأقل يتفاعل مع موقع المحفزات الاقتصادية. على نفس المنوال فإن الليبرالية الجديدة تعمل على "شخصنة" الفشل؛ فالأحداث الحياتية كإشهار الإفلاس أو البطالة ليست سوى مؤشر على الفشل الفردي أو حتى من خلال الاثنين في معظم الحالات يفهم الأمر أكثر كظواهر محددة.

في معظم الحالات لم يخرج مفهوم الدول القومية من الصورة حتى حين وصل ذروة الأمر في العالمية المقترنة بالليبرالية الجديدة.

إن التحول نحو نموذج الدول القومية يحول مفهوم السيادة إلى شكل أقرب للشركات حيث يتصرف الحاكم كمدير تنفيذي. إن لم يكن هذا التوجه واضحا مع كل من الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني الذي طرح فكرة أن يعمل الناس فكرة أن يعمل المسؤولون كمديرين تنفيذيين كل لحكومته فلا يجب أن يساورنا شكل في ذلك اليوم بوجود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأردوغان والرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

تتمثل الصورة العامة في وجود قادة يتمتعون بشعبية ينحرفون عن الخط التاريخي لمسارهم ليسيروا في اتجاه الديمقراطية والحريات والأسواق. لكن ماذا لو أن هؤلاء القادة قد استولوا على جثة دولة قومية تحولت إلى شركة صغيرة كيان شركة بعد أربعة عقود من انتقاد الليبرالية الجديدة؟

لعل من الأفضل لنا وصف 2017 بأنه عام الفراغ وليس فترة انتقالية. فلقد مات حكم الليبرالية الجديدة لكن المفاهيم الجديدة لم تتشكل حتى الآن.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا:

https://ahvalnews.com/neoliberalism/2017-year-suspension