اومت اوزكرملو
يناير 22 2018

عفرين.. عندما تكون الحرب أداة في السياسة الداخلية لتركيا

 

التاريخ العام 1982: وجدت الطغمة العسكرية التي تتولى الحكم في الأرجنتين منذ العام 1967، صعوبة في إدارة البلاد بسبب الأزمة الاقتصادية. التضخم الذي تخطت معدلاته نسبة الـ100%، وكذلك نسب البطالة المتزايدة، ضربا معًا الطبقتين الصغيرة والمتوسطة اللتين تشكلان السواد الأعظم من نسيج المجتمع.
المجلس العسكري بقيادة الجنرال ليوبولدو غالتيري، بدأ مع مرور الوقت يستخدم مزيدا من العنف والاضطهاد، لقمع ردود الأفعال الغاضبة بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد. لدرجة أن عدد من فقدوا حياتهم بسبب التعذيب أو من باتوا في عدادا المفقودين، تراوح بين 7 آلاف و 15 ألف شخص وفقا لمصادر مختلفة.
الجنرال غالتيري الذي فقد كافة الخيارات المطروحة أمامه للتغلب على ما يواجهه من صعاب، وجد ضالته المنشودة في البحث عن حل للأمر في مغامرة خارجية شأنه في ذلك شأن أي حاكم ديكتاتوري مستبد. فقام في هذا السياق باحتلال جزر "فوكلاند/ لاس مالفيناس" التي كانت مستعمرة بريطانية منذ العام 1833، وحتى ذلك اليوم.

 

التاريخ، 4 أبريل: أطلق عسكر الأرجنيتن عملية عسكرية أطلقوا عليها اسم "العملية الزراقاء" التي أفضت لاحتلال الجزر المذكورة، وجاء اسم العملية تيمنًا بزي العذراء السيدة مريم الذي يعتقد أنه حمى البحر والسماء والوحدات الأرجنتينية.
وحدة عسكرية بريطانية كانت مكلفة بحماية الجزر، ابدت مقاومة ضعيفة أمام الوحدات الأرجنتينية لأنها لم تكن مستعدة للعملية، وبعد فترة قليلة وقعت الجزر في قبضة الأرجنتين. رد فعل الشعب الأرجنتيني حيال العملية جاء في البداية مثلما أراد الجنرال غالتيري.
الشعب الذي يرى الجزر أرضا أرجنتينية لاعتبارات تاريخية جغرافية، احتشد أمام القصر الرئاسي في ساحة " بلازا دي مايو" في عاصمة البلاد، للتعبير عن دعمه للعملية العسكرية.
غير أن المرأة الحديدة "مارغريت تاتشر" كانت في تلك الفترة على رأس السلطة في بريطانيا، وأصبحت مسألة فقد الحزر قضية "قومية" بالنسبة للإنجليز. لذلك بعد فترة ليست بالكبيرة، وتحديدًا في 14 يونيو تمكنت بريطانيا من استعادة الجزر مرة ثانية بأقل مجهود. الحرب التي لم تعلن استمرت 74 يومًا، وأسفرت عن مقتل 650 جنديًا أرجنتينيًا، و255 من القوات البريطانية.
الطغمة العسكرية في الأرجنتين التي تكبدت خسائر كبيرة جراء تلك الحرب، ستضطر في العام 1983 لترك الحكم، لتتولى قيادة البلاد إدارة مدنية.
 
العام 2018: تركيا التي يحكمها منذ العام 2002 نفس الجزب السياسي (العدالة والتنمية)، باتت تحكم بنظام الفرد الواحد الذي يدار بقوانين حالة الطوارئ التي تم الإعلان عنها في العام 2016.  وعلى الرغم من أن المؤشرات الاقتصادية في البلاد ليست بالرائعة، إلا أنه لم تحدث أزمة اقتصادية كتلك التي عانت منها الأرجنتين وقت الحكم العسكري. فضلا عن أن تعليق العمل بالقوانين، وتقييد الحقوق والحريات بشكل كبير، لم يؤدِ لردة فعل واسعة النطاق داخل المجتمع. والأقلية التي حاولت المقاومة، قمعت أو أُضطهدت بأساليب وطرق لم تشهدها فترات حكم العسكر.
وفي ظل هذه الظروف يمكن النظر بعين اليقين أن النظام في تركيا سيبقى كما هو حتى وإن كان هناك انخفاضًا في نسب التصويت المزمع في انتخابات 2019 التي لم يتضح بعد إن كانت ستجرى أم لا، وإن أُجريت كيف سيكون ذلك. 
من جانب آخر فإن الهيبة الخارجية للدولة تزداد سوءً كل يوم، كما أن الشركات الأجنبية أوقفت استثماراتها في الداحل، ووكالات التصنيف الائتماني أيضًا أغلقت مكاتبها بها.
تركيا وفق بعض المؤسسات والمنظمات الدولية، باتت ضمن أكثر الدول التي شهدت تراجعًا كبيرًا في الديمقراطية خلال السنوات العشر الأخيرة. وعلى نفس السياق انتهت مغامرة انضمام أنقرة للاتحاد الأوروبي، كما أن خيارات الحكومة الموجودة في سياستها الخارجية باتت محل نقاش وجدل كبيرين.
إذا كان قولنا إن حزب العدالة والتنمية قد وصل لنهاية الطريق، فيه بعض الادّعاء، فمن المؤكد أن الإرادة السياسية في البلاد التي استنفذت حظوظها في الداخل والخارج، ستبحث عن حل لما تعيشه من أزمات، في مغامرة خارجية، وستعمد لاحتلال منطقة داخل أراضي دولة جارة.
التاريخ 20 يناير: النظام التركي استطاع الحصول على الدعم الذي أراده بفضل "عداوة الأكراد" تلك الميزة الوحيدة التي توحد المجتمع التركي تحت سقف واحد على اختلاف مشاربه. لدرجة أننا نرى الصحف التي لا يسيطر عليها ذلك النظام تطلق من فورها دعوات الحرب وذلك على النحو التالي:
"ضربة من حديد للإرهاب، وغصن زيتون للمدنيين (موقع خبر ترك الإخباري)"؛ "تركيا قبضة واحدة (صحيفة حرييت)"؛ "الشعب التركي خلفكم(صحيفة بوسطى)"؛ "ضربنا الخونة (صحيفة سوزجو)".
ولم يختلف عن تلك الصحف لا المعارضون والمؤيدون للنظام، فنجد في هذا السياق زعيم المعارضة التركية، كمال قلجدار أوغلو يعرب عن دعمه لعملية "غصن الزيتون" قائلا "ثقتنا في جيشنا تامة، ودعمنا للعملية غير منقوص". وعلى نفس الشاكلة عبّر رئيس مجلس إدارة جمعية الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك (توسياد)، أرول بيله جيك، عن دعمله للعملية المذكورة، بقوله "قلبنا مع قواتنا في كفاحها المستحق ضد بؤر الإرهاب".
غير أن سوريا التي توجد بها المنطقة المستهدفة بالاحتلال (عفرين)، تشهد منذ سنوات حربًا دامية تشارك فيها عدة جهات. والأسد الذي يزعم أنه يدير البلاد ويحكمها، يعارض العملية العسكرية التركية. فكما تعلمون النظام مدعوم بقوة من قبل كل من إيران ورسيا. هذا فيما لم تفصح واشنطن بعد عن موقفها من العملية.
وإن كانت الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا قد أعطيا الضوء الأخضر – هكذا هو الواضح - لبدء العملية، فهذا بالطبع مرده إلى الفوائد والمصالح التي سيتم جنيها من ورائها، فمن المحتمل أن تقدم تركيا عددًا كبيرًا من التنازلات للدولتين. ومن غير المعروف أيضا ماهية العناصر التي تحارب على الأرض.
والأهم من ذلك هو أن المنطقة منذ العام 2012 تخضع فعليًا لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الذي تعتبره تركيا منظة إرهابية، بينما تدعمه القوى الغربية. وكما تعلمون فمدينة "عفرين" إحدى كانتونات "ورج آفا" التي أعلنها أكراد سوريا مناطق ذاتية الحكم في 29 يناير 2014.
بالتاكيد يمكننا القول إن مستقبل "روج آفا" (شمالي سوريا أو كما يسميها الأكراد، كردستان الغربية) غير واضح المعالم. وعلينا ألا نعتقد بأن قوات "وحدات حماية الشعب" الكردية التي تسيطر على المنطقة، ستقدم "عفرين" على طبق من ذهب للقوات المسلحة التركية، لا سيما أن هذه القوات باتت لديها خبرة كبيرة من خلال حربها ضد تنظيم "داعش" الإرهابي، وذلك في ظل الدعم الكبير، والتدريب الذي تلقته من الولايات المتحدة الأميركية.
علاوة على كل ما ذكر فإن "روج آفا" – بحسب بعض المصادر – تعتبر منطقة تمثل أهمية رمزية للأكراد الذين يعتبرون أكبر أمة لا دولة لها، وضعوها لتنفيذ نموذج إدارة باسمهم.
كما لا ننسى أن علاقة أكراد تركيا بالأكراد في سوريا أقرب كثيرًا من علاقتهم بالأكراد الموجودين في العارق، لذلك فإن انعكاسات الحرب على تركيا ستكون مباشرة ومكثفة؛ تماما كما حدث في الحرب التي شهدتها مدينة كوباني (عين العرب).
ما ستسفر عن ساحة الحرب من نتائج محتملة، والأرواح التي ستزهق فيها، لا شك ستوضح بشكل جلي أن قرار خوض هذه المعركة كم كان فكرة تتسم بالرعونة. 
وفي الختام نقول إن استخدام الحرب كأداة سياسية داخلية، خطأ تكرر كثيرًا على مر التاريخ. وستكون هناك فائدة لمن يحكمون تركيا، ومن يدعمون حربهم في "عفرين"، بإعادة قراءة التاريخ من جديد، ومراجعة مواقفهم السياسية.
 

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: